حوكمة
الشركات في روسيا
من الذي سيدفع وكم سيدفع ؟
بقلم :ايجور
بيليكوف
المستثمرون المضاربون يهددون تنفيذ إصلاحات حوكمة الشركات لأنهم كثيراً ما
يتجاهلون الحوكمة الجيدة في عملية اتخاذ قرار الاستثمار. ولذلك فإن الشركات في
الأسواق التي يسيطر عليها مستثمرون مضاربون لا تجد حافزاً كبيراً لإنفاق موارد
ذات قيمة على تنفيذ الحوكمة الجيدة. ويبين تحليل سوق الاستثمار في روسيا أن
اللاعبين الأساسيين في السوق هم مستثمرون مضاربون أجانب وروس يسعون إلى
الاستثمار في أصول تقيم بأقل من قيمتها الحقيقية وتدر عائداً كبيراً على المدى
القصير. هذه الفئة من المستثمرين تستهدف الحصول على عائد كبير عن طريق إحداث
نمو كبير في أسعار أسهم رأس المال ويمكنها أن تتحمل مخاطر كبيرة بما في ذلك
مخاطر سوء حوكمة الشركات. وفي موقف من هذا القبيل يكون أمل الشركات ضعيفاً جداً
في الحصول من محفظة المستثمرين المضاربين على أي مبالغ إضافية تكفي لإحداث
تحسين في حوكمة الشركات. هؤلاء المستثمرون يوصون دائما بتحسينات في حوكمة
الشركات ولكنهم لا يميلون إلى المساهمة في إحداث مثل هذه التحسينات. ويصبح
التحدي هو جذب محفظة المستثمرين المحافظين الراغبين في الالتزام بالاستثمارات
طويلة المدى والذين يعتبرون الحوكمة الجيدة للشركات أحد المكونات الحيوية لقرار
الاستثمار.
مقـدمة
يؤيد المستثمرون الدوليون والمؤسسات المالية الدولية مبادئ حوكمة الشركات
الجيدة ولكن بناء أنظمة وظيفية قوية لحوكمة الشركات تستغرق الكثير من الوقت
والمال، فهل لهذه الجهود ما يبررها من الناحية الاقتصادية ؟
من السهل شرح الحاجة إلى الحوكمة الجيدة للشركات من وجهة نظر الاستثمار: إنها
شيء يريده المستثمرون ولذلك يجعل الشركات أكثر جاذبية بالنسبة لهم. ويتم
التعبير عن هذه الجاذبية بمقدار المبلغ الذي يرغب المستثمرون في دفعه علاوة على
السعر العادي لأسهم الشركة في السوق. وفضلاً عن ذلك، تستطيع الشركات التي تنفذ
أنظمة قوية لحوكمة الشركات أن تستخدم المبالغ المستثمرة فيها بطريقة أكفأ
وبالتالي تزداد كفاءتها الكلية. إلا أن رغبة المستثمرين في دفع علاوة إضافية
على أسهم الشركات ذات الحوكمة الجيدة كانت هي العامل الأساسي وخاصة خلال
السنوات القليلة الماضية. وأصبح المنطق الأساسي الذي يستخدمه الاستشاريون
وهيئات التصنيف وشركات الاستثمار هو أنه كلما كانت الشركة تنفذ توصيات المستثمر
وتتبنى أفضل دليل لممارسة الأعمال كلما زادت العلاوة الإضافية على أسهمها
بالنسبة للمستثمر.
