هناك حاجة ملحة لظهور مبدأ مركزي جديد لتنظيم التجارة يأخذ فى اعتباره الشكل
الجديد للنمو الاقتصادي ويلقى الضوء على بعض الممارسات الخفية ويفرز تجمعات
اقتصادية جديدة. "فالاقتصاد المدني" يتطلب مؤسسات أشبه بتلك اللازمة لتكوين
مجتمعات مدنية قوية. وفى هذا التشكيل الجديد، ومن خلال خضوع المؤسسات المالكة
للمسائلة من قبل المستثمرين وقيام تلك المؤسسات بمسؤولياتها الاجتماعية، تقوم
تلك المؤسسات بدفع الشركات التى يملكونها نحو الرفاهية المستدامة. وبالتوازي
مع المجتمع المدني تؤسس الحكومات التي تستجب لشعوبها هيئات " الاقتصاد
المدني" الذي يؤكد في نفس الوقت دور هذه الحكومات. إن التحدي الحقيقي هو بناء
مؤسسات تسعى إلى مزج المساءلة مع التجارة وتتحمل ضغوط العولمة المتسارعة.
لم تدرك بعد وعلى نطاق واسع دلالة ما شهدناه من تغيرات هيكلية هائلة، فهي في
الحقيقة بداية لمرحلة جديدة من الرأسمالية التي أسميها أنا "الاقتصاد المدني".
فنحن نتحدث عن المجتمع المدني. لكي نصف مجموعة متباينة من المؤسسات اللازمة
للحفاظ على الديمقراطية السياسية. إلا أن الأزمات الحالية في نظام المشروعات
الحرة يدفعنا إلى أن نتوصل إلى فكرة جديدة موازية وهى " الاقتصاد المدني ". إن
هذا الاقتصاد المدني هو الأمل في إنقاذ العولمة من نفسها ويضع الأسس للرفاهية
المستدامة الشاملة.
لماذا نحتاج إلى نموذج جديد؟ إن عدم الرضا الجماهيري عن العولمة هو دليل على
وجود خطأ فادح وخطير بين الواقع الجديد لعالم الأسواق الرأسمالية والنظم
البالية التي يتزايد قدمها والتي كانت فيها الصفوة التقليدية سواء من الحكومة
أو الشركات هي التي تتخذ القرارات الاقتصادية. إن استقرار التجارة العالمية قد
يعتمد على إيجاد حل يمد الجسور على فجوة انعدام الثقة بين الجانبين. لذلك وجب
على الأطراف المؤثرة فى السوق أن تشكل ما يمكن أن يوصف بأنه دستور دولي جديد
للأنشطة الاقتصادية يستطيع أن ينال ثقة الجماهير في جميع أنحاء العالم.
هناك حاجة إلى مزيد من الفهم بشكل جديد، ذلك أن مبادئ الاقتصاد قد تغيرت بشكل
كبير في السنوات القليلة الماضية، فخلال القرن العشرين كانت الدولة في كل بلاد
العالم تقريبا تسيطر على معظم الأصول الهامة في الأسواق ابتداء من شركات
الطيران إلى المصارف والمرافق العامة، ولكن الآن وبعد انتهاء الحرب الباردة
وانتشار موجات الخصخصة والتخلي عن القواعد والقيود التي نتجت عن ذلك ظهرت قوى
اقتصادية جديدة استخدمت قدراتها وطاقاتها لاقتحام الميدان.
كانت أولاها شركات القطاع الخاص العملاقة بصفتها الوريث الأساسي للسلطة
الاقتصادية، ثم ثانيهما مالكي هذه الشركات من المؤسسات الاستثمارية مثل صناديق
المعاشات والصناديق المشتركة فهؤلاء المالكين يحولون مدخرات ملايين الأفراد إلى
أسهم، أما القوة الثالثة الجديدة التي ظهرت فهي منظمات المجتمع المدني مثل
المجموعات المهتمة بالبيئة وجمعيات رجال الأعمال وجمعيات المهنيين والنقابات
العمالية وهى المنظمات والتشكيلات التي يتزايد نفوذها وتحصل حاليا على دعم قوى
عن طريق اتصالات الإنترنت، هذه القوى الثلاثة الجديدة قد تنبهت فجأة إلى حقيقة
خطيرة ألا وهى أنها اعتبرت أن الساسة والموظفين هم القوى الدافعة الرئيسية لكل
الأنشطة الاقتصادية في العالم وأن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحا.
