ما نحتاجه لتحديث مصر ؟

بقلم : دكتور مهندس / أحمد الحفناوي

يطرح هذا المقال إطارا متكاملا أوليا لتحديث مصر لكي تحقق مستويات معيشة أعلى وتصبح جزء فعال فى العالم الحديث. و يشمل هذا الإطار الإجابة عن سؤالين حيوين هما:

  • لماذا تخلفنا عن ملاحقة العصر؟
  • ما يجب عمله لإزالة هذا التخلف من خلال معالجة الأسباب الجذرية (Root Causes) و ليس معالجة الظواهر و النتائج و الأعراض؟ (يفرض هذا تزمين ما يتم رصده)

و حيث أنه بشكل عام فإن تحقيق أي هدف عملى بنجاح يتطلب الأمر المرور بعملية من أربع مراحل رئيسية وهي: التقدير Assessment   والتخطيط Planning والتنفيذ  Implementation والتقييم Evaluation.  و تعتبر مرحلة التقدير هي أكثر هذه المراحل حرجا لأنها المرحلة الأولى في هذه العملية. ولقد حاولت تطبيق المرحلتين الأوليين من الإطار المذكور على حالة مصر، واعتمدت في هذه المحاولة على قراءاتي وتحليلاتي الشخصية، التي لا بد من مراجعتها والتأكد من صحتها حتى يتسنى التغلب على أي قصور فيها. وفيما يلي استعراض النقاط الرئيسية التي تم التوصل إليها بناء على هذا التقدير الأولي:

  • المجتمع المصري، كما نراه الآن، تأثر إلى حد كبير بالمراحل التي مرت بها الثقافة الإسلامية والنظم السياسية الحاكمة خلال الألف سنة الماضية. ومع انتشار المذهب الشيعي في مناطق كثيرة ومنها مصر التي حكمها الفاطميون ترسخت وظيفة رجل الدين religious clerk في المجتمع الإسلامى (و هو ما يتعارض مع كثير من النصوص الدينية سواء فى القرآن أو السنة)، والمقصود برجل الدين ذلك الشخص الذي يكسب قوته من معلوماته الدينية وليس لديه أي مصدر آخر للرزق، وليست له أي مهنة أخرى إلا مهنته الدينية. وقد أدى هذا إلى ركود علم الفقه وتوقفه عند حدود الماضي دون أن يتعامل مع التغيرات الواقعية التي يشهدها العالم.
  • واكب الركود الذي أصاب الثقافة الإسلامية تعرض المجتمع العالمي إلى حدث كبير وهو اختراع آلات الطباعة في ألمانيا سنة 1456الذي كان بحق أول اختراع بشري يؤدي إلى الإنتاج بالجملة (وهو أساس المجتمع الصناعي كما نعرفه في عصرنا هذا). وبفضل ظهور المطابع أصبح نقل المعرفة متاحا دون الحاجة إلى وجود اتصال مباشر بين من يمتلك المعرفة ومن يتلقاها.

وقد حظرت الإمبراطورية العثمانية دخول آلات الطباعة إلى العالم الإسلامي حتى لا تستخدم في طباعة نسخ محرفة من القرآن الكريم، وهو القرار الذي صدر تحت تأثير رجال الدين، الذين منعوا أيضا سفر المسلمين إلى بلاد غير المسلمين التي أسموها (دار الحرب).

وبينما كان العالم غير الإسلامي يطور وسائل الإبداع ونقل المعرفة (كالطباعة والسفر) كنا نعارض هذه الوسائل، واستمر الحال على هذا المنوال لمدة زادت عن 340 سنة إلى أن جاءت حملة نابليون على مصر سنة  1798 و أدخلت المطبعة و رحلت بها بعد ثلاث سنوات و أعاد إدخالها حاكم مصر محمد على باشا فور تولى حكمه.