ورغم اتفاق معظم الناس على أن المستثمر يرغب في دفع مبالغ أكبر مقابل الحوكمة
الجيدة للشركة، إلا أن مدى ارتفاع هذه المبالغ يظل غير واضح، والسؤال بكل بساطة
هو: كم سيدفع المستثمر مقابل الحوكمة الجيدة للشركات؟ إن هذه القضية تشمل عادة
أسهم رأس مال الشركة وهى أداة أكثر مخاطرة بالنسبة للمستثمرين إذا تعرضت الشركة
للانهيار لأنهم سيقفون في الصف وراء جميع الدائنين الآخرين. ولكن المحللين لم
يهتموا كثيراً بعلاوات الحوكمة الجيدة المدفوعة على أوراق الدين وخاصة سندات
الشركات إلا مؤخراً، وهم يرون بصفة عامة أنه إذا وجدت هذه العلاوة يكون من
الصعب تحديدها وحسابها. وفي محاولة لتقييم اهتمام المستثمر بممارسات الحوكمة
الجيدة للشركات الروسية قام معهد المدراء الروسي
(RID)
عام 2003 بعملية مسح للمدراء والمحللين والتجار في أكثر من 50 شركة من الشركات
الروسية التي تعمل بصفة مهنية في سوق الأوراق المالية والسمسرة وإدارة الأصول
والخدمات المصرفية الخاصة. وكان غرض المسح هو التعرف على مدى اهتمامهم بممارسة
الحوكمة في الشركات التي يتم شراء أسهمها. وذكر مسئولون عن تلك الشركات في
مناقشات خاصة أنهم لا يهتمون بوضع الحوكمة في الشركات المصدرة للسندات. وقال
بعض التجار والمدراء بصفة غير رسمية أنهم يهتمون بعاملين اثنين عند شراء
السندات: الأول هو حجم الشركة (المبيعات والعائد السنوي) والثاني هو "السمعة
التجارية"
وهذا العامل لا يتسم بالوضوح.
ما هو المبلغ الذي يُقبل المستثمر على دفعه؟
ليس من السهل تحديد العلاوة التي يرغب المستثمر في دفعها مقابل الحوكمة الجيدة
في الشركة. وبينما تحدد بعض المقالات التي تنشر من آن إلى آخر نسبة تتراوح من
10% إلى 15% بالنسبة للشركات الغربية المتطورة، ومن 20% إلى 30% وحتى 50%
لشركات الدول ذات الأسواق النامية، يعتقد بعض الكتاب
أن الشركات الروسية ربما تستحق أرقاماً أعلى من ذلك. إلا أن دراسة سلوك
المستثمر في روسيا تقدم لنا صورة يشوبها الغموض. في سنة 2003 أعد معهد المدراء
دراسة مقارنة بين التغييرات في أسعار أسهم الشركات وأدنى وأعلى معدلات إفصاح
حوكمة الشركات. وبينت الدراسة بصفة عامة وجود علاقة إيجابية بين الحوكمة الجيدة
الشركات والتغييرات في أسعار أسهم الشركات التي تتصدر أسواق الأوراق المالية
الروسية. إلا أن هذا الاستنتاج ينطبق في الغالب على مجموعة صغيرة من الشركات
ذات الأسهم الممتازة تضم عدداً يتراوح بين 10 و 12شركة. أما فيما يتعلق
بالشركات الأخرى، فلم يكن من الواضح أن المستثمرين ضحوا بأموالهم في سبيل مستوى
أفضل من الحوكمة. وبينت الدراسة أن حجم الشركة وحصتها في السوق في معظم الأحوال
من أهم العناصر (إن لم تكن أهمها على الإطلاق) التي يعتمد عليها المستثمرون في
اتخاذ قرار بشراء أسهم شركة روسية. وقد باءت بالفشل محاولات تحديد علاقة على
المستوى العالمي تربط بين حوكمة الشركات وأسعار أسهم الشركة، حيث توجد عوامل
كثيرة جدا تؤثر على أسعار الأسهم ومن الصعب جدا تحديد العلاقة التي تربط بين
هذه العوامل.