والواقع أن هيكل المشروعات الخاصة لم يعد على دراية من قريب أو بعيد بما يجرى
في الواقع وانفصل عنه تماماً. ذلك أن المديرين التنفيذيين للشركات والملاك
الذين يسيطرون على هذه الشركات الكبرى والذين اعتادوا على التمتع بالسلطة
المطلقة بدءوا يواجهون تحديات من الأقلية من المستثمرين سواء كان هؤلاء
المستثمرين محليين أو أجانب على حد سواء. وقد تعرضت معظم مجالس إدارات هذه
الشركات للحيرة والتخبط في محاولاتها التوصل إلى حل يمكنها من مواجهة الضغط
الجديد لمتابعة وتحسين سجلاتها وأدائها في المجالات المتعلقة بالبيئة وبمكان
العمل وبحقوق الإنسان، ومما زاد الأمور سوءا بشكل كبير، هو أن مجالس إدارات
العديد من مؤسسات صناديق الاستثمار تشعر بالقلق أيضا. ذلك أن الناس غالباً ما
لا يكون لهم أي تأثير على كيفية إدارة مدخراتهم في صندوق المعاشات وهى الأموال
التي ادخروها طوال حياتهم العملية. وعندما لا يكون هناك أي مساءلة عن كيفية
إدارة هذه الصناديق فإن مجالس الإدارة أيضا تجد نفسها مستعدة للخضوع للنزاعات
التجارية فلا تقوم بما يجب أن تقوم به ألا وهو الحفاظ على استثمارات عملائها
بالعمل كحراس ومراقبين لأداء مؤسساتهم. وأخيراً فإن جوهر التجارة – وهى
المبادئ المحاسبية المستمرة لمدة طويلة والتي تستخدم للكشف عن قيمة الشركات –
لا تتضمن قيمة مهارات العمال والعاملين وغيرها من الأمور الأخرى "غير الملموسة
" والتي ظهرت الآن باعتبارها من الأصول الجوهرية للشركات الاقتصادية التي تقوم
على المعرفة.
إذا وبإيجاز، نحن في حاجة ملحة لمبدأ تنظيمي مركزي جديد يأخذ في الاعتبار الشكل
الجديد للنمو الاقتصادي ويلقى الضوء على الممارسات التي لا تزال غير معروفة
ويمنح امتيازات لتجمعات الناخبين الجديدة. إذا، نحن في حاجة إلى "الاقتصاد
المدني".
إن النموذج المثالي في الأسواق العالمية والذي يعتبر الاقتصاد المدني أفضل مثل
له هو نموذج يكون المديرين لهذه المؤسسات المالكة مسئولين أمام ملايين المدخرين
في هذه المؤسسات ومن ثم يدفعونها نحو تحقيق الرفاهية المستدامة وذلك عن طريق
الإدارة المسئولة اجتماعيا. إذا وضعنا كل ذلك في معادلة بسيطة فيمكن القول أنه
إذا كانت المساءلة بالإضافة إلى المسئولية الاجتماعية تساوى قيمة الأسهم
للمساهمين فإن ذلك يعنى أننا حققنا "الاقتصاد المدني". ولكن كيف يمكن خلق هذا
الاقتصاد المدني؟ في المجتمع المدني، نجد أن الأحزاب السياسية والقضاء المستقل
والصحافة الحرة والقانون المحايد والكيانات المدنية هي العناصر الأساسية في
الحفاظ على الديمقراطية. إذا لابد من وجود مؤسسات موازية في الاقتصاد المدني
تشارك في فعاليات السوق فهناك مثلا الهيئات الممثلة لحملة الأسهم المعنيين
والمراقبين المستقلين الذين يقومون بالمتابعة والرصد كما لابد من وجود نظم
إدارة ذات مصداقية بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني. إن التغيير الحقيقي
يحدث عندما يتم حشد وتعبئة كل هذه الهيئات والأجهزة لتغيير وتعديل البنية
التحتية والقواعد والدستور -غير المكتوب- للتجارة.
حملة الأسهم المعنيين
نتحدث في المجتمع المدني عن الناخبين. وفى الاقتصاد المدني نتحدث إلى المالكين.
اليوم، المؤسسات الاستثمارية التي تقوم بإدارة مدخرات عشرات الملايين من الناس
تمتلك فعلا نصيباً كبيراً من الأسواق في جميع أنحاء العالم. إلا أن هناك العديد
من هذه الصناديق التي تتهرب من مسئولياتها والثقة التي وضعها فيها المدخرين
وتدين بالولاء التام للسلطات الإدارية في الشركات حتى ولو كانت إدارة الشركات
معيبة بشكل واضح. والسبب الأساسي لذلك، هو أن معظم الصناديق لا تلتزم هي نفسها
بالحد الأدنى من مستويات الحوكمة التي يطالبون الشركات دائماً بالالتزام بها.
