المصدر: مجلة فورين بوليسي الأمريكية

قياس العولمة

الجميع يتحدثون الآن عن العولمة, ولم يحاول أحد حتى الآن قياس أبعادها. وفي هذا المقال يحاول مؤشر

ا.ت,كيرني-فورين بوليسي للعولمة فصل مختلف العوامل المعقدة التي تؤدي إلى تكامل الأفكار والبشر

والاقتصادات في العالم بأسره. ويسعى للإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي البلدان التي أصبحت

عند أقصى درجات العولمة؟ وهل زادت الفوارق بينها؟ أم زاد الفساد فيها؟

 يقول عالم الطبيعة البريطاني اللورد كيلفين: " عندما يستطيع المرء قياس ما يتحدث عنه, ويعبر عن ذلك بالأرقام, فإنه يكون قد بلغ شيئا من المعرفة بما يتحدث عنه. ولكن عندما لا يكون بمقدور المرء قياس ما يتحدث عنه, ولا التعبيبر عنه بالأرقام, فإن معرفته بالشئ عندئذ تكون ضئيلة ولا تشفي غليلا".

ولعل عبارة "لا تشفي غليلا" هي أصدق وصف لما يدور من محاورات حول العولمة في وقتنا هذا. ويبدو أن ثمة اتفاقا في الآراء على أن العولمة- سواء في صورتها الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو البيئية- تعرف بزيادة مستويات الاعتماد المتبادل عبر مسافات شاسعة. لكن قلة من الناس هي التي انبرت لمحاولة قياس مستويات الاعتماد المتبادل المشار إليها. فكيف نستطيع –على سبيل المثال- تحديد مدى اندماج بلد من البلدان في الاقتصاد العالمي؟وكيف نبرهن على أن العولمة تمضي بسرعة في طريقها دون تباطؤ؟ وكيف نقيس درجة انتشار شبكة الانترنت عالميا؟

 وعالم العولمة, شأنه في ذلك شأن الكون الطبيعي الذي حاول اللورد كيلفين فهمه, قد يشكل مفهوما أوسع من أن تحيط به مجموعات القياسات الإحصائية التي تستخدم اليوم لهذا الغرض . لكن ذلك التحدي نفسه لم يثن علماء الطبيعة عن سعيهم الدائب لقياس القوى التي يعتمد عليها استقرار الكون بدرجة أكبر من الدقة. ولا ينبغي لهذا التحدي أن يثني الذين يسعون إلى فهم أكبر للعولمة وأثرها على العالم المعاصر عن أن يواصلوا جهودهم في هذه السبيل. فالاكتفاء ببعض وسائل للتعبير الكمي عن أبعاد العولمة لن يؤدي إلى تقويم سليم لتأثيراتها.

 واذ نضع هذا التحدي في حسباننا, نقدم في هذا المقال مؤشر ا.ت,كيرني-فورين بوليسي للعولمةA.T.Kearney/Foreign  Policy Magazine Globalization Index   الذي يقدم دليلا شاملا عن العولمة في 50 بلدا من البلدان المتقدمة وبلدان الأسواق الصاعدة في العالم. ويعتمد المؤشر على تطبيق مفهوم الهندسة العكسية على العولمة وذلك بتحليلها إلى أهم مكوناتها. وهو يورد تعبيرا كميا لكل بلد على حدة من حيث مستوى الاتصالات الشخصية عبر الحدود الوطنية من خلال توليفة من البيانات المتعلقة بالرحلات الدولية, والمكالمات الهاتفية الدولية, وتحويلات المغتربين وغيرها من التحويلات المالية عبر الحدود. كما يضع خارطة لانتشار استخدام شبكة الانترنت لا تقتصر على تقدير عدد مستخدميها الذي يتزايد بصورة مستمرة, وإنما تورد تقديرا لعدد أجهزة الكومبيوتر الرئيسية والخوادم الآمنة المستخدمة في الاتصال والحصول على المعلومات وإجراء المعاملات التجارية عبر الانترنت.