استثمارات المدى القصير وحوكمة الشركات في روسيا
ما هي القيمة الحقيقية لمؤشر التكلفة والفائدة عند تحسين جودة حوكمة الشركات
الروسية؟ وهل توجد حقاً علاقة مباشرة ومستمرة بين عدد أفضل ممارسات الحوكمة
الموصى بها وحجم العلاوة على سعر أسهم الشركة؟ وهل يرغب جميع المستثمرين في سوق
الأوراق المالية الروسية في دفع هذه العلاوة؟ يقوم العديد من الاستشاريين
والمحللين من شركات الاستثمار ووكالة ستاندرد آند بورز
لتصنيف المخاطر
Standard and Poor's
rating agency
بتقييم جودة حوكمة الشركات في روسيا وذلك بمقارنتها مع مجموعة تفصيلية من
توصيات أفضل الممارسات التي تضعها وتطورها محافظ المستثمرين المتحفظين في الدول
الغربية الكبرى. وتشمل هذه الأنواع من المستثمرين صناديق الاستثمار، وصناديق
المعاشات، وشركات التأمينات. وتعتمد أنظمة المعاشات والتأمينات في الدول
المتقدمة إلى حد كبير على أمان ونمو الأموال المستثمرة فيها، وقد يؤدي تعرض هذه
الأموال لخسارة كبيرة إلى مشاكل اجتماعية خطيرة. كما أن الوضع الديموغرافي في
الدول المتقدمة الذي يزيد من الأعباء الملقاة على أنظمة المعاشات، والتحول من
نظام المعاشات الحكومية إلى أنظمة المعاشات الخاصة بصورة مؤثرة أمراً بالغ
الأهمية، ولذلك تترتب على تقليل المخاطرة المرتبطة بالكيانات التي تستثمر فيها
هذه المبالغ آثار اجتماعية واقتصادية بالغة الأهمية إضافة إلى ما لها من أهمية
مالية. ويعتبر تحسين حوكمة الشركات وخاصة في الدول ذات الأسواق النامية من أهم
عوامل تحسين هذه الضمانات. ومع ذلك تشير الخبرة إلى أنه حتى الشركات في الدول
المتقدمة ذات السمعة الجيدة في الحوكمة لا تتبع الكثير من هذه المتطلبات.
ما تزال هذه المجموعة من المستثمرين تدير مبالغ ضخمة من الأموال، ولذلك يكون
رأيها بالغ الأهمية. ويتم اعتبار التعارض بين الممارسات الفعلية للشركات
والتوصيات البديهية على أنه نقطة ضعف يجب إزالتها. ويبين تحليل لأسواق
الاستثمار في روسيا أن اللاعبين الأساسيين في السوق هم المضاربون الأجانب
والروس الباحثون عن أصول تقدر بأقل من قيمتها الحقيقية وقابلة للنمو على المدى
القصير. وخلال السنوات القليلة الماضية حققت بعض شركات الاستثمار عائدات سنوية
ثلاثية الأرقامthree-figure
annual returns
، ويكون الأفق الاستثماري في العادة قصيراً جداً يتراوح بين عدة أسابيع وعدة
شهور أحياناً. هذه الفئة من المستثمرين تسعى إلى تحقيق عائد مرتفع من خلال
الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم، ولديها الرغبة في تحمل المخاطرة العالية بما
فيها الحوكمة السيئة. لكن رغبة مستثمري المحفظة قصيرة المدى في تحمل مثل هذه
المخاطر ليست بدون حدود، ولذلك فإنهم يطالبون بتحسين نظام الحوكمة في الشركات
التي يستثمرون فيها ويقومون بدرجات متفاوتة برصد وتقييم مخاطر الحوكمة في تلك
الشركات. ولعل أكبر العمليات المعروفة هي عمليات تقييم حوكمة الشركات والمخاطر
المرتبطة بها التي تقوم بها شركات استثمار مثل ترويكا – ديالوج
Troika-Dialog
وبرونسويك يو بي إس
Brunswick UBS.