ومن ثم فإنه نادرا ما يكتشف المدخرون كيف أن مديري صناديقهم يتصرفون كما لو
كانوا ملاكا لهذه الصناديق، ونادرا ما يسمع صوت المدخرين فيما يتعلق بإدارة
صناديقهم ونتيجة لذلك فإن العديد من برامج المعاشات والصناديق المشتركة ووحدات
الاستثمار تجد نفسها حتماً فى قلب نزاعات ولا تستطيع الاعتراض على إدارة
الشركات التي يمتلكون أسهما فيها.
ولابد من أن تصبح هذه المؤسسات الاستثمارية سواء عن طريق القواعد الطوعية أو
القانون أو اللوائح قادرة على التعامل بشفافية وان تكون مسئولة أمام المدخرين.
ولابد من أن تفصح وبشكل منتظم عن الخطوط العامة المستخدمة في الاستثمار الذي
يقومون به بما في ذلك ما إذا كانوا يأخذون في الاعتبار المعيار الاجتماعي أم لا
وكيف تتم عملية التصويت بالنسبة للأسهم. والآن ومع وجود الإنترنت والاتصالات
الإلكترونية فلابد أن يصبح ذلك روتينيا يسهل الاتصال بحملة الأسهم البعيدين.
كما أن الأمناء على هذه الصناديق لابد من أن يخضعوا لبرامج تدريب مكثفة
ومستقلة. وفى نفس الوقت لابد للقوى المنظمة للسوق من أن تعمل بحماس ونشاط لتضمن
قيام هذه الصناديق بالعمل أساسا لمصلحة عملائها وألا تكون في خدمة مصالح
الأعمال المتنازعة.
ومن أهم الوسائل التي يمكن أن تشجع قاعدة حملة الأسهم في المشاركة بشكل فعال في
إدارة صناديقهم ما يعرف باسم مجموعات المستثمرين التي تمثل صغار المدخرين
الأفراد. ومن هذه المجموعات مجموعة
Aktiespararna
في السويد وPSPD
في كوريا الجنوبية وDSW
في ألمانيا وجمعية حماية المستثمر
Investor
Protection Association
في روسيا وجمعية حملة الأسهم
Australian
Shareholders Association
في استراليا. ولابد أن يتم إعداد السياسات القومية العامة بحيث تشجع على قيام
مثل هذه المؤسسات الخاصة " بالاقتصاد المدني" نظراً لأنها غالبا ما تكون أكثر
تحررا من النزاعات ومن ثم تستطيع القيام بدور المراقبة بشكل فعال. ولقد قامت
ماليزيا بخطوة كبيره في ذلك فقد شكلت جماعة مراقبة من أقلية حملة الأسهم تشرف
عليها الحكومة نفسها كي تستفد الدولة من فوائد الاقتصاد المدني النشط.
إذا، ما هي هذه الفوائد؟ كما ذكرنا من قبل فإن كلا من الدراسات الأكاديمية وتلك
التي تقوم بها الصناعة تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الصناديق تزيد من قيمة
استثماراتها إذا ما قامت بدور نشط في حركة السوق. كما أن هذه الفوائد يمكن أن
تصل إلى الشركات أيضاً. ذلك أن الشركات التي تستجب لطلبات حملة الأسهم الذين
يهتمون بمراقبة أعمالها والتي تحسن من حوكمتها وإدارتها يمكن أن تقلل من تكلفة
رأسمالها. كما أن البحوث تؤكد أيضاً أن النشاط وما يصحبه من تحسن في حوكمة
الشركات يمكن أن يدفع اقتصاد البلد نحو النمو بشكل فعال. والعكس صحيح أيضاً فإن
البلاد التي تكون حوكمة ا لشركات فيها ضعيفة تفقد ثرواتها كما تفقد فرص العمل،
وقد قام بنك
ANZ
مرة بحساب ذلك فوجد أنه في عام 1998 فقط كلف سوء حوكمة الشركات وحده نيوزيلندا
ما يوازي 7 % من إجمالي الناتج القومي وفيما يتعلق بقيمة ملكية الأسهم، أي
باختصار أن الاقتصاد المدني الذي يشارك فيه حملة الأسهم يؤتى ثماره.