كذلك يقيس مؤشر العولمة درجة الاندماج الاقتصادي وذلك من خلال تتبع حركات السلع والخدمات بما ينطوي عليه ذلك من تغيير في انصبة مختلف الدول من التجارة الدولية, ويقيس مدى حرية الحركة عبر الحدود الدولية من خلال مقارنة الأسعار المحلية والدولية. ويرصد هذا المؤشر كذلك تحركات الأموال من خلال جداول لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ورؤوس أموال محافظ الاستثمار الداخلة والخارجة, وجداول للمدفوعات وحصيلة الدخل.

 نظرا لتنوع العوامل التي يشتمل عليها مؤشر العولمة تنوعا غير مسبوق, فإننا نرى أنه أداة فريدة وقوية لفهم القوى التي يتشكل منها عالم اليوم. وقد جاءت نتائج قياس المؤشر لهذا العام مذهلة. فالكثير من المفاهيم التي يتمسك بها كل من أنصار العولمة وخصومها تتهاوى أمام قوة الأرقام الصريحة بدءا من قياس وتيرة ونطاق التكامل العالمي وخصائص"فجوة التكنولوجيا الرقمية" وانتهاء بقياس أثر العولمة على التفاوت في الدخل, ودرجة التحول الديموقراطي, والفساد.

هذا المؤشر قد لا يعطي إجابة فاصلة على السؤال الذي يدور حول ما اذا كانت العولمة تحقق من  الخير أكثر مما يترتب عليها من شر,لكن هذا المؤشر يتيح نقطة انطلاق موضوعية لحوار ظل يعتمد حتى الآن على أدلة سردية وليس على حقائق تجريبية.

أصحاب السبق في العولمة:

على مدى السنوات الأخيرة, شهدت مؤشرات التكامل العالمي نموا ملحوظا, فقد ارتفع عدد المسافرين والسائحين الدوليين, وأصبح متوسط عدد المسافرين الآن حوالي 3 مليون مسافر يوميا, بعد أن كان مليون مسافر فقط في عام 1980 . وتوضح آخر بيانات صدرت عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن الاستثمار الأجنبي المباشر قفز بنسبة 27% في عام 1999 حيث بلغ 865 مليار دولار, وهو رقم غير مسبوق, بينما زادت تدفقات الاستثمار قصيرة الأجل وطويلة الأجل عبر الحدود الدولية إلى أكثر من الضعف بين عام 1995 وعام 1999 . ونظرا لانخفاض تكلفة المكالمات الهاتفية الدولية وارتفاع مستويات النشاط عبر الحدود الدولية , وصل حجم المكالمات الهاتفية الدولية إلى أكثر من 100 مليار دقيقة في عام 2000 وهو رقم غير مسبوق. ومع وصول عدد مستخدمي شبكة الانترنت الآن إلى أكثر من 250 مليون شخص, وهو رقم يتزايد باستمرار, نجد أن المزيد من البشر من سكان الأصقاع النائية في العالم أتيحت لهم الآن فرص الاتصال المباشر على نحو لم يكن متاحا من قبل.

 وتطور تكنولوجيا المعلومات يعزز عملية العولمة بطرق تتخطى مجرد تسهيل الاتصال. بل هناك دول تخشى أن تكون شبكة الانترنت أداة لهيمنة الثقافة الأمريكية, بينما ترى دول أخرى في شبكة الانترنت عاملا حفازا على إيجاد تجمعات ثقافية عالمية بدءا من مشجعي الهوكي المغاربة الذين يتابعون فريقهم المفضل في كندا, وانتهاء بمظاهرات مناهضي العولمة التي تنظم ضد كل من منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي. كذلك فإن شبكة الانترنت وسيلة غير مسبوقة لنشر الإيديولوجية بين جمهور عالمي, سواء أكانت إيديولوجية أنصار الديموقراطية في الصرب ممن أعادوا توجيه بث محطاتهم عبر الانترنت أم كانت إيديولوجية المتمردين الشيشان الذين يديرون إذاعة خاصة بهم عبر الانترنت.