ويستخدم الخبراء في هذه الشركات الاستثمارية معايير محدودة جدا تركز في الأساس
على مجالس الإدارة وعلى درجة الشفافية في هذه الشركات. وتعتبر هذه المجموعة من
المعايير أقل شمولا من التوصيات التفصيلية لأفضل الممارسات التي يضعها بكل قوة
المحافظون من مستثمري المحفظة الأجنبية. وتبين التجربة في روسيا أن مستثمري
المحفظة المضاربين ركزوا انتباههم على أسهم مجموعة صغيرة جداً من الشركات تضم
10 - 15 شركة من الشركات الكبيرة جداً. ومن الملاحظ أن جودة الحوكمة الموجودة
في هذه الشركات والمقبولة لهؤلاء المستثمرين أقل كثيراً من معايير أفضل
الممارسات وأنها شديدة الارتباط مع هذه الشركات بحجمها الكبير ومركزها المسيطر
على الصناعات المختلفة (ومراكزها القيادية على الأسواق العالمية للنحاس والنيكل
والمعادن النادرة والبترول والألمونيوم، الخ..) والدرجة المرتفعة للوائح
الحكومية المنظمة لأعمالهم. وبمعنى أخر، فإن المستثمرين من هذه الفئة يقبلون
بدرجة منخفضة إلى حد ما من جودة الحوكمة في تلك الشركات مقابل الحصول على عائد
مرتفع جدا على الاستثمارات، وليس هذا فحسب بل ويعتبرون خصائص الشركات التي سبق
ذكرها ضمانات إضافية. هذه الفئة من المستثمرين أظهرت قدرتها على إحداث نمو
ملحوظ في أسعار أسهم العديد من الشركات الروسية. وقد لاحظ معهد المدراء الروسي
(RID)
أنه تم دفع علاوة كبيرة مقابل الانتقال من مستوى بدائي إلى مستوى أعلى من حوكمة
الشركات، رغم أنه ما يزال أقل من توصيات أفضل الممارسات الأجنبية، وقامت مجموعة
من أكبر الشركات الروسية بهذا الانتقال وخاصة الشركات العاملة في قطاع الموارد
(مثل يوكوس YUKOS،
وسيبنيفت Sibneft،
وأخيراً لوك أويل
LUKoil).
وتشير المراجعة إلى أن هذا المستوى الجديد من حوكمة الشركات يشمل سياسات معينة
منها دمج الملكية في الشركة الأم، والإفصاح عن الملاك الأساسيين المستفيدين،
وتوقف ممارسات تجريد الأصول
asset stripping،
والانتقال إلى نظام التقارير المتسقة مع معايير المحاسبة الدولية، وصدور مدونة
أو بيان سلوك الشركة، وانتخاب عدد قليل من رجال الأعمال الأجانب ذوى السمعة
الطيبة كمدراء مستقلين (ينتخبهم كبار حملة الأسهم)، وتكوين (أو الإعلان عن
تكوين) لجنتين أو ثلاث لجان تابعة لمجلس الإدارة (مثل لجنة المراجعة، ولجنة
المكافآت، ولجنة الترشيح)، وتوزيع أرباح كبيرة، والكوبونات المؤقتة (وليس
بالضرورة أن يتم الدفع في نفس المواعيد بالنسبة لجميع المساهمين). وإصدار (أو
الإعلان عن إصدار) حلول بديلة للنزاعات. وفي يناير 2004، نشرت إحدى مؤسسات
التحليل الأمريكية وهى إينرجي انتيليجانس
Energy Intelligence
ترتيب الحوكمة في أكبر شركات البترول العامة على المستوى العالمي (وذلك على
أساس تقييم المجالس).
ويؤكد هذا الترتيب التأثير القوى الذي أحدثته الخطوات الأولى التي قامت بها
الشركات الروسية لتحسين الحوكمة فيها.