المراقبين المستقلين
نتوقع في المجتمع المدني أن تقوم الصحافة الحرة والقضاء المستقل بالوقاية من
الاستبداد، وبالمثل ففي الاقتصاد المدني نحتاج إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من
أجهزة الرقابة التي تساعد على جعل إدارات الشركات تقوم بعملها بشكل يتمتع
بالشفافية بحيث ينتهي الأمر بهذه الشركات إلى أن تدعم وتعزز مصالح الاقتصاد
ككل. وتعتبر وسائل الإعلام من هذه الأجهزة الخاصة بالرقابة وذلك بالطبع لأنها
تستطيع أن تتحرى عن أداء مجالس الإدارات وتراقبه. وقد أدركت بعض الصحف الكبرى
مؤخراً فقط أثر سوء إدارة الشركات على المجتمع ككل. حتى عام 2001، لم تستخدم
صحيفة مثل نيويورك تايمز هذا التعبير إلا إذا كانت تقتطف من قول معين وتشرحه.
وتتضمن أجهزة الرقابة المستقلة المشار إليها أعلاه أيضا المنظمين المنصفين
والنشطين. ولكننا نحتاج بالإضافة إلى كل ذلك إلى متابعين في كل أنحاء العالم
لمراقبة ومساءلة الصناعة.
والواقع أن بعض المراقبين لهم هم أيضاً وفيما بينهم نزاعات مصالح تجارية غير
محسومة وأحيانا غير معلنة. إلا أن مسئولياتهم "الدستورية" في السوق الجديد وهى
المطالب التي بدءوا يسمعونها بشكل دائم من عملائهم مؤخراً هي ضرورة أن يواجهوا
هذه التوترات بصراحة. إلا أن اكبر تحدى يواجه هؤلاء المراقبين لأداء الشركات
ومساءلتها هو أن معظمهم لا يعرف إلا القليل عن التجارة. بالإضافة إلى أن عدد
كبير جداً من الدول ليس لديها مثل هذه الخدمات المحلية. وهذا بدوره يؤدى إلى
استمرارية عدم وضوح إدارة العديد من الصناديق والى تصرف هذه الإدارة باعتبارها
مالكة للصناديق علماً بأن هذه الصناديق هي العميل المستقبلي لجهات المراقبة
هذه، كما أن مديري الصناديق لا يريدون أن يدفعوا أجوراً للمراقبين المستقلين
إلا إذا اضطروا إلى ذلك. إلا أن كثيرين منهم قد أيقنوا بفضل ضغوط مجالس الأمناء
ومجموعات المستثمرين أنهم لابد وأن يقوموا بذلك.
ويعتمد "الاقتصاد المدني" أساساً على صدق وأمانة الوسطاء الآخرين أيضاً. فقد
رأينا الضجة الكبرى التي أثيرت في الولايات المتحدة بشأن سمعة بعض المديرين
بسبب تنازع المصالح بينهم وبين بنوك الاستثمار. وكذلك تأثرت سمعة العديد من
مراقبي الحسابات بسبب النزاعات القائمة بين من يلجئون لهم لاستشارتهم. ومن ثم
فإن أي تصرف يقوم به المنظمون أو المهنيون يجب أن يضمن أن النصيحة التي
يقدمونها لحملة الأسهم هي نصيحة خالصة ومستقلة فعلاً كما يدعون.
وأخيراً فقد بدأت أدوات "الاقتصاد المدني" الجديد في الظهور استجابة لمتطلبات
السوق، فمثلاُ بدأت الخدمات التجارية في توفير معلومات للمستثمرين عن التصنيف
النوعي للأسهم الذي تم تصميمه بحيث يتمكن من قياس مخاطر حوكمة أي شركة. كما أن
مؤسسات ستاندرد أند بورز قد بدأت في إعداد تصنيف بناء على طلبات المصدرين
للأسهم. وبالإضافة إلى ذلك قامت في استراليا والبرازيل واليونان وفرنسا والهند
وكوريا وبولندا وروسيا والولايات المتحدة شركات أخذت في إعداد بطاقات لتحديد
مستويات المؤشرات القومية. ولأول مرة الآن يستطيع مديرو المحافظ المالية أن
يطلعوا على شاشات الحاسب الآلي الخاص بهم على بيانات تمكنهم من تحديد "مستوى
حوكمة الاستثمار" وذلك قبل اتخاذهم لأي قرارات بالبيع أو الشراء. كما أن
الشركات تستطيع أن تحدد أيضاً مستوى تدابير مساءلتها بالمقارنة بالشركات
المثيلة لها في نفس البلد أو في أي مكان آخر في العالم.