 ولكن ليس من السهل قياس التأثير الكامل لتكنولوجيا المعلومات على الحياة السياسية والاجتماعية, إنما من الممكن رصد تأثيراتها على القطاع الاقتصادي. فتكنولوجيا المعلومات تمكن الدول من تحقيق مستويات أعلى من التكامل الاقتصادي فيما بينها, وليس أدل على ذلك من نشاط الأسواق المالية التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات المتطورة للتداول في تريليون ونصف تريليون دولار حول العالم كل يوم. أما بالنسبة للولايات المتحدة, فإن تدفقات السندات والأسهم عبر الحدود أصبحت الآن أكثر 54 مرة مما كانت عليه في عام 1970 ,وزادت التدفقات المماثلة 55 مرة في حالة اليابان و60 مرة في حالة ألمانيا.

اذا نظرنا إلى هذه النزعات الإحصائية نجدها لأول وهلة تعزز الاعتقاد الشائع بأن العولمة "تزيد من ترابط العالم على نحو يحوله إلى سوق الكترونية واحدة تتحرك بسرعة الضوء" وذلك على حد تعبير "والتر ريستون" الرئيس السابق لمؤسسة "سيتيكورب"المالية. ولكن اذا ألقينا نظرة فاحصة على تلك النزعات الإحصائية نجد أن سرعة التكامل العالمي الآن لا تزيد عما كانت عليه قبل سنوات, بل إن خطاها قد تكون أبطأ من ذي قبل.

  لماذا تظل العولمة متباطئة حتى مع نمو مؤشرات التكامل التكنولوجي بصورة متضاعفة وذلك بحساب عدد الأجهزة الرئيسية لخدمات الانترنت وعدد مستخدمي الشبكة وعدد الخوادم الآمنة لتوفير الاتصالات بشبكة الانترنت؟ اذ يسفاد من البيانات المتعلقة بطائفة متنوعة من الأسواق المتقدمة والنامية أن التكامل الاقتصادي العالمي قد تباطا إلى حد كبير. فالانخفاض في الحجم الكلي للتجارة مع البلدان الخمسين التي يغطيها هذا المؤشر يدل بالتأكيد على هذا التباطؤ. والمتهم الأول وراء هذا هو سلسلة الأزمات المالية التي تتابعت آثارها في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وروسيا في أواخر التسعينات. لكن النمو الكبير في محافظ الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر هو الذي ساعد على تخفيف حدة التباطؤ, الأمر الذي أسهم في عودة حجم التجارة العالمية إلى التزايد منذ عام 1999 . ونتيجة  لذلك, نرى اليوم وضعا يتباطـأ فيه سير العولمة الاقتصادية حتى مع تسارع سير العولمة التكنولوجية.

 وقد اتسمت خطى بعض الدول في التكامل مع سائر دول العالم بسرعة فاقت خطى دول أخرى. وأكثر بلدان العالم عولمة الآن بلدان صغيرة يسمح لها انفتاحها بالحصول على السلع والخدمات ورؤوس الأموال غير المتاحة لها داخليا. وبعض الحالات نجد فيها العامل الجغرافي لعب دورا هاما في دعم التكامل بين الأسواق. فعلى سبيل المثال تحق هولندا منافع من موقعها عند مصب نهر الراين –من بين عوامل أخرى-فهو الذي يربط عددا من البلدان يصل نصيبها من حجم تجارة هولندا إلى75%. وفي حالات أخرى, مثل حالة كل من السويد وسويسرا, نجد صغر حجم السوق وطابعها المحلي مع توافر العمالة المتعلمة ساعد على نشأة شركات عالمية حقيقية تستطيع التنافس في أي مكان في العالم. كذلك فإن هناك عوامل أخرى عديدة أسهمت في دمج دول صغيرة أخرى في العولمة, منها النمسا-على سبيل المثال-حيث تستفيد من حركة السياحة والسفر المكثفة, ومنها أيرلندا التي لعبت فيها تحويلات العاملين المغتربين باعداد كبيرة دورا هاما في دمج اقتصاد أيرلندا مع العالم الخارجي.