|
مسلسل |
الشركة |
الدرجة |
|
1 |
ماراثون Marathon
|
77.2 |
|
2 |
يوكوس YUKOS |
75.7 |
|
3 |
اينكانا EnCana |
74.3 |
|
4 |
كونوكوفيليبس
ConocoPhillips |
74.3 |
|
5 |
نورسك هايدرو Norsk
Hydro |
69.7 |
|
6 |
بترو كندا Petro
Canada |
68.8 |
|
7 |
إكسون موبيل Exxon
Mobile |
67.0 |
|
8 |
سيبنيفت Sibneft |
62.0 |
|
9 |
إى إن آى ENI |
61.7 |
|
10 |
شيفرون تيكساكو
Chevron Texaco |
60.7 |
|
11 |
لوك أويل LUKoil |
58.2 |
|
12 |
ب . ب. BP
|
58.7 |
|
13 |
ديفون إينرجي Devon
Energy
|
50.8 |
|
14 |
توتال Total |
50.5 |
|
15 |
رويال داتش/شيل
Royal Dutch/Shell
|
46.8 |
|
16 |
اناداركو Anadarko |
45.5 |
|
17 |
اميرادا هيس Amerada
Hess |
43.3 |
|
18 |
ريبسول واي بي إف
Repsol YPF
|
41.7 |
|
19 |
جاز بروم Gazprom |
34.8 |
|
20 |
سورجت نيفتجاز
Surgutneftegas |
33.3 |
المصدر: Energy Intelligence
جاءت YUKOS
في المرتبة الثانية بينما جاءت
Sibneft
في المرتبة الثامنة وLUKoilفي
المرتبة الحادية عشرة. وكان متوسط درجات الشركات الأمريكية 59.7 والشركات
الأوروبية 53.9 والشركات الروسية 52.8 درجة. وجاءت الثلاث شركات الروسية السابق
ذكرها في مراتب أعلى من الشركات الغربية الكبيرة، إلا أن روسيا حصلت على أدنى
متوسط في الدرجات لأن كلا من
Gazprom
و Surgutneftegas
حصلت على درجات منخفضة في الحوكمة. وخلال مرحلة أسرع معدلات النمو في أسعار
الأسهم تم دفع علاوة ملحوظة مقابل التحسينات في حوكمة هذه الشركات. ولكن
الاتجاه هو أنه بعد أن تصل أسعار أسهم هذه الشركات إلى مستوى معين يزيد بدرجة
ملحوظة عن السعر الأصلي (وقد يزيد عنه عدة مرات في الغالب) وبعد حدوث التغييرات
الإيجابية الأولى في الحوكمة، سرعان ما يفقد المستثمرون المضاربون اهتمامهم
بالأسهم. عند هذه المستويات من الأسعار يكون مبلغ الاستثمار المطلوب للعمل على
مستوى كبير مع أسهم هذه الشركات أعلى مما يمكن أن يدفعه هؤلاء المستثمرون لأنهم
يرون أن العائد المحتمل منها أقل مما يريدون. ونتيجة لذلك يفقد المستثمرون
المضاربون اهتمامهم بأسهم هذه المجموعة من الشركات إذا احتفظت بهذا المستوى من
الأسعار. وحيث أن أموال المستثمرين المضاربين ما تزال مستثمرة حاليا وبدرجة
كبيرة في أسهم شركات من هذه المجموعة فإنهم يهتمون بالمزيد من تحسين الحوكمة
فيها كوسيلة من وسائل تقليل المخاطر، إلا أنهم لا يرغبون في دفع علاوات ملحوظة
في مقابل ذلك. وأكدت هذا الاتجاه الآراء التي انتشرت في صيف وخريف 2003 بين عدة
شركات استثمار تلعب دورا قياديا في سوق الأوراق المالية الروسية. وقال بعض
المستثمرين إن معظم الأسهم الروسية "وصلت إلى قيمتها العادلة" وأن هناك مبالغة
في شراء الأسهم الروسية وأن المستثمرين يفكرون "في الانتقال إلى أسواق فيها فرص
أكبر لتنمية الأصول".