نظم الإدارة ذات المصداقية
يعتمد المجتمع المدني على شبكة من القوانين الصادرة بناء على رغبة الناخبين
والتي تتلاءم مع المناخ الاجتماعي. وفى عالم المُلاك فان اليد الخفية لمستويات
المحاسبة تخدم جنبا إلى جنب مع القوانين باعتبارهما معادل قوى. وتقود مثل هذه
القواعد المديرين التنفيذيين والمحاسبين وترشدهم بشأن ما يديروه وكيف يديروه
وكيف يقوموا بقياس إدارتهم. ولكن هل تعكس هذه الإرشادات وجهات نظر واحتياجات
المستثمر الحديث ؟ إن حملة الأسهم يصدروا أحكامهم عن قيمة الشركة وعن سعرها في
السوق بناء إلى حد كبير على تحليلهم للمعلومات المالية التي تصرح بها الشركات
نفسها، إلا أن الاتفاقات الجارية تعزز بقوة الأسرار العظمى للنظم المحاسبية
التقليدية التي لم يتم إخفائها بكفاءة، ألا وهى أن القواعد تقلل من القدرة على
تقدير الأثر المالي لعلاقة الشركة بموظفيها والعاملين لديها بل وبالمجتمع ككل.
وهذه الثغرة يمكن أن تؤدى إلى تشوه حاد. وكثيراً ما يذكر جون لوكمونيك
Jon Lukomnik
- نائب مراقب الحسابات السابق في مدينة نيويورك المثل الحي التالي :
" إذا ما ترك بيل جيتس شركة ميكروسوفت
Microsoft
ليعمل لدى شركة صن ميكرو سيستمز
Sun
Microsystems،
فمن المؤكد أن أسهم شركة مايكروسوفت سوف تنخفض وترتفع أسهم شركة صن ميكرو
سيستمز، ومع ذلك فإن بيل جيس ليس مسجلا في أي مكان باعتباره من أصول شركة
مايكروسوفت الدفترية، بل على العكس فهو يعتبر من الخصوم بسبب قواعد تراكم
المرتبات وغيرها من القواعد. ومن ثم فإن النظام المحاسبي الذي نستخدمه قد أصبح
بمنتهى الصراحة غير فعال في النظام الاقتصادي المبنى على الخدمات ورأس المال
الفكري. ومن ثم فإن المستثمرين يلجئون إلى الحل البديل المتيسر لهم ألا وهو
التخمين المبنى على المعلومات المتاحة لهم."
ويعرف المحاسبين أنفسهم هذه الحقيقة أكثر من غيرهم. ذلك أن مكاتب المحاسبة هي
من أول الجهات في هذا المجال التي تبذل جهدها لكي تتوصل إلى قواعد وإجراءات
مشتركة لقياس الأصول التي يصعب جداً تحديدها والتي يسميها الخبراء "الأصول غير
الملموسة". ورغم أنه من الصعب تصنيف هذه الأصول أو الصفات، إلا أنها مع ذلك من
أهم القوى الدافعة لنجاح الأعمال اليوم. وهذه الأصول غير الملموسة تتضمن
الملكية الفكرية لإدارة الشركة مثل الأسماء التجارية والابتكارات ومهارات
العاملين (والتي تسمى غالبا "رأس المال البشرى") وسمعة الشركة وقدرتها على
السيطرة على المخاطر البيئية. وتسمى منظمات المجتمع المدني معظم هذه الأصول
العلاقات الاجتماعية أو العلاقات مع حملة الأسهم، وعلى العكس من ذلك فإن
مستويات ومعايير المحاسبة الثابتة قد أعدت أصلا فى العصر الذي كان يركز أساسا
على التصنيع لتمكن المحاسبين من إجراء الحسابات الخاصة بالأصول الملموسة وهى
المكون الأساسي لأي مؤسسة. وطالما لم تؤدى هذه القياسات دورها على الوجه الأكمل
فإن المخاطر تظل غير واضحة. وهكذا يجد المديرين والمستثمرين أنفسهم على حد سواء
غير قادرين على أن يحددوا بدقة القدر الأدنى لأثر الأداء الاجتماعي للشركة. ومع
ذلك فإنهم إذا نجحوا في ذلك فإن كل الأطراف تكون قد تمكنت من بناء بنية تحتية
مالية مشتركة تربط بفعالية بين المسئولية الاجتماعية وبين قيم مالكي الأسهم،
وعندما تبدأ الشركات في الإفصاح عن حساباتها التي تمت مراجعتها طبقاً لهذه
المستويات فإن الأثر المالي للأداء الاجتماعي لأي شركة سيتمتع بالشفافية.
وعندئذ ستعكس أسعار الأسهم فعلا قدرة شركة ما على أن تدير علاقاتها الهامة مع
حملة الأسهم بشكل منتج وهو ما لا تقوم به الآن بشكل جيد.
