المعرفة المحلية والإصلاح المؤسسي
بقلم
دوجلاس نورث
من
عيوب النظرية الاقتصادية أنها جامدة. فالنظرية التي ورثناها في علم الاقتصاد
تعنى بأداء اقتصاد دولة ما في مدة زمنية معينة،
ولذلك فإن السياسات الضمنية التي تستخلصها ستكون - بصفة نهائية - تغيرات سوف
تؤدي إلى النتائج التي تريدها. ولكننا نعيش في عالم ديناميكي يتعرض لتغييرات
مستمرة، وهذا العالم الديناميكي هو الذي نحتاج إليه لكي نفهم الزمن، ونفهم
الطريقة التي يتعلم بها الإنسان، ونفهم التاريخ، لأن تاريخ الماضي هو الذي يقيد
الحاضر والمستقبل.
اليوم، نعرف
الكثير عن الأداء الاقتصادي، كما نعرف ما هو مطلوب لتحقيق النمو الاقتصادي. إن
التنمية الاقتصادية هي وظيفة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد – لا أكثر ولا أقل.
وببساطة شديدة، إذا كان الاقتصاد منتجا فإنه سيكون غنيا، وإذا لم يكن منتجا
فإنه سيصبح فقيرا. ومع ذلك فإن معرفتنا بعلم الاقتصاد تسمح لنا ليس فقط بإدراك
أن الإنتاج يؤدي إلى النمو الاقتصادي، بل وأن نعرف أيضا نوع المؤسسات المطلوبة
لحدوث النمو الاقتصادي.
ومن أهم هذه
المؤسسات حقوق الملكية المعرفة والمحددة جيدا والتي تحفز الناس ليكونوا منتجين.
ولا تقل عنها أهمية الحاجة إلى وجود نظام سياسي يطبق نظاما قانونيا وقضائيا
يكفل الوفاء بالعقود والاتفاقيات. ورغم كون الإنتاجية مفتاحا للتنمية، فإنه من
الحتمي إقامة إطار مؤسسي يستفيد من هذه الإنتاجية. وهذا بدوره يتطلب الوفاء
بالعقود والالتزام بالاتفاقيات، ومراعاة العدالة، وترك الأسواق مفتوحة للجميع
وليس فقط لعدد قليل من النخبة.
وبطبيعة
الحال، يطرح السؤال التالي نفسه: "إذا كنا نعرف ذلك، لماذا لم نصبح جميعا
أغنياء؟". وإجابتي عن هذا السؤال هي أن معرفة مصادر النمو الاقتصادي شيء،
ومعرفة نوعية المؤسسات التي يجب إنشاؤها لتحقيق النمو الاقتصادي شيء آخر،
والأهم من ذلك هو كيفية بناء هذه المؤسسات وطريقة قيامها بعملها.
إن النظرية
الاقتصادية لم تصمم أبدا لكي تقول للناس كيف يحققون النمو الاقتصادي. لقد صممت
النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الحديثة "neoclassical" لتتكلم عن كيفية عمل
الأسواق جيدة التطوير وكيف يمكن أن تحسن أداءها. ولكن معظم الدول تعاني من
مشكلة أساسية أكبر – إن أسواقها ليست جيدة التطوير. التحدي هو إيجاد أسواق
تتمتع بالكفاءة، وليست مجرد أسواق اقتصادية، بل أسواق تكون أولا وقبل كل شيء
سياسية. والسبب في ذلك هو أن الأسواق السياسية هي أول من وضعت القواعد
الاقتصادية للعبة وطريقة تنفيذها. وإذا لم تكن لديك سياسة تؤدي بدورها إلى
تشجيع الالتزام الكفء بحقوق الملكية ولم يكن لديك نظام قضائي جيد فلن تتمكن من
التقدم قيد أنملة.