ورغم الإشارات إلى المخاطر العالية المرتبطة بالاستثمار في أسهم الشركات
الروسية الممتازة، لم يكن البديل المقترح هو تحسين الحوكمة في تلك الشركات،
وإنما كان البديل هو التوجه إلى أسواق أمريكا اللاتينية التي لا تحتوي على
مستويات عالية من حوكمة الشركات ولا يتوفر فيها الاستقرار السياسي أو الاقتصادي
بصفة عامة. وكانت هناك تفسيرات أخرى اعتبرها معهد المدراء الروسي أقرب إلى
الدوافع الحقيقية لهذه الفئة من المستثمرين: "مرت أسواق أمريكا اللاتينية مؤخرا
بأزمة مالية وبدأ المستثمرون ينتقلون إلى هذه الأسواق للمضاربة فيها أثناء فترة
النقاهة".
ورأت بعض شركات الاستثمار التي لعبت دورا رئيسيا في حفز نمو أسهم أكبر الشركات
الروسية أن الشركات ذات الأسهم الممتازة استنفدت إمكانيات نموها وبدأت تقدم
لعملائها أدوات ترتبط بالسلع بدلا من الارتباط بالأسهم. مثال: بدأت شركة
Brunswick UBS
تنصح عملاءها ألا يشتروا أسهم شركة
YUKOS
أو شركة LUKoil
أو
Sibneft
وأن يتعاقدوا على بيع صفقات بترول آجلة لمدة سنتين في إحدى الأسواق الدولية
وشراء عقود اختيار مستقبلية لمدة سنة لبيع البترول.
وقد يقال إن هؤلاء المستثمرين قرروا أن المخاطر السيادية في الوقت الحالي عالية
جدا ولا يمكن تعويضها بتحسين حوكمة الشركات. لكن يبدو أن هذه المخاوف لم تمنع
هؤلاء المستثمرين أنفسهم من استئناف عمليات شراء الأسهم بعد أن شهدت أسعارها
انخفاضا كبيرا في خريف 2003 رغم الإشارات الواضحة على المخاطر السيادية مثل
الضغط المتزايد الذي تمارسه السلطات على شركة
YUKOS
وعلى الشركات الكبيرة بصفة عامة رغم الانتخابات البرلمانية المقبلة.
من الذي سيدفع ثمن الحوكمة الجيدة للشركات في روسيا
في هذا الموقف، يصبح أمل الشركات الروسية ذات الأسهم الممتازة ضعيفا جدا في
الحصول على أي علاوة إضافية كبيرة من محفظة المستثمرين المضاربين الذين يمثلون
الغالبية الساحقة ممن يشترون الأسهم الروسية. وسوف تستمر هذه الفئة من
المستثمرين في التوصية بإدخال تحسينات على الحوكمة في الشركات الروسية الكبرى
التي تروجها بكل نشاط هيئات التصنيف والشركات
الاستشارية التي ترى أن هناك سوقا لخدماتها، ولكنهم لا يميلون إلى دفع علاوة
ملحوظة مقابل هذه التحسينات. ويبدو أن الشركات الروسية الكبرى – أو معظمها على
الأقل – لن تستطيع الحصول على علاوة كبيرة مقابل التحسينات في حوكمة الشركات أو
تبنيها أحسن الممارسات، وبالتالي لن تتمكن من زيادة رؤوس أموالها إلا بعد أن
تجذب انتباه محافظ مستثمرين محافظين أجانب، لأن مستثمري هذه المحافظ هم
المروجون الرئيسيون لمستويات عالية من الحوكمة وهم القادرون على دفع علاوات
كبيرة مقابل هذه الجهود حيث أنهم يديرون موارد مالية تفوق موارد المستثمرين
المضاربين في السوق الروسية. والحقيقة أن التصنيف الجيد لوضع روسيا الائتماني
وفقا لتقديرات إحدى الوكالات العالمية الكبيرة يبعث على الأمل في ظهور هذه
الفئة من المستثمرين في السوق الروسية أو على الأقل في بداية قيامهم بشراء أسهم
بعض الشركات الروسية الكبرى المطروحة للبيع في أسواق الأوراق المالية الخارجية.