منظمات المجتمع المدني كقوى السوق
يعتمد نجاح أي مجتمع مدني على انتشار ونفوذ المنظمات غير الحكومية التي تعمل
بالطرق القانونية لتحقيق التغيير. وهذا هو ما يقوم به أيضاً الاقتصاد المدني
باستثناء أن مجموعات المجتمع المدني لابد وأن تطور استراتيجيتها لكي تتواءم مع
القنوات التي يستطيع رأس المال تحملها. وكثيرين منهم لا يزالون يخشون السوق
وينساقون نحو عاداتهم التقليدية التي انتعشت أثناء الحرب الباردة وهى البحث عن
حلول على المستوى السياسي فقط. والبعض ينادى بالاحتجاج العنيف ويستخدم عضلاته
لأغراض فاسدة، وبذلك يضعون أنفسهم حتما خارج نطاق الاقتصاد المدني" بينما
الآخرون الذين أدركوا القوة الحقيقية لرأس المال ساروا بهدوء وبحثوا عن أساليب
وطرق جديدة للعمل.
ولقد كانت النقابات العمالية في بعض البلدان من هؤلاء الآخرين فقد استطاعت
AFL-CIO
بالولايات المتحدة عن طريق مكتب الاستثمار ومركز رأس المال العامل أن تبتكر
أساليب جديدة لكي تحول صناديق المعاشات التي يديرها العمال إلى أدوات قوية في
يد حملة الأسهم النشطين، فهم يضغطون على مديري الصناديق وعن طريقهم يضغطون
أيضاً على المؤسسات لتحسين إداراتها وتحسين علاقاتها بالعمال أيضا. فاتحادات
النقابات في استراليا وهولندا وألمانيا والمملكة المتحدة قد اتخذت نفس السبيل
وتعاونت سوياً عن طريق لجنة التعاون الدولي لرأس مال العمال التابعة للاتحاد
الدولي لنقابات العمال الحرة.
وفى نفس الوقت، أدركت المجموعات التي تسعى لمكافحة الفقر وتلك التي تهتم
بالحفاظ على البيئة مؤخراً ميزات تعبئة رأس المال. كما أن هذه المجموعات نفسها
تستطيع أن تعزز شرعيتها باعتبارها من القوى الفاعلة في الاقتصاد المدني وتتمكن
بذلك من أن تحصل على حقها في إدارة أموالها وذلك بتطبيق نفس قواعد الحوكمة
الأساسية التي تطالب بها الشركات. وهذا أيضا من متطلبات الدستور الضمني غير
المعلن لسوق رأس المال الجديد. ذلك أن صانعي السياسات وقادة المنظمات غير
الحكومية لابد وأن يكونوا مسئولين تماما أمام أعضاء منظماتهم هذه وأن تتمتع
تصرفاتهم والنزاعات بين مصالحهم بالشفافية وأن تكون وسائل إدارتهم سلمية.
دور الحكومة
هل هناك دور للسياسة العامة في تسريع التقدم؟ بالطبع يوجد وذلك على المستوى
القومي والدولي. فالحكومات شريك ضروري في خلق الظروف الملائمة للتجارة المبنية
على المساءلة. ذلك أن الحكومات هي القوى الأساسية التي تضمن تطبيق القواعد على
كل الأطراف، ومع ذلك يتم الحصول على أفضل النتائج عن طريق التدخل اليسير
للحكومة وترك الأمور الكبرى لقوى السوق لتقوم بها، والواقع أن كل المطلوب من
الحكومات هو التعديل الجراحي للوائح والقوانين.
وتنبع روعة هذه المعادلة -الإنفاق العام الصغير الذي يؤدى إلى نتائج ضخمة- من
أن هذه المعادلة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لنجاح أي قائد سياسي يجد نفسه تحت
ضغط لتحقيق النمو وفى نفس الوقت ضمان العدل الاجتماعي بينما تكون الأموال
المتاحة لذلك في الخزانة العامة ضئيلة.
أما على المستوى المحلى فإن الحكومات القادرة على تشجيع الإصلاح هي تلك التي
تنشأ أصلاً من المجتمعات المدنية الناجحة، فهي بطبيعتها تكون أكثر استقراراً،
كما أن السياسات التي تنشأ من الممارسات الديمقراطية وتعرض على الجمهور لفحصها
ونقدها تكون دائماً أكثر قبولا لدى الجماهير وأكثر عدلا عند تنفيذها. ولكن
المهم هو أن تدرك الحكومات حاجتها إلى بدء العمل، فإذا ما بدأت ستجد أن قائمة
الأعباء الملقاه على عاتقها طويلة فعلا.