أما سنغافورة- وهي بلد صغير جدا- فتعتبر أكثر الاقتصادات عولمة في العالم, اذ تتفوق بفارق كبير على أقرب منافسيها من حيث حجم السفر عبر الحدود, وارتفاع نصيب الفرد في المتوسط من المكالمات الهاتفية الدولية الصادرة إلى حوالى 390 دقيقة سنويا. كذلك تفخر سنغافورة باستقبال حركة سياحة دولية مستمرة تبلغ سنويا ثلاثة أمثال إجمالي عدد سكانها. وعلى العكس من ذلك, نجد الولايات المتحدة تستقبل سدس ما تستقبله سنغافورة من سائحين وزائرين, وتسجل ربع ما تسجله سنغافورة من نصيب الفرد في المتوسط من المكالمات الهاتفية الدولية الصادرة سنويا.

 إلا أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات جاهدة من جانب سنغافورة للحفاظ على المستويات العالية لحجم التجارة والاستثمارات الأجنبية ومحافظ الاستثمار, وهي كلها عوامل تدعم تفوقها في درجة العولمة, وربما يعود السبب في ذلك –في جانب منه- إلى الأنفلونزا الآسيوية, ما دامت الأزمة المالية قد طالت آثارها الأداء الاقتصادي امنطقة جنوب شرقي آسيا بأسرها. لكن بطء سنغافورة في خصخصة الصناعات المملوكة للدولة, وعدم قدرتها على إقناع الدول المجاورة بالدخول في اتفاقية تجارة حرة, والقيود الشديدة التي تفرضها على التوسع في استخدام الانترنت, كلها عوامل ساهمت في إبطاء تكاملها الاقتصادي مع البلدان الأخرى.

وهناك بلد آخر يحتل موقعا متقدما على مؤشر العولمة وهو هولندا, لكننا نجد العوامل المؤثرة في حالته عوامل اقتصادية في الجانب الأكبر منها. ففي غضون سنوات قليلة وجه الهولنديون استثمارات ضخمة إلى بلدان أخرى كما استقبلوا كذلك استثمارات أجنبية ضخمة بصورة لا تستطيع بلدان أخرى استيعابها. ففي أعقاب اصلاحات جذرية ألغت القيود وعززت مرونة العمل , زادت الاستثمارات الأجنبية في هولندا من 8% من إجمالي الناتج المحلي في عام 1995 إلى أكثر من 19 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 1998 .وبالمثل, زاد الحجم الكلي لمحافظ الاستثمار من 5% إلى أكثر من 30% من إجمالي الناتج المحلي خلال نفس المدة, وهو يعتبر أكبر معدل نمو في محافظ الاستثمار في العالم, اذ يبلغ ضعف نظيره في كل من فرنسا وألمانيا, وخمسة أمثال نظيره في المملكة المتحدة.

 ومع انضمام كل من السويد وفنلندا إلى موجة تطوير الاتصالات عبر الانترنت, وتحقيق كل منهما منافع مماثلة على صعيد التكامل مع سائر العالم, نجد تصنيفات درجة العولمة في حالة تغير دائم, فقد تنزلق سنغافورة من موضعها على القمة خلال السنوات المقبلة, حيث إن البلدان التي اصبحت في وضع يمكنها من الاستفادة من تكنولوجيا الاتصالات العالمية بصورة أفضل أو تقدم على إصلاحات أوسع نطاقا لجذب التجارة والاستثمار الأجنبيين توثق الآن علاقاتها مع الدول المجاورة.