  • نتيجة لما سبق نشأت فجوة حضارية عمرها حوالى 340 سنة (إزالتها لا تتطلب نفس المدة إذا تم معالجة الأسباب الجذرية)، وكلنا نعرف أن ثقافة القراءة ليست سائدة في مجتمعنا. قارن إن شئت بين النسبة المئوية لركاب يمارسون القراءة أثناء السفر على متن قطار في مصر وقطار آخر في دولة أوروبية وستجد أن نسبة القارئين في مصر أقل من 5% بينما قد تصل إلى 80% في الدولة الأوربية. وستجد أغلبية القارئين في مصر يقرؤون الجرائد بينما يشغل 95% من الركاب وقتهم في النوم أو الأكل أو الكلام. ومن المؤكد أن القراءة أهم آليات إكتساب المعلومات، خاصة وأن المطابع تطبع ملايين الكتب كل عام.
  • عندما بُني المجتمع الصناعي قام بنيانه على ثلاثة ركائز أساسية:
    • حقوق الملكية الفكرية

يجب حماية أولئك الذين يستثمرون في أنشطة غير ملموسة، وتتجلى هذه الحماية في براءات الاختراع والعلامات التجارية وغيرها من الوسائل التي ظهرت لأول مرة في مدينة البندقية في القرن الخامس عشر. ورغم أن صدور أول قانون للبراءات في بريطانيا كان في القرن السادس عشر، فإن صدوره في مصر تأخر لمدة 350 سنة تقريبا إذ لم يصدر إلا في أربعينيات القرن العشرين. و من المعلوم أن هناك حاليا حوالى سبعة ملايين براءة إختراع فى النظام الأمريكى يضاف إليها حوالى 150 ألف براءة سنويا تمثل خلاصة المعرفة البشرية بينما تمنح حوالى ستمائة براء فى مصر معظمها لشركات أجنبية لحماية حقوقها فى السوق المصرى. (مدة حماية البراءة طبقا للجات عشرون سنة).

    • تبادل المعلومات

بالرغم من أن المعرفة تتمتع بالحماية من الإستغلال التجارى لفترة فإن المعلومات يجب أن تتاح بحرية للجميع. و قد تتطورت آليات هذه الإتاحة لقرون عديدة و أفضل مثال على ذلك هو قانون حرية المعلومات (Freedom Of Information Act - FOIA) في الولايات المتحدة الأمريكية الذي صدر سنة 1964 وواكب صدوره في نفس العام صدور قرار جمهوري في مصر يقيد  عملية جمع ونشر المعلومات على الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء !!. مازال هذا القرار ساريا حتى حينه بالرغم من التحول من الإقتصاد المركزى إلى الإقتصاد الحر!

    • التوحيد القياسي:

لا يمكن أن تكون هناك تجارة فعالة في العالم الصناعي بدون توحيد قياسي والمواصفات تحقق ثلاثة أهداف أساسية وهي التوافقية compatibility  والسلامة safety و الاعتمادية reliability.

وتوجد في مصر حوالي 4000 مواصفة مصرية بالمقارنة بنحو 000 200 مواصفة دولية من مختلف المنظمات (منها المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس "الأيزو") ، وقد أصدرت الأيزو حوالي 30000 مواصفة، وربما لم يتعود معظم المصريين إلا على واحدة منها و هى الخاصة بنظم الجودة - المواصفة 9000.

و عليه فنلخص الأمر فى نقطتين:

  1. وجود فجوة حضاريه بين المجتمع المصرى و المجتمع الغربى و قد أرجعتها إلى قرارات تاريخية كان محركها وجود رجال الدين فى حضارة لا يمكن تطويرها فى وجودهم ووجودهم أدى كما أوضحنا إلى توقف الإجتهاد حيث لا يمكنهم فهم حقيقى لمعالجة الأمور الحياتية حيث لا يمارسون هذه الأمور (يكتسبون رزقهم من الدين و ليس الممارسة الحياتية) مما أدى إلى جمود الدين  ووضعه على الرف.
  2. الركائز الثلاثة للإقتصاد الصناعى غير مرسخة حتى حينه فى ثقافة المجتمع المصرى.