المؤسسات هي
أنظمة تحفيز، ولا شيء أكثر من ذلك. ومن المهم أن نفهم هذا، لأن المؤسسات بوصفها
أنظمة تحفيز تكافئ المنتج لكونه منتجا ومبدعا، وتعاقب النشاط غير الإنتاجي وغير
الإبداعي. ومع ذلك هناك مشكلة هامة تتعلق بالتحليل المؤسسي – لقد أصبحت
المؤسسات حديث المدينة، ولكنها عاجزة تماما عن تحقيق النتائج المطلوبة. وحقيقة
الأمر أننا نستطيع استخدام نفس المؤسسات للتعامل مع مشاكل مختلفة فتؤدي إلى
نتائج مختلفة. وفي بعض الأنظمة قد لا تكون السلوكيات قوية بما يكفي لالتزام
الناس بالأمانة والصدق، بينما قد لا تنجح أنظمة أخرى إلا في تحقيق ذلك فقط.
ولذلك، فإن المفتاح هو أن نفهم كيف تعمل القواعد الرسمية مع الأعراف غير
الرسمية وكيف تعمل آليات إنفاذ القوانين في أسواق معينة، وأن نفهم ما الذي
يجعلها تعمل بطريقة تختلف عن الطريقة التي وضعت من أجلها.
وفي التحليل
المؤسسي يجب أن ندرك أننا نرث قوانين وقواعد وأعراف ومعتقدات من الماضي وأننا
مضطرون إلى العيش معها ولا يمكننا أن نتخلص منها ببساطة. ولهذا يجب بناؤها داخل
الإصلاحات الضرورية التي لا يمكن استعارتها من الآخرين. وهنا يبرز أحد الأسباب
التي جعلت إجماع رأي واشنطون Washington Consensus لم يسفر عن أي نتائج بعد
عشرات السنين. إن النظرية التي استخدمت لوضع سياسات فيما يتعلق ببقية العالم،
أو صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، زعمت أن هناك بالفعل نموذجا كلاسيكيا
محدثا من العالم يحصل الناس فيه على معلومات صحيحة، وتوجد فيه مؤسسات. وكان
الزعم هو أن كل ما يجب عليك أن تعمله هو أن تقوم بتغيير الأشياء بصفة متزايدة
عند الهوامش، وبعدها سيصبح كل شيء على ما يرام.
إلا أننا لكي
نصمم سياسات الإصلاح المؤثرة، لا بد أن نفهم التراث الثقافي والخلفية
التاريخية. ومن المستحيل أن تحقق الاستفادة من أي اقتصاد بأن تبدأ في النظر
إليه على أنه طازج. إن خليطا من القواعد الرسمية والأعراف غير الرسمية وخصائص
الإنفاذ هو الذي يحدد المؤسسات ويشكل الأداء الاقتصادي. ورغم أنه من الممكن
تغيير القواعد بين عشية وضحاها، إلا أن الأعراف غير الرسمية لا تتغير إلا
بالتدريج. ولكي تنجح، عليك أن تفهم الهيكل الموجود لاقتصادك وتكاليف العمليات.
إذا توجهنا إلى الدول النامية وحاولنا اقتراح الإصلاحات بدون أن نفهم عقائدها
وأن نفهم الحوافز التي تنطوي عليها هذه العقائد، لن يُكتب النجاح لنوع التغيير
المؤسسي الذي نحاول إحداثه. ولكي نحقق النمو الاقتصادي، لا بد أن نعرف من أين
أتينا، وأن نستخدم المعارف المحلية في تطوير المؤسسات.
----------------------
أدلى
البروفيسور دوجلاس نورث Professor Douglass North بهذه الملاحظات في مؤتمر عن
التنمية المؤسسية تحت رعاية مركز المشروعات الدولية الخاصة ومعهد رونال كوز
Ronal Coase Institute في ساو باولو بالبرازيل في ديسمبر 2003. ويمكن الحصول
على النص الكامل والمحاضرات المسجلة من موقع سايب الإليكتروني:
www.cipe.org
|