إلا أنه رغم توافر علامات الانفتاح بين هذه الدول المتصدرة لقائمة العولمة, هناك دول أخرى عديدة تظل عند مستويات دنيا من التكامل, كما أنه لا توجد دلائل على إمكانية حدوث تغيرات في أوضاعها في القريب العاجل. ومن ثم فهناك سبب وجيه يحمل على الاعتقاد بان البلدان التي تتصدر قائمة العولمة تسبق من وراءها بمسافات متزايدة.

 هوة التكنولوجيا الرقمية:

 هناك تباين واضح بين مختلف البلدان في درجة مشاركتها في التحول نحو الاقتصاد العالمي الجديد, ففجوة التكنولوجيا الرقمية التي تفصل بين البلدان المتقدمة من جهة والأسواق الصاعدة من جهة أخرى يمكن وصفها بأنها هوة التكنولوجيا الرقمية. فعند النظر إلى مقاييس عديدة ذات صلة-بدءا بدرجة انتشار مستخدمي الانترنت وانتهاء بعدد أجهزة الكومبيوتر الرئيسية التي توفر الاتصال بالانترنت- نجد الجانب الأكبر من النشاط الاقتصادي المتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات يتركز في البلدان الصناعية.

 لكن هناك فجوة تكنولوجية رقمية أخرى فيما بين البلدان الصناعية ذاتها, فقد تكثف استخدام شبكة الانترنت بصورة واسعة جدا في الولايات المتحدة, بينما لا تزال كندا-الدولة المجاورة لها- متأخرة عن ذلك بكثير. وفي البلدين معا, هناك أكثر من 25 % من السكان يتمتعون بالدخول على شبكة الانترنت (حسب أرقام 1998 وهي آخر سنة تتوافر عنها أرقام بالنسبة لهذا المسح). لكن هناك تقديرات أحدث ترفع هذه النسبة إلى 40% بالنسبة للبلدين معا. والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة وكندا تتصدران العالم في عدد الخوادم الآمنة الصالحة لاتصالات التجارة الالكترونية, الأمر الذي يدل على أن شبكاتهما المتطورة في استخدام الانترنت يمكن استخدامها بصورة فعالة لتعزيز الأنشطة التجارية والاتصالات الشخصية على حد سواء.

وبالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا , نجد دول اسكندنافيا كذلك تحتل موقعا متقدما بين بلدان العالم في تكنولوجيا الاتصالات. ففي عام 1998 بلغت نسبة سكان السويد الداخلين على شبكة الانترنت 39%, ارتفعت إلى 44% وفق نتائج مسوح أحدث. وتتصدر فنلندا والنرويج قائمة الدول من حيث عدد اجهزة الكومبيوتر الرئيسية للربط بشبكة الانترنت, فيبلغ المتوسط فيها 70 خادما لكل 1000 نسمة ممن لديهم وصلات مباشرة للدخول على الانترنت.

واذا كان هناك إقليم يمثل درجة التحول نحو التكامل العالمي, فإن هذا الإقليم هو اسكندنافيا, فقد حولت كل من السويد وفنلندا والنرويج ثقلها التقليدي في مجالات الهندسة والصناعات التحويلية إلى المساهمة في طفرة تكنولوجيا المعلومات مع استمرار فتح أبوبها أمام تدفقات التجارة والاستثمار.

      تقوم مؤسسة فريدوم هاوسFreedom House الأمريكية, وهي مؤسسة غير حزبية, تقوم كل عام بتصنيف مستويات الحقوق السياسية والحريات المدنية في مختلف بلدان العالم. وهناك علاقة ارتباط طردي بين التصنيفات التي تضعها مؤسسة"فريدوم هاوس" وبين الترتيب الذي يشتمل عليه مؤشر ا.ت.كيرني-فورين بوليسي للعولمة. ومن ذلك على سبيل المثال أن البلدان الكثر عولمة( مثل هولندا وفنلندا) تشهد قدرا أكبر من الحريات المدنية والحقوق السياسية بينما يتواضع نصيب البلدان الأقل عولمة (مثل الصين وكينيا) في هذه التصنيفات. إلا أن هناك استثناءات هامة: فسنغافورة على سبيل المثال هي أكثر اقتصادات العالم عولمة لكنها تحتل مرتبة متأخرة في تصنيف "فريدوم هاوس" بالمقارنة بالبلدان الأخرى ذات المستويات المقاربة من التنمية.

