حتمية الحكم الديمقراطي الصالح
 

بقلم لاري دياموند  Larry Diamond

لا تكفى الموارد المحولة إلى الدول النامية أيا كان حجمها لإزالة الآثار السلبية
التي تلحق بالتنمية نتيجة الحكم غير الصالح. أما الحكم الصالح الذي يتميز
بالممارسات المتسقة الشفافة والتفاعل المقبول بين الأطراف الحكومية والخاصة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فإنه يسمح بمشاركة الشعب في العملية
السياسية من خلال القنوات النظامية. والحكم الديمقراطي الصالح يعزز شرعية
القرارات الحكومية أمام الشعب ويؤدي إلى مناخ مستقر وجذاب للاستثمارات ويجعل التنمية الاقتصادية ممكنة.

 

.كان هناك اعتقاد كبير خلال العقود الماضية أن الدول تصبح فقيرة لنقص في الموارد  والبنية الأساسية والتعليم والفرص. ومن هذا المنطلق، إذا تمكنا من نقل الموارد الكافية وبناء المدارس والطرق والموانئ والجسور الكافية وطعمنا الأطفال ضد الأمراض فإننا سنحدث تنمية. ولاشك أن هذه الأنواع من التحسينات في المدخلات والقدرة الاقتصادية والبنية الأساسية الطبيعية والصحة العامة ضرورية للتنمية، ولكنها وحدها ليست كافية، بل وليست هي أهم عامل من عوامل التنمية. لا تكفى أي موارد محولة أو أي بنية أساسية مقامة للتعويض عن الحكم الصالح ولا يمكن أن تبقى  بدونه. الحكم الفاسد المسرف السيئ التعسفي الذي يفتقر إلى الكفاءة هو آفة التنمية الحقيقية. وحيثما يستفحل وباء الحكم غير الصالح لا يستخدم الحكام الموارد العامة استخداما فعالا لإنتاج احتياجات الشعب وتحسين الإنتاجية وزيادة  رفاهية المجتمع، ولكنهم في كثير من الأحيان يحتكرون هذه المنتجات لأنفسهم  ولأقاربهم والمقربين إليهم. ولن تكون هناك تنمية دون وجود حكم صالح  متطور. فما هي مكونات الحكم الصالح؟ إنها بصفة عامة تشمل:

 

1.      قدرة الدولة على العمل في خدمة الصالح العام، وهذه القدرة تحتاج إلى أشخاص متدربين على تقديم الخدمة العامة بروح مهنية.

2.      الالتزام بخدمة الصالح العام، وهذا الالتزام يمكن تعزيزه بالمؤسسات التي
تكافئ من يخدم الصالح العام وتعاقب من يخون الثقة المطروحة فيه.

3.      الشفافية والمساءلة، ولابد أن تكون الأعمال وتصرفات الدولة شفافة ومسئولة أمام الأطراف الأخرى في الدولة وأمام الشعب. ولابد أن تكون سلطة الدولة قابلة للمحاسبة والمساءلة أمام المؤسسات الرقابية ومؤسسات المجتمع المدني.

4.      سلطة القانون، ولا يمكن للحكم أن يكون صالحا وفاعلا إلا إذا تقيد بالقانون وكانت هناك سلطات مهنية ومستقلة لإنفاذ القانون بطريقة محايدة ويمكن التنبؤ بها. فالحكومة الفاعلة والأسواق التي تعمل بطريقة جيدة، وحماية حقوق الإنسان كلها تتطلب وجود قواعد واضحة لكل ما يعتبر سلوكا مقبولا في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويجب أن تكون كافة الأطراف العامة والخاصة واثقة من احترام هذه القواعد ومن إنفاذها.

5.      المشاركة والحوار، وذلك من خلال قنوات مؤسسية تمكن الشعب من التعبير عن رأيه في صنع القرار لتصحيح الأخطاء التي توجد في تصميم السياسة وتنفيذها ولتعزيز التلاحم الاجتماعي. وكذلك تؤدى المشاركة من خلال المؤسسات (ومنها المشاركة في جلسات الاستماع مع اللجان التشريعية والهيئات التنظيمية القانونية)إلى إيجاد قنوات لتسوية أو على الأقل تقليل التضارب بين المصالح والقيم وإلى إضفاء الصفة الشرعية العامة على ما يتم التوصل إليه من سياسات. وتصبح السياسات أكثر استقرارا واستدامة عندما تتمتع بتفهم الشعب وتأييده لها.