ويجب على الشركات الروسية التي أصبحت أسهمها ممتازة نتيجة لمحفظة المستثمرين
المضاربين أن تضع سياساتها المستقبلية بناء على هذه الاستنتاجات. وربما يستغرق
هذا السيناريو بعض الوقت (مدة سنتين إلى ثلاث سنوات) لكي يتطور بدرجة ملحوظة مع
افتراض عدم وجود معوقات سياسية أو اقتصادية في روسيا. ويبدو أن إقبال
المستثمرين المضاربين على الشركات الروسية ذات الأسهم الممتازة سيفتح فرصة جيدة
لشركات أخرى تشمل في المقام الأول شركات كبيرة ما تزال حتى الآن تتمسك
باستراتيجية مغلقة مثل شركة الألمونيوم الروسية
Russian Aluminium
وشركة سيستيما المالية
Sistema Joint Stock Financial
Corporation
وشركة الروزا ALROSA
وكثير من شركات المعادن والمناجم وبعض الشركات الكبيرة التي تعتبر حسب
المواصفات الدولية متوسطة الحجم ولكنها تحتل مراكز قيادية في صناعات معينة مثل
منتجات الغابات (شركة Ilim
Pulp)
والمواد الغذائية
(Cherkizovskiy APC)
وشركات صناعة الآلات (جمعية
Siloviye Mashiny
لمصانع الآلات). ويرى معهد المدراء الروسي
(RID)
أن ما بين 40 و 50 شركة على الأقل في هذه الفئة قد اكتسبت بالفعل الخصائص
اللازمة التي تؤهلها للبدء في جذب مستثمرات منتظمة من مستثمرين مضاربين خلال
سنتين أو ثلاث سنوات. وعلى المستوى المتوسط هناك عدد يتراوح بين 150 و 160 شركة
يمكن أن تدخل في هذه الفئة.
كما أن أكبر الشركات في هذه المجموعة قد يسير في الاتجاه الحالي الذي تسير فيه
الشركات ذات الأسهم الممتازة. وستكون الجهود التي ينبغي على هذه الشركات بذلها
لتحسين الحوكمة مماثلة للجهود التي بذلتها الشركات الحالية ذات الأسهم الممتازة
مع إدخال بعض التعديلات على الأهمية التي تعطيها لحوكمة الشركات عندما يقرر
أصحاب الشركات الانفتاح على مستثمرين من الخارج. ويتوقع المعهد أن تساهم
المصارف الروسية والأجنبية بقوة في تطوير حوكمة الشركات في القطاع الصناعي،
وتستطيع هذه المصارف تقييم الحوكمة في الشركات المصدرة للأسهم مثل تقييم عوامل
المخاطرة وربط تكلفة الائتمان بهذا العامل. ومع ذلك فإن المصارف الروسية في
الوقت الحالي لا تهتم بذلك عند قيامها بتقييم مخاطر المقترضين. وقد أكد هذا
الاتجاه مسح أجرته المؤسسة الدولية للتمويل عن ممارسات حوكمة الشركات في
المصارف الروسية. وعلاوة على ذلك فإن المصارف الأجنبية العاملة في روسيا لا
تبدي أي اهتمام منظم بالحوكمة في الشركات المقترضة ولا تربط بين تكلفة الائتمان
ومستوى الحوكمة في الشركة المقترضة. وهناك دور آخر يمكن للمصارف أن تلعبه
لتطوير الحوكمة الجيدة للشركات، إذ بوسعها أن تشجع الشركات التي تمتلك أسهمها
على تحسين مستويات الحوكمة فيها. وكان دور المصارف في هذا الموضوع سلبيا حتى
الآن. وستشمل العوامل الحاسمة بالنسبة للشركات في هذا الموضوع توسيع نطاق
الأعمال وزيادة الكفاءة. ويجب أن تكون جودة الحوكمة في الشركات التي تحتاج إلى
الانتباه الخاص للمستثمرين المضاربين أعلى من جودة الحوكمة في مجموعة الشركات
ذات الأسهم الممتازة. وكما لاحظنا من قبل، يرى المستثمرون المضاربون أن كبر حجم
الشركات الروسية ذات الأسهم الممتازة واستقرارها يعوض المخاطر المرتبطة بغياب
الكثير من المكونات الهامة للحوكمة، إلا أنه رغم كون جودة الحوكمة المطلوبة
لحصول الشركات متوسطة الحجم على علاوة في السعر من المستثمرين المضاربين أعلى
من الجودة المطلوبة للشركات ذات الأسهم الممتازة فإنها ستظل أقل كثيرا من
معايير أفضل الممارسات.