 

     ولكن اذا كان المسؤولون في سنغافورة فيهم من يمارس مسلكا تسلطيا, فهم على الأقل يتصفون بالأمانة. فعلاقة الارتباط الطردي القوية بين تصنيفات البلدان وفق "مؤشر العولمة" وبين مستويات ادراك انتشار الفساد حسب قياسات منظمة الشفافية الدوليةTransparency International  - وهي منظمة دولية غير حكومية- يستفاد منها وجود علاقة واضحة بين العولمة وبين الحكومة النظيفة. بل إن المستثمرين يعتبرون موظفي الحكومة والساسة في البلدان الكثر عولمة مثل سنغافورة وفنلندا والسويد أقل فسادا مما هو عليه الحال في بلدان مغلقة مثل إندونيسيا ونيجيريا.

  لكن انطلاقة اسكندنافيا التكنولوجية ليست شيئا مفاجئا,  ففي القرن الماضي كانت السويد في طليعة البلدان التي حققت أقصى استفادة ممكنة من الاتصالات الهاتفية, حيث وفرت الهاتف كوسيلة لاختزال المسافات حتى في الأصقاع النائية من أراضيها وهي أصقاع تسكنها أعداد قليلة جدا من السكان. ومنذ ثلاثين عاما كانت شركة إريكسون-أكبر شركة إلكترونية في السويد-من بين الشركات الرائدة عالميا في صناعة أجهزة الاتصال المحمولة, أما في العشر سنوات الأخيرة فنجد السويد قد سبقت إلى احتضان تكنولوجيا الانترنت. وتعتبر مدينة استكهولم أكثر مدن العالم استخداما لشبكة الانترنت, حيث تصل نسبة مستخدمي الانترنت إلى 60% من سكانها.

وباستخدام نفس المعايير, نجد فنلندا المجاورة للسويد على أعتاب ثورة تعتمد على الانترنت. ففي عام 1995 كانت فنلندا أعلى دولة في اسكندنافيا من حيث الربط بشبكة الانترنت. وقد ساعدت تكنولوجيا المعلومات الشركات الفنلندية على مواجهة ضغوط المنافسة عن طريق تنويع أسواق الصادرات وتخصصات العمالة.وتوضح دراسات أجريت مؤخرا أن أكثر من ربع صادرات فنلندا تتجه الآن إلى بلدان خارج أوربا, بعد أن كانت هذه النسبة أقل من 20% في عام 1990 ,كما أن أكثر من نصف موظفي أكبر 30 شركة فنلندية يعملون الآن في مواقع تابعة لها خارج فنلندا, بينما كانت هذه النسبة 15% فقط في عام 1983 . وعلى الرغم من أن بلدانا أخرى حققت تقدما كبيرا في معدل استخدام شبكة الانترنت, نجد أن فنلندا تشهد مستويات متزايدة من التجارة والاستثمار دفعت بها إلى المرتبة الخامسة على " مؤشر العولمة", وهو أعلى من المرتبة التي كان يمكن أن تصنف عندها منذ سنوات معدودة. وثمة رمز آخر لنجاح فنلندا وهو استثمار سوق "نوكيا"- الشركة الفنلندية العملاقة في مجال الاتصالات عالميا- حيث إن حجم رسملة أسواق "نوكيا" أصبح يفوق إجمالي الناتج المحلي لفنلندا.