ويستطيع المسئولون عن سن القوانين على مساعدة قيام الاقتصاد المدني بتعزيز
وتطوير مؤسسات الاستثمار المحلية مثل صناديق المعاشات وجمعيات حملة الأسهم.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الحكومات تستطيع أن تضغط على هذه الصناديق للالتزام
بالمستويات والمعايير الأساسية للمساءلة حتى يستطيع المدخرين استخدام نفوذهم
المالي بدلا من أن يتم تجاهلهم وحتى تضطر هذه الصناديق إلى العمل لصالح
المدخرين فقط. ولابد أن يكون للأفراد الذين ادخروا في صناديق المعاشات الحق في
انتخاب أمناء إدارة هذه الصناديق وأن يحصلوا على بيانات يتم تحديثها دورياً عن
كيفية تصويت مديري هذه الأرصدة وكيف يتصرفون باسم المدخرين في الأمور المتعلقة
بالشركات. إن مثل هذه الإجراءات تنعش الأسواق وذلك بتمكينها للمؤسسات المالكة
وجعلها تستجب لمصالح المواطنين من أصحاب المعاشات.
وعلى صانعي السياسات المحلية أيضاً التأكد من أن لدى هؤلاء المستثمرين الأدوات
اللازمة ليتمكنوا من التصرف كمالكين حقيقيين، وهذا يعنى إلى حد كبير وضع مجموعة
من القواعد البسيطة المتعلقة بالإفصاح. فعلى كل شركة مسجلة في بورصة الأوراق
المالية أن تضع على الإنترنت وفى الوقت المناسب كل بياناتها المالية وقواعدها
التنظيمية. أما بالنسبة للشركات الكبرى التي لديها حملة أسهم غير مقيمين فلابد
أن تقدم لهم هذه المعلومات بشكل منتظم بلغتين أولا بلغة السوق المحلى، وثانيا
باللغة الإنجليزية باعتبارها لغة المال السائدة. وعلى مجالس الإدارات أن تشرح
وتبين كيف تستعد لمواجهة المخاطر المتعلقة بمكان العمل والبيئة. وعليها أن تبين
بالتفصيل الطرق التي تربط بها مكافآت المديرين التنفيذيين بأدائهم.
ويستطيع صانعي السياسات أن يصلوا إلى القمة في أي مقارنة إذا ما استخدموا
الإجراءات التي تمت تجربتها وحققت نجاحاً مثل أفضل الممارسات في قانون الشركات
والقواعد الصارمة والعقاب المحايد وعن طريق القوانين التي تشمل مستويات واسعة
النطاق في مجال الإفصاح، ويمكن أن يسمحوا برفع القضايا الجماعية أمام المحاكم
وهذا سيكون بمثابة مكبح آخر لسوء الإدارة، إلا أنهم يستطيعون أيضاً استخدام
وسائل أقل مباشرة مثل الحوافز المبتكرة للضرائب، أو قواعد توجيه استثمارات
معاشات الموظفين الحكوميين نحو المؤسسات التي أثبتت كفاءتها الإدارية.
وقد بدأت بعض بورصات الأوراق المالية في مكافأة المشروعات الناجحة التي تتميز
بحوكمة جيدة بإعطائها تصنيفا جيدا أو بتخفيض رسوم تسجيل هذه الشركات لديها. بل
لقد بلغ الأمر بإنجلترا أن تعين وزيرا في وزارة التجارة والصناعة ليكون مسئولا
على وجه التحديد عن البحث وعن وسائل تمكن شركات القطاع العام من أن تتحمل
مسئولياتها الاجتماعية.
ويمكن فهم كل هذه التصرفات باعتبارها جزء من هيكل معماري ودستور للمالكين
المهتمين والشركات المسؤولة. إلا أنه للأسف فإن التقدم يكون بطيئا بطئا مؤلما
عندما تقاوم المصالح القوية احتمالات التحدي. وهنا تستطيع الدول التي لديها
قواعد حوكمة شركات قوية أن تساعد في هذا المجال. فإذا كان لديها برامج معونة
للبلاد الأخرى فلابد أن تعيد النظر فيها لتغذى مؤسسات الاقتصاد المدني في
الأسواق التي تعانى من مشاكل التقدم، ويعتبر المركز الدولي للمشروعات الخاصة
(CIPE)
نموذج يحتذي في هذا المجال.