 

بناء على قبول الطرح السابق فنطرح أن الأعمال المقترحة لتحديث مصر تتعامل على ثلاث محاور رئيسية لمعالجة الأسباب الجذرية لوضع المجتمع المصرى:

  • رجال الدين:

هذه القضية من أكثر القضايا حساسية ويجب معالجتها بصراحة لحث رجال الدين على عدم التكسب بالدين والحصول على دخل مقابل العمل في وظائف غير دينية، وأن يتم تدريبهم للقيام بهذه الوظائف. وسيؤدي ذلك إلى إثراء معارفهم بدلا من أن يعيشوا بكل حواسهم وأفكارهم في الماضي.

  • نقل المعرفة:

يقدر عدد الذين يستطيعون قراءة المؤلفات باللغة الانجليزية بنحو 450000 شخص وهو عدد لا يمثل إلا نحو 1% فقط من البالغين. و عليه فيجب البدء فورا فى ترجمة ملايين الكتب، وهذا سيضيق الفجوة المعرفية الحالية. وقد أصبحت هذه العملية ذات جدوى اقتصادية بفضل التقدم التكنولوجي الحديث.  

  • خلق المعرفة:

يجب العمل فورا لتعديل القوانين المنظمة للعمل الجامعات و مراكز البحث العلمى لكي تشجع (بدلا من أن تمنع) هيئات العاملين في الجامعات على إنشاء شركات تكنولوجية و كذلك وضع المزايا التفضيلية للشركات الصناعية و التجارية و الخدمية على الإستثمار فى البحوث و التطوير .

  • التواصل مع غير المسلمين:

لبناء تواصل فعال مع غير المسلمين يتطلب أن نتذكر طبقا لفهمنا للإسلام نقطتين هامتين، أولا أنه لا إكراه في الدين، ومعنى ذلك حرية الدين. و هذا أفضل مثال لتقبل الأخر. ثانيا أن الجهاد و الحدود و هى من أكثر الكلمات التي يساء استعمالها والتي أحدثت حاجزا نفسيا بين المسلمين وغير المسلمين. و فيما يخص الجهاد فمن المعروف أن الجهاد له شرطين : أولهما عندما تقوم دولة غير إسلامية بمنع دولة إسلامية من دعوة مواطنيها إلى الإسلام (وهو ما لا يوجد في هذا العصر حيث لا يوجد دولة إسلامية: أنظر تعرف الدولة اليهودية هى دولة كل اليهود و حق المواطنة متاح لكل من يعتقد هذا الدين) و ثانيهما في حالة الدفاع عن النفس. و بالنسبة للحدود فهى مرتبطة بإقامة مجتمع إسلامى و هو أيضا غير قائم.

 

و بناء على ما سبق فإن إصلاح المجتمع المصرى بشكل فعال يتطلب أولا إصلاحا ثقافيا (دينيا و علميا ) و هذا مختلف جذريا عن السائد حاليا بتبنى إما الإصلاح السياسى أو الإصلاح الإقتصادى كمداخل لعملية الإصلاح. وأعتقد أن عندنا أفضل آلية (أي الإسلام) لتحديث أنفسنا ومساعدة المجتمع الدولي على الحياة في عالم أفضل إذا أحسنا فهم هذه القضايا. وآمل أن تساهم هذه المقالة في مساعدة مجتمعنا على فهم قضاياه بطريقة أفضل والسعي إلى حل الأسباب الجذرية بدلا من الاكتفاء بعلاج الأعراض السطحية. وتطوير هذا الإطار الأولى يتطلب مشاركة مجموعة من الخبراء تضم المؤرخين وعلماء الاقتصاد وخبراء تحليل الأنظمة العامة والساسة على وجه التحديد. و البديل لتبنى هذا الإصلاح الثقافى هو تبنى لثقافة أخرى شكلا و موضوعا.

 

----------

الدكتور أحمد الحفناوي مستشار المعلومات والتنمية لرئيس مجلس إدارة هيئة البريد المصرية، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.