 وكون أن السويد وفنلندا وباقي بلدان اسكندنافيا استطاعت دفع التطورات التكنولوجية بالغة السرعة مع الإبقاء على نظام الضرائب والرقابة على نشاط قطع الأخشاب يطرح تناقضا غير متوقع يعطل الافتراضات التقليدية القائلة بأن ارتفاع مستويات الرقابة يعرقل العولمة. ولكن ماذا عن مجالات الرقابة الشديدة نسبيا التي لم تشهد حتى الآن الانطلاقة التكنولوجية؟ لا نذهب بعيدا للدلالة على ذلك اذ يكفي أن ننظر إلى القارة الأوربية لنرى التأثيرات السلبية لبيئة النشاط غير الملائمة على التكامل. بل إن معظم بلدان منطقة اليورو التي تحتل مراتب منخفضة من حيث انتشار استخدام الانترنت تحتل كذلك أدنى المراتب بين البلدان العشرين المتصدرة للعولمة.

 وقد أدت المخاوف من وجود تفاوتات بين البلدان الصناعية والبلدان النامية, خاصة في معدلات استخدام الانترنت , إلى نقاش دائر على مستوى العالم ككل حول فجوة التكنولوجيا الرقمية في العالم. وهذه الفجوة ليست بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية, وإنما بين التقدم التكنولوجي المتواصل في بلدان امريكا الشمالية واسكندنافيا من جهة وسائر بلدان العالم من جهة أخرى. فهاتان المنطقتان تقفان معا على جانب واحد من أرض فيها فالق تكنولوجيا رقمية عميق بينما سائر العالم يبدو وقد تخلف هناك على الناحية الأخرى من الفالق.

واذا كان يراد للبلدان النامية أن تعبر هوة التكنولوجيا الرقمية هذه, فإن عليها أن تبذل جهودا تفوق غيرها من البلدان حتى يمكن عبور تلك الهوة. لكن اختبار كيفية استخدام تلك البلدان لمواردها المحدودة يشكل معضلة حقيقية, وتعتبر اختيارات ماليزيا مثالا على ما يمكن أن يؤدي إليه سوء الاختيار في هذا الصدد, فقد أنفقت ماليزيا أكثر من ثلاثة ملايير ونصف مليار دولار على مشروع "المسار الرئيسي للوسائط المتعددة Multimedia Super Corridor“ من أجل جذب الاستثمارات وتعزيز قدراتها في مجال التكنولوجيا المتطورة, بينما هناك 70% من المدارس الابتدائية لا توجد بها أجهزة كومبيوتر, وحوالى 10% منها لا توجد به توصيلات مياه أو كهرباء كافية. والنتيجة هي أننا أمام حالة تتوافر فيها بنية أساسية تكنولوجية مذهلة بدون ان يكون هناك رأسمال بشري كاف يدعم تلك البنية الأساسية التكنولوجية.

وفي دول أخرى نجد أن تنمية استخدامات الانترنت لا يمكن أن تمضي قدما ما لم يتم حل مشكلات جوهرية تتعلق بالبنية الأساسية التكنولوجية. ففي شيلي, وهي واحدة من أكثر الأسواق الصاعدة ازدهارا, نجد 57% من خطوط الهاتف الثابتة , 58% من إجمالي عدد المشتركين في خطوط الهاتف المحمول تتركز في العاصمة وحدها, بينما معظم مناطق شيلي لا توجد فيها إمكانية الدخول على الانترنت. كذلك فإن تخلف قطاع الاتصالات في أفريقيا جعل جانبا كبيرا من هذه القارة لا يزال محروما من الدخول على شبكة الانترنت. فعلى سبيل المثال, لا تزال دولة مثل جمهورية الكونغو الديموقراطية بدون وصلة مباشرة مع الانترنت, وفي عدد كبير من البلدان الأقريقية لا يتعدى مجموع مستخدمي الانترنت بضع مئات في البلد ككل.