وعلى المستوى الدولي فإن بارقة الأمل في ظهور نظام جديد في مجال اتخاذ القرارات
الاقتصادية تبدو واهية ونادرة الحدوث ولكنها المستقبل على أية حال. فلا تزال
الحكومات هي صاحبة الكلمة العليا فيما يتعلق بقواعد التجارة وديون العالم
والبنوك المركزية. ومع ذلك فالأبواب ستفتح للنشطين على مستوى القاعدة في
المشروعات الحديثة. وفى الأمم المتحدة تفاوض الأمين العام كوفى انان مع
المديرين التنفيذيين للشركات والمستثمرين في إعداد برنامجه المسمى
الاتفاق العالمي
Global Compact
وهو عبارة عن مجموعة من القواعد لتحديد مسئوليات الشركات. وقد قدم برنامج الأمم
المتحدة للبيئة دعماً كبيرا لمبادرة الإبلاغ العالمية
Global Reporting Initiative
التي تنشر خطوطا توجيهية للإفصاح عن المسئولية الاجتماعية. كما أن منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)
تحاول
الاتصال بمنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال والمستثمرين واتحادات ونقابات
العمال لتحديث مبادئ حوكمة الشركات، كما تتعاون منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية مع البنك الدولي بشكل غير مسبوق مع المنتدى العالمي لحوكمة الشركات
(GCGF)
وهو جهة مستقلة لها علاقات وطيدة مع القطاع الخاص. وقد أصبح لمنظمة التعاون
الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي الصلاحيات لمساعدة المؤسسات التي تعتمد على
الأسواق في الأسواق الناشئة وفى البلدان التي يمر اقتصادها بمرحلة انتقالية أي
أنها تساعدهم في الواقع على تطبيق الاقتصاد المدني.
كل هذه التطورات تمثل بداية التحول العالمي للحياة الاقتصادية في مرحلة ما بعد
انتهاء الحرب الباردة وتعكس الديمقراطية العميقة والأصيلة لسلطة رأس المال.
المهم كما يصرح جيمس ولفنسون
James
Wolfensohn
- رئيس البنك الدولي هو أن " الحوكمة الجيدة للشركات ستصبح عنصراً أساسياً في
الاقتصاد العالمي كوسيلة للحكم السليم للدول"، إلا أن تجاوزات الشركات التي
أصبحت الآن رمزا للعولمة تثير مخاطر غضب الشعب، فإذا لم يتم توجيه رد الفعل هذا
فإن ذلك قد يعرقل التغير بدلا من أن يسرع به، ولهذا السبب على صانعي السياسات
في القطاعين العام والخاص أن يقرروا ما إذا كان الطريق السليم والحكيم لإعداد
"دستور عالمي للأسواق" يعتمد الآن على الإسراع بقيام الاقتصاد المدني. إن
التحدي الذي سنواجهه في العقد القادم هو بناء المؤسسات التي تعزز اندماج
المساءلة مع التجارة. فإذا ما نجحنا في ذلك فإننا نكون قد ضمنا قيام العولمة
بتنفيذ وعدها لنا بنشر الرفاهية المستدامة فعلا .
الدكتور ستيفن م. دافيس
Stephen M.
Davis
-
رئيس مؤسسة دافيس الاستشارية العالمية
Davis Global
Advisors.
ومنذ عام 1988، عمل مستشارا للمؤسسات الاستثمارية وللمديرين التنفيذيين
ولبورصات الأوراق المالية وللأجهزة الحكومية والمنظمات العالمية مثل منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي، وكان كتابه "حقوق حملة الأسهم
بالخارج": دليل للمستثمر العالمي والذي صدر عام 1989 كأول دراسة تقارن بين
الممارسات المختلفة لحوكمة الشركات فى أفضل الأسواق، ولمزيد من المعلومات نرجو
الاطلاع على الموقع التالي:
www.davisglobal.com
وقد اقتبس هذا المقال من ورقة تم إعدادها بمناسبة مؤتمر الاحتفال بالعيد العاشر
لملتقى حوكمة الشركات السويدي الذي عقد بستكهولم
Stockholm
خلال أيام 10 و11 ديسمبر 2003، كما أن أجزاء من هذا المقال مقتبسه أيضا من
كتابه القادم تحت عنوان "الاقتصاد المدني" بقلم ستيفن دافيس وجون لوكومنك
Jon
Lukomnik
ودافيد بيت واطسون
David Pitt-Warson.
وقد نشرت بعض الإصدارات من هذا الكتاب فى مجلة
Renewal
الصادرة بالمملكة المتحدة فى عدد الخريف 2003، وفى مجلة السياسة التقدمية
Progressive Politics
الصادرة بالمملكة المتحدة بتاريخ يوليو 2003، وفى مجلة
Convergence
الصادرة بجنوب إفريقيا المجلد 4 رقم 2 ، وفى مجلة
Company
Director
الصادرة باستراليا بتاريخ مايو 2003.