حقوق الملكية في روسيا: إلى أين؟

بقلم :ويليام إي. بوميرانز   

وقع الرئيس الروسي بوتين في أواخر 2003 مرسوماً بقانون يمنح الشركات الروسية مهلة إضافية لمدة سنتين لشراء (أو استئجار) الأراضي المقامة عليها تلك الشركات. وجاء قرار بوتين في اللحظة الأخيرة يحدوه الأمل أن تقوم الشركات الروسية بدور أكبر في تلبية الاحتياجات الاجتماعية للعاملين فيها وللمجتمعات المحلية التي تعمل فيها، فكلن هذا العرض السخي بتقديم الأرض مقابل تقديم خدمات عامة بمثابة صدى لماضي روسيا الأوتوقراطي وفهمها التقليدي المحدود جداً لحقوق الملكية. ومن المتناقضات أن حكومة بوتين ما تزال أكبر مروج للملكية الخاصة حتى في وجه المعارضة الإقليمية الشرسة. ورغم ذلك فإن تصريحات بوتين الأخيرة –وخاصة إذا طالعناها على ضوء قضية يوكوس- تثير أسئلة هامة حول حقوق الملكية التي ستصاحب بيع الأراضي. لقد كان أحدث الأعمال الرسمية في (الدوما) المجلس التشريعي الروسي الثالث عبارة عن تعديل يتكون من جملة قصيرة على اللائحة التنفيذية لقانون الأرض الروسي، وبموجب هذا التعديل تم تمديد الموعد النهائي لشراء الأراضي المقامة عليها الشركات والذي كان أول يناير 2004 لمدة سنتين إضافيتين، وقد وقع الرئيس فلاديمير بوتين قرار التعديل بتاريخ 8 ديسمبر 2003 وقوبل بكثير من الترحيب من مجتمع الأعمال الروسي الذي كان مطالباً بتسديد فاتورة جماعية تصل قيمتها إلى مائة بليون دولار أمريكي. ومع أن هذه الإضافة تقدم مهلة كانت ضرورية لكي تلتقط الصناعة المحلية أنفاسها إلا أن التعديل، والسياق السياسي الذي واكب التوقيع عليه، يثير أسئلة جديدة حول أوضاع حقوق الملكية الخاصة في روسيا.

 

أصبح قانون الأرض الروسي ساريا في أكتوبر 2001، وكان الهدف منه هو إكمال واحدة من آخر مراحل عمليات الخصخصة. وقد تمت خصخصة الكثير من المصانع والمباني الأخرى في عهد يلتسين إلا أن الأرض التي كانت المباني مقامة عليها ظلت مملوكة للدولة وخاضعة لسيطرة السلطات الفيدرالية أو الإقليمية أو البلدية. ولكي ينتهي هذا الوضع الشاذ صدرت لوائح تنفيذية لقانون الأرض تدعو أصحاب هذه المؤسسات إما لشراء الأرض التي أقيمت عليها مبانيهم أو لإبرام عقود إيجار مع الحكومة المحلية في موعد أقصاه أول يناير 2004. ورغم المزايا المتعددة لامتلاك هذه الأراضي كان عدد المؤسسات التي استفادت من هذه الفرصة قليلاً جداً. كانت الحكومة الفيدرالية هي المحرك الأول لإصلاح الأراضي، ولكنها تركت سياسة التنفيذ لحكومات المناطق المحلية مما أدى إلى نتائج وخيمة، حيث كانت الدوافع أمام الأقاليم والمناطق مختلفة تماماً. وبدلا من بيع الأراضي واستلام ثمنها دفعة واحدة، كانت حكومات المناطق والأقاليم ترغب في الاحتفاظ بحقها في ملكية الأرض لأطول مدة ممكنة للحصول على دخل مستمر وثابت من الإيجارات. وحيث أن قانون الأرض أعطى المناطق سلطة كبيرة في تحديد أسعار الأراضي المحلية فإنها بطبيعة الحال حددت أعلى سعر ممكن، مما جعل المستثمرون ينفرون من شراء الأرض.

 