مستقبل حوكمة الشركات في روسيا
يجب على الهيئات التنظيمية وأسواق الأوراق المالية وهيئات التصنيف الوطنية
وجمعيات الأعمال والمستثمرين أن تركز جهودها في مجال حوكمة الشركات على مساعدة
من 150 إلى 200 شركة من الشركات القيادية الروسية على تنفيذ مبادئ الحوكمة
الجيدة التي ستؤدي إلى أكبر عائد اقتصادي بالحصول على علاوة كبيرة في أسعار
الأسهم من المستثمرين المضاربين. وبعد تحقيق هذه الميزة من حوكمة الشركات، يجب
على الشركات أن تقرر مدى إمكانية حصولها على علاوة أكبر من المستثمرين
المحافظين الغربيين مقابل إدخال المزيد من التحسينات على الحوكمة بأن تقترب
أكثر من معايير أفضل الممارسات. وبالنسبة للأغلبية الساحقة من الشركات الروسية
متوسطة الحجم – ناهيك عن الشركات الصغيرة – تعتبر الأولوية الكبرى في مجال
حوكمة الشركات هي تحسين الامتثال للقانون. ولكي تتطور معظم هذه الشركات، لا بد
أن تحول نفسها إلى شركات مساهمة مغلقة (أو حتى مفتوحة) بحيث يصبح نوع ملكيتها
متناسبا مع طبيعة عملها. أما إنشاء نفس نظام الحوكمة المطبق في الشركات الكبيرة
بما له من خصائص تتعلق بأفضل الممارسات الغربية فلن تكون له جدوى اقتصادية
بالنسبة لهذه الشركات المتوسطة وقد يؤدي إلى ارتفاع كبير في التكاليف
والمخاطرة. والمستفاد من خبرات الدول الأخرى أن مصادر التمويل الأساسية للشركات
المتوسطة هي القروض المصرفية والمستثمرون المباشرون وليست الأوراق المالية التي
تطرح في السوق وتستهدف مستثمري المحفظة. ومن الواضح أن النظام المصرفي الروسي
حتى الآن لا يلبي متطلبات النمو الاقتصادي، وأن هناك حاجة ماسة إلى إصلاح
النظام المصرفي، وأن عملية إنشاء نظام مصرفي فعال لا يمكن أن تتم ولا ينبغي أن
تتم بمجرد أماني ليس لها أساس بأن تحل أسهم السوق محل النظام المصرفي وخاصة
بالنسبة للشركات متوسطة الحجم.
إيجور بيليكوف Igor Belikov
هو مدير معهد المدراء الروسي وهو جمعية أهلية غير حكومية وغير هادفة للربح.
تأسس المعهد في نوفمبر 2001 على يد مجموعة من الشركات الروسية المدرجة على
أسواق الأوراق المالية الروسية والخارجية. واستجابة لحاجة مجتمع الأعمال إلى
تحسين حوكمة الشركات، يقوم المعهد بتعزيز الحوكمة السليمة لوضع أسس للاقتصاد
الروسي الجديد المتجه نحو السوق لزيادة كفاءة استخدام المصادر المالية وزيادة
قدرتها على جذب الاستثمارات. وكذلك يقوم المعهد – بصفته مؤسسة مهنية لمدراء
الشركات – بتعزيز المعايير المهنية العالية ومدونات السلوك الأخلاقي في جميع
أنحاء روسيا. هذه المقالة مقتبسة من مقالة أصلية نشرتها المجلة الروسية
Rynok Tsennikh Bumag
(العدد رقم 5 سنة 2004).
|