6.  رأس المال الاجتماعي، ويشمل الشبكات والجمعيات التي تؤلف بين الناس وتبني علاقات متبادلة تسودها الثقة، كما تشمل الأعمال الطوعية والتعاون لتحقيق الأهداف المشتركة. ومن سمات رأس المال الاجتماعي أنه يشجع الاستثمارات والتجارة  ويبث الروح في المجتمع المدني  ويعزز المشاركة واحترام القانون وكلها أسس هامة للتنمية والحكم الصالح.

وهذه العوامل الستة بدورها تؤدى إلى الشرعية السياسية والاستقرار السياسي وتعزز قدرة المجتمع على جذب المستثمرين الذين يتحملون المخاطر بأموالهم في محاولة لتكوين ثروة جديدة. وهكذا فإن الحكم الصالح يؤدى في كثير من المجالات إلى"دائرة حميدة" تعمل كل حلقة فيها على تقوية الحلقات الأخرى في جو من التفاعل والتآلف..

 

العلاقة بين الديمقراطية والحكم الصالح

الحكم الصالح قد لا يكون بالضرورة بحاجة إلى الديمقراطية في كل دولة وفى كل
مرحلة تاريخية، إلا أن الديمقراطية تعتبر أداة هامة وحافزا كبيرا للحكم الصالح. هذه الأداة هي قدرة الشعب على القضاء على الفساد وعلى فرض قبول المساءلة أو حتى مجرد إبعاد القادة غير الفاعلين على فترات منتظمة. أما الحافز بالنسبة للقادة
السياسيين فهو إحداث تحسينات مرئية وموزعة بصورة عامة في جودة الحياة إذا توفرت لديهم الرغبة في انتخابهم مرة أخرى. وعندما تكون الانتخابات حرة ونزيهة (لأنها تدار بطريقة محايدة ومؤثرة) تصبح لدى الشعب فرصة معاقبة الحكم غير الصالح وتصحيح أخطاء السياسة. ويصبح لدى الحكام الحافز لقبول المساءلة والشفافية في ممارسة الحكم، وشرح وتبرير ما يصدر عنهم من قرارات، والتشاور مع قطاعات كبيرة من أبناء الشعب قبل إصدار القرارات. ويتم تحفيز المشاركة السياسية من خلال المناقشة الانتخابية وما تتطلبه من تجميع وحشد لأصوات الناخبين ومن خلال الانتخابات الديمقراطية التي تحفز التشاور واستطلاع آراء الشعب في عملية الحكم الصالح. وبمرور الوقت سيؤدى هذا التأكيد على الحوار الشعبي العام والانشغال بالعمل العام والمشاركة فيه إلى تراكم رأس المال الاجتماعي. وهكذا تساعد ديمقراطية الانتخابات على تعزيز الالتزام بالمصالح الاجتماعية الكبرى والاستجابة لها. ولا تقتصر فوائد المشاركة الديمقراطية في الحكم على الأنظمة السياسية العامة فقط ولكنها تعم أيضا القطاعات المحددة ومختلف مستويات تطوير صنع السياسية. وعلى سبيل المثال، كلما اتسع نطاق المشاركة العامة في صنع القرارات حول كيفية وأماكن إنفاق الموارد القليلة المتاحة للخدمات الصحية كلما أدى هذا الإنفاق إلى تحسين المستوى الصحي لعدد أكبر من الناس. وحتى في نطاقات السياسة الاقتصادية التي تعتبر فنية ومثيرة للجدل مثل الخصخصة والليبرالية وإلغاء القيود ستصبح الإصلاحات الضرورية أكثر ملائمة
وأطول استدامة إذا بذلت الجهود للتشاور مع عدد كبير من الدوائر الانتخابية،
وتمت تعبئة الأطراف الكبيرة صاحبة المصلحة والسماح لها بإجراء حوارات ديمقراطية صريحة. وتصبح للسياسات الحكومية بصفة عامة شرعية أكبر واستدامة أطول إذا شعر الشعب أنه شارك فيها بشكل أو بآخر وأنه صاحب هذه السياسات.