وكلما اقترب الموعد النهائي المحدد وهو 1/1/2004 كلما ازداد قلق الشركات الروسية التي كانت أمام أمرين كلاهما مر: إما قبول الأسعار الباهظة أو التوقيع على عقود إيجار قصيرة المدة عالية القيمة تحددها الحكومة المحلية. وفضلت معظم الشركات التوقف وانتظار تدخل العناية الإلهية التي جاءت في النهاية على شكل تعديل اللائحة وتحديد الموعد النهائي حتى أول يناير 2006. وكان لقرار التمديد مغزى سياسياً واضحاً. وعندما كان الرئيس بوتين يلقي خطاباً أمام الاتحاد الروسي للمصنعين والمبادرين في ذروة الجدل الدائر حول يوكوس آنذاك في نوفمبر 2003 سأله أحد الحاضرين عن العبء الذي يترتب على عمليات إلزام أصحاب المشروعات بشراء الأراضي والذي تتحمله الصناعات الروسية فأجاب إنه "ليس من الإنصاف" مطالبة الشركات الروسية أن تدفع ثمن نفس قطعة الأرض مرتين. ووعد بوتين بتخفيف هذه الأعباء، وكان ذلك على شكل تعديل القانون. وسرعان ما نسي رجال الأعمال الروس قضية يوكوس ميخائيل كودوركوفسكي الذي أودع سجن ماتروسكايا تيشينا وهم يتسابقون لتوجيه الشكر للرئيس بوتين على ما أبداه من ملاحظات وخاصة بعد أن انتشرت شائعات تفيد بأن الأرض سوف توزع بالمجان. وفي نفس اجتماع الاتحاد الروسي للمصنعين والمبادرين طلب بوتين من الشركات الروسية القيام بوظائف اجتماعية معينة وقال "يجب على الشركات أن توجه جهودها نحو وضع نظام لضمانات اجتماعية جديدة للشعب يلبي الاحتياجات الجديدة الحالية"، وذكر بوتين بعض هذه الالتزامات الاجتماعية بعد ذلك في اجتماع للغرفة التجارية الروسية عندما ناشد الشركات الروسية تقديم المساعدة في حل المشاكل التي تتعلق بالرعاية الصحية والبيئة وحقوق العمال. ورغم أن بوتين لم يقدم مشروعاً رسمياً للاتحاد الروسي للمصنعين والمبادرين إلا أن الخطوط العريضة التي طرحها على الشركات الروسية كانت واضحة تماماً وتفيد بأنه من المتوقع أن تقوم هذه الشركات بتنفيذ واجبات اجتماعية معينة وعلى نطاق أوسع مقابل الحصول على الأرض. وكان عرض بوتين مصحوباً بتحذير واضح موجه إلى نخبة الأعمال الروسية. من المعروف أن رجل الأعمال الروسي كودوركوفسكي أصبح رجلاً مشهوراً لما كان يقوم به من أعمال خيرية كثيرة، ولكنه تجاوز حدوده عدة مرات ولم يتوقف عند حد الأعمال الخيرية بل بدأ يندمج في السياسة. ولم يذكر بوتين على وجه التحديد اسم كودوركوفسكي أو أزمة يوكوس ولكنه أشار بوضوح إلى أن دعوته إلى زيادة الخدمة العامة يجب ألا تشمل الانشغال بالنشاط السياسي.

 

وكذلك جاءت دعوة بوتين إلى تحمل المزيد من المسئولية الاجتماعية محملة بتهديد متجدد لحقوق الملكية، حيث قال بوتين مهدداً الغرفة التجارية الروسية إن حكومة روسيا لم تقصد مراجعة عمليات الخصخصة السابقة إلا في حالات عدم الامتثال للقانون، وكانت مقولة بوتين إشارة تذكر الناس أن حقوق الملكية ليست مقدسة لأن معظم عمليات الخصخصة الكبيرة كانت مصحوبة بمخالفات قانونية (وهذا هو أبسط تعبير).

 

وعلى هذا يأتي عرض بوتين لحقوق الملكية معلقاً بعدة خيوط، وبإشارة إلى شكوك روسيا العميقة في الملكية الخاصة والتي تعود إلى عهد بطرس الأكبر وما بعده. وإذا كانت الملكية الخاصة في الثقافة الأنجلوأمريكية تعتبر منذ القدم حقاً أصلياً من الحقوق المدنية لا يمكن التنازل عنه وقاعدة أساسية ترتكز عليها حقوق وحريات سياسية أخرى، فإن علماء التاريخ يرون أن روسيا –على النقيض تماماً- لم تعتبر حق الملكية الخاصة واحداً من الحقوق المدنية الأصلية بل جعلته متوقفاً على أهواء الدولة إلى حد كبير وكان القيصر (ومن بعده الحزب الشيوعي في بعض العهود الروسية) يمنح الأفراد حقوق امتلاك الملكية الخاصة، إلا أن تلك الحقوق كانت تحتوي على ضمانات قانونية قليلة يمكن للدولة أن تسلبها بسهولة وكان حق المالك في النقض محدوداً للغاية. وحتى في القرن التاسع عشر عندما بلغت الملكية الخاصة أوج الاحترام فشلت الدولة الروسية (وقادة الفكر آنذاك) في ربط حقوق الملكية مع الحريات المدنية الأوسع.