 أقرب إلى المساواة من الآخرين:

يكرر خصوم العولمة ادعاءاتهم بأن العولمة تزيد من تفاوت الدخل, وقد يبدو ذلك الرأي وجيها في صورته المبسطة, لكنه يتجاهل عدة عوامل أخرى هامة, فمستوى التفاوت في الدخل في أي بلد يعتمد بدرجة أكبر على عوامل منها التاريخ, والنمو الاقتصادي, وقيود الاسعار والأجور, وبرامج الرعاية الاجتماعية, وسياسات التعليم, أكثر من اعتماده على العولمة أو عولمة التجارة.

وعلاوة على ذلك, فإنه يستفاد من الأدلة التجريبية تفسير مختلف تماما لتفاوت مستويات الدخل والعولمة. فبلدان الأسواق الصاعدة التي حققت درجة عالية من العولمة( مثل بولندا واسرائيل وجمهوية التشيك والمجر) تشهد أنماطا في توزيع الدخل أقل تفاوتا من بلدان الأسواق الصاعدة التي تقترب من قاع "مؤشر العولمة" ( مثل روسيا والصين والأرجنتين), إلا أن هناك بعض الاستثناءات: فماليزيا علىسبيل المثال أكثر عولمة من بولندا وإن كان تفاوت مستويات الدخل فيها أعلى مما هو سائد في بولندا. لكن النمط العام المتمثل في ارتباط ارتفاع درجة العولمة وارتفاع درجة تقارب مستويات الدخل يصدق على معظم البلدان سواء في الاقتصادات الناضجة أم في الاقتصادات الصاعدة.

هذه النتائج ينبغي أن تثري النقاش الدائر حول ما اذا كانت العولمة هي السبب في معاناة بعض البلدان من الفقر والتفاوت أم أن الفقر والتفاوت ناتجان عن انخفاض درجة العولمة. وعلاوة على ذلك, فإن الجهود الرامية إلى معالجة التفاوتات على مستوى العالم ينبغي أن تقترن بالإقرار بأن ضخامة عدد السكان , كما هي الحال في البرازيل ونيجيريا, ظاهرة توجد لدى بلدان أنماط توزيع دخل واضحة التشتت, وهذا عنصر يؤكد صعوبة تخليص البشرية ككل من قبضة الفقر.

 المؤشر أشعة مقطعية للعولمة:

اذا نظرنا إلى كل من التجارة, والالستثمار الجنبي المباشر, ومدة المكالمات الهاتفية الدولية, وعدد خوادم الانترنت, كل منها على حدة, وجدنا أن الإحصاءات الخاصة بكل منها تعتبر مقياسا دقيقا لدرجة الاعتماد المتبادل العالمي وإن لم يكن وحده كافيا لذلك. إلا أنه بمثل ما تقدم الأشعة المقطعية صورة ثلاثية الأبعاد لجزء الجسم البشري المطلوب فحصه, وذلك لعتمادا على سلسلة من الصور ثنائية الأبعاد, نجد " مؤشرا.ت.كيرني-فورين بوليسي للعولمة" يقدم صورة شاملة للتكامل العالمي من خلال تحليل مكونات ذلك التكامل.

هناك, بطبيعة الحال, مفارقة تقترن بمحاولة قياس العولمة لكل بلد على حدة. فجميع البلدان بما فيها أقل البلدان عولمة تنجذب الآن معا بفعل قوى جديدة تفوق قدرة تلك البلدان على السيطرة, ومن تلك القوى احترار الغلاف الجوي, وانتشار الأمراض المعدية, وانتشار الجريمة الدولية. كما أنه ليس من السهل الوصول إلى تعبير كمي لبعض الجوانب الهامة في العولمة , مثل انتشار الثقافة والأفكار, وهذه كلها تحديات تبرهن على الحاجة إلى دراسة اعمق وأوسع للقوى التي تدفع نحو التكامل العالمي, ناهيك عن الحاجة إلى المزيد من تنقيح الأدوات المستخدمة في قياس العولمة.