 

وأخيرا، فإن الحرية هامة للغاية وعندما توجد حريات مدنية وسياسية أكبر ستوجد حوارات عامة أكثر استنارة وأشد قوة. وعندما تكون لدى الأفراد حرية المشاركة والتعبير عن أنفسهم، وتكون لدى المنظمات حرية التعبئة والاحتجاج، وتكون وسائل الإعلام حرة فيما تكتبه وتنشره، كلما كانت الحكومة أكثر احتمالا للمساءلة وإلى احترام القانون ووضع الشعب موضع الاعتبار. وعندما تنشر الحكومة سلطاتها بين مختلف الهيئات والفروع وتصبح علاقتها مفتوحة مع المجتمع المدني الفعال، فإنها تسمح لآليات التغذية المرتدة التي تصحح السلوك السيئ وتصحح أخطاء السياسة، وبالتالي يزداد احترام الشعب للحكومة ولما تصدره من قرارات، ويتمتع نظام الحكومة بكثير من الشرعية والاستقرار. وسيؤدى كل هذا إلى تحسين قدرة الدولة على إدارة الصراع الاجتماعي. وهكذا تمثل الديمقراطية والحكم الصالح ضلعين من أضلاع المثلث الذي يدفع المجتمع إلى التقدم. أما الضلع الثالث فهو التنمية الاقتصادية التي تأتى من سياق الحكم الديمقراطي الصالح الذي يوفر مناخا جاذبا للاستثمار ويساعد المجتمع  على تحديد السياسات والمؤسسات التي تعزز التنمية العادلة. وسيكون التحدي أمام المساعدات الأجنبية خلال العقد المقبل هو مساعدة جميع أنواع المؤسسات التي تعزز التنمية وتساعد على إحداثها. وليست الديمقراطية وحدها كافية. وليس الحكم الصالح وحده
كاف. ولابد أن يكون هدف المساعدات الأجنبية هو تعزيز الحكم الديمقراطي الصالح المستقر والفعال، وهذا لا يعنى الانتخابات النزيهة الحرة (التي تدار جيدا) فحسب بل يشمل كذلك:

·       
هيئة قضائية جيدة ومستقلة.

  • مجموعة من المؤسسات المستقلة الأخرى ذات موارد جيدة وقدرة على القيام
    بالمحاسبة الأفقية ومنها هيئة لمكافحة الفساد، وهيئة للمظالم تحقق في شكاوى الجمهور ضد الحكومة، وبنك مركزي، وهيئات تنظيمية اقتصادية.

  • مؤسسات تمثل الشعب مثل الأحزاب والمجالس النيابية تكون أمينة ومفتوحة وتستجيب للمشاركة العامة ومتصلة بالمصالح المجتمعية على اختلاف أنواعها.

  • خدمة مدنية تتمتع بالكفاءة والتماسك والإخلاص في العمل.

  • مجتمع مدني قوي وتعددي ومستقل عن الدولة من ناحية، ولكنه في ذات الوقت يحترم سلطة الدولة ويرغب في التعاون معها لتحقيق التنمية.

  • وفوق كل ذلك لابد من وجود بيئة مساعدة تتمثل في الالتزام الثقافي بالشرعية والشفافية والصالح العام لدى القيادة السياسية، ومنظمات الأعمال، والغرف، ومجموعات المصالح الرئيسية الأخرى وعموم الجمهور.

 

وهناك اعتراف متنامي بأن هذه الأعمدة للحكم الديمقراطي الصالح القابل للمساءلة والمحاسبة هي أساس التنمية المستدامة والعادلة، وأن إصلاح هذه المؤسسات هو المفتاح الذي يضع للفقر نهاية ويقود إلى الرخاء.

___________

 

الكاتب لاري دياموند Larry Diamond من كبار الزملاء في معهد هوفر، ويشارك في تحرير "مجلة الديمقراطية" وفي إدارة المنتدى الدولي للدراسات الديمقراطية في منظمة الوقفية الوطنية من أجل الديموقراطية National Endowment for Democracy وهو أيضا أستاذ فخري العلوم السياسية والاجتماعية بجامعة ستانفورد ومنسق برنامج الديمقراطية في مركز الديمقراطية والتنمية واحترام القانون بمعهد ستانفورد للدراسات الدولية.

 

الآراء التي تضمنتها هذه الورقة تعبر عن آراء الكاتب الشخصية ولا تعبر عن رأى مركز المشروعات الدولية الخاصة (سايب).

 

يوافق مركز المشروعات الدولية الخاصة (سايب) على إعادة طباعة وترجمة و/أو نشر المقالات المنشورة في مجلة (الإصلاح الاقتصادي the Economic Reform Feature Service ) شريطة (1) الإشارة المناسبة إلى المؤلف الأصلي وإلى سايب، و (2) إشعار سايب بما يتم عمله بالنسبة للمقالة وموافاة مكتب سايب في واشنطون بنسخة منها بالبريد أو البريد الإليكتروني أو الفاكس.