 

تعكس الصفقة التي اقترحها بوتين مع مجتمع الأعمال الروسي هذا الانحياز الذي دام عدة قرون، وها هو بوتين مثله مثل من سبقوه من القياصرة يقدم الأرض لا كحق مدني أساسي بل كحق خاص أو امتياز مقابل الوفاء بالتزامات اجتماعية أكبر. وحسب الدرس الذي تعلمه كودوركوفسكي يتبين أن واجبات الخدمة العامة هذه تتوقف عند حافة السياسات. وعلاوة على ذلك، إذا أخذنا قضية يوكوس كمؤشر فإن الحكومة الروسية لن تحترم أي قاعدة قانونية إذا أرادت إلغاء
التراخيص وحقوق الملكية الأخرى لكي تسترد أصول الدولة . ويكمن التناقض بطبيعة الحال في أن بوتين يبدو أنه يقيد حقوق الملكية في روسيا بينما تظل حكومته أكبر مدافع عن الملكية الخاصة، لأن الحكومة الروسية تحاول إكمال التحول الذي طال  انتظاره لنقل ملكية الأرض إلى الشركات الخاصة، وفضلا عن ذلك تسعى جاهدة إلى  توسيع سوق الرهن العقاري في روسيا مما سيحدث زيادة هائلة في عدد الملاك. ولا بد من التأكيد على أن الحكومة الروسية تحاول تعزيز الملكية الخاصة في وجه معارضة شرسة من ساسة المناطق الذين يريدون الاحتفاظ بالأراضي كمصدر أساسي من مصادر الدخل. وما يزال التساؤل قائما: هل ينجح بوتين بالفعل في تحويل هذه الأراضي الحضرية إلى الملكية الفردية؟ إن الحكومة الاتحادية ( الفيدرالية) لا يمكنها القيام بقفزة
حقيقية في هذه العملية لأن معظم أملاكها تعتبر ملكية عامة (الغابات وخزانات المياه والمحميات) وكلها ليست للبيع. علاوة على ذلك أن الحكومة الروسية في معظم الأحوال لم تحدد بصفة قاطعة الحدود الفاصلة بين الملكية الفيدرالية والملكية البلدية، ناهيك عن تحديد قيمة الأرض. وعلى ذلك فإن التعديل الذي سبق التنويه عنه ما هو إلا تأجيل لمشكلة الأسعار الشائكة، وسيكون على بوتين بذل الكثير من الجهد السياسي للتغلب على المقاومة المحلية التي تواجه بيع الأراضي وخاصة بأقل من قيمة السوق. وما تزال المناطق المختلفة تمارس سيطرتها في هذا الشأن، ومثال ذلك أن مدينة موسكو هددت مؤخرا بسحب خدمات أساسية معينة من أي مستثمر اشترى
أو أستأجر أرضا بأسعار حددتها الحكومة الاتحادية.

 

ومع أن نقل ملكية الأراضي hلحضرية يثير الكثير من المشاكل العويصة، بدأت دعوة بوتين لمشاركة أكبر في الخدمات العامة تؤتى ثمارها، فقد أعلن اتحاد المصنعين والمبادرين الروسي مؤخرا أنه يعطى الأولوية الكبرى في النصف الأول من 2004 للسياسة الصناعية والمشروعات الاجتماعية. وكذلك أعلنت الصحافة الروسية أن شركة غربية كبرى من شركات النفط وافقت على إقامة مشروع محلى للإسكان وشق بعض الطرق مقابل تعجيل الموافقة على طلبات الترخيص المقدمة منها.

 

.وفى التحليل النهائي يمكن اعتبار بوتين مؤيدا لنظام الملكية الخاصة إلا أنه في
ذات الوقت يقيد الحقوق المرتبطة بها، وأن تقديم الأرض خلف ستار مسئولية
اجتماعية أكبر إنما يعكس تاريخ روسيا الأوتوقراطي ويثير أسئلة مشروعة حول حقوق الملكية التي ستصاحب أي عملية لبيع الأراضي للشركات الخاصة. وأمام ما تشهده الأسواق العقارية في موسكو من ازدهار، يبدو أن الكثير من المستثمرين الروس والأجانب مستعدون لقبول صفقة بوتين كمخاطرة مقبولة في مجال الأعمال. ورغم ذلك فإن الطريقة التي سوف تحسم بها روسيا بصفة نهائية الفصل القديم بين الحقوق المدنية وحقوق الملكية ستكون لها آثار عميقة في التنمية
الاقتصادية والسياسية خلال القرن الواحد والعشرين.

 

------

 

.ويليام إى. بوميرانز من كبار أعضاء مكتب ويليامز موللين القانوني في العاصمة الأمريكية واشنطن دى سى، وعضو القسم الدولي لممارسة المهنة، ويركز في كتاباته على الاستثمارات الأجنبية في الاتحاد الروسي، والصفقات العالمية للشركات، والتجارة الدولية.

 

 

الآراء التي تضمنتها هذه الورقة تعبر عن آراء الكاتب الشخصية ولا تعبر عن رأى مركز المشروعات الدولية الخاصة (سايب).

 

يوافق مركز المشروعات الدولية الخاصة (سايب) على إعادة طباعة وترجمة و/أو نشر المقالات المنشورة في مجلة (الإصلاح الاقتصادي the Economic Reform Feature Service ) شريطة (1) الإشارة المناسبة إلى المؤلف الأصلي وإلى سايب، و (2) إشعار سايب بما يتم عمله بالنسبة للمقالة وموافاة مكتب سايب في واشنطون بنسخة منها بالبريد أو البريد الإليكتروني أو الفاكس.