|
هل
فشل نظام اقتصاد السوق في أمريكا اللاتينية؟
الجيل
الثاني من الإصلاح المؤسسي
بقلم
بول هولدين
بول
هولدين هو مدير معهد بحوث المؤسسات في واشنطن دي. سي. وكان يعمل بوظيفة
اقتصادي أول فى إدارة أوروبا بصندوق النقد الدولى لمدة 11 عاما. ثم التحق
سنة 1992 بالمجموعة الاستشارية لتنمية القطاع الخاص في الإدارة الفنية
لأمريكا اللاتينية بالبنك الدولي. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد
من جامعة ديوك. القى بول هولدين هذه المحاضرة موضوع المقال في مركز المشروعات
الدولية الخاصة بتاريخ 28 أكتوبر 2002
للإجابة على ما إذا كان إصلاح السوق قد فشل في أمريكا اللاتينية، يجب أولا
تحليل واختبار بعض المعلومات التى تكمن وراء هذا السؤال. فلو نظرنا إلى دخل
الفرد في دول أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي مقارنة بمثيله فى دول منظمة
التعاون الاقتصادى والتنمية OECD
خلال العشرين سنة الماضية (جدول1)، سنجد أن متوسط دخل الفرد فى تلك الدول سنة
1980 كان 18.6% من دخل الفرد في دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية
OECD،
أما الآن فقد هبط إلى 13%. وفيما بين 1980 و1990 انخفض متوسط دخل الفرد في
المنطقة بحوالي الثلث، ولعل ذلك يفسر السبب فى وصف عقد الثمانينات بأنه العقد
المفقود بالنسبة لأمريكا اللاتينية . وبالرغم من تحسن الأوضاع في العشر سنوات
الأخيرة إلا أن هناك روح من الاحباط الشديد فيما يتعلق بمعدلات النمو ونتيجة
لذلك ساد الاعتقاد بأن الإصلاحات التى تم تنفيذها خلال عقد الثمانينات وأوائل
التسعينات قد باءت بالفشل.
جدول
(1)
دخل
الفرد في دول أمريكا اللاتينية مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية
(%)
|
1980 |
1990 |
1991 |
1992 |
1993 |
1994 |
1995 |
1996 |
1997 |
1998 |
1999 |
2000 |
|
18.7 |
10.8 |
11.7 |
11.9 |
12.8 |
12.3 |
12.5 |
13.0 |
13.9 |
14.0 |
13.1 |
13.0 |
وكما
هو واضح فقد واكب عقد الثمانينات هبوط نسبي مفجع ومطلق في الدخل في كل دول
أمريكا اللاتينية تقريبا. وقد تعرضت العديد من هذه الدول إلى فترات تضخم حاد
كانت له نتائج مأساوية على مستوى الأفراد . ومن يدعي أن استبدال التضخم
بالتنمية مفيد لم ير حقاً الخراب الذي نتج عن الزيادة السريعة في الأسعار.
ومع ذلك يوضح الجدول (1) أيضا أنه كان هناك تحسن نسبي بسيط على مدار
التسعينات برغم المحاولات قصيرة المدى خاصة فى فنزويلا لرفض نظام اقتصاد
السوق ولإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، حيث كانت هناك محاولة لقلب برنامج
الإصلاح المؤقت وكانت عاقبة تلك المحاولة وخيمة.
بدأ
الجيل الأول من إصلاح السوق بثلاثة بنود هي: إصلاح الاقتصاد على المستوى
العام والإصلاح التجاري والخصخصة. وبتحليل كل بند من هذه البنود يمكن الحصول
على مزيد من الأدلة على المشكلات الناتجة عن اختلال الاقتصاد العام، مثل ما
حدث في الأرجنتين في العام الماضي حيث انخفض الدخل بما يقرب من 20 % ولا مجال
للشك في أن استقرار بيئة الاقتصاد بشكل عام ضروري وأساسي للنمو.
بدأ
الإصلاح التجاري في شيلي في السبعينات والثمانينات واستمر بدرجات متفاوتة من
النجاح والشدة في دول أخرى في المنطقة. وتعتبر أهمية الإصلاح التجاري فى
زيادة النمو مسألة مثيرة للجدل أكثر من مسألة استقرار بيئة الاقتصاد العام،
ولكني أختلف مع الادعاءات التي تقول أن الإصلاح التجاري ليست له أهمية تذكر.
فعلى سبيل المثال قررت البرازيل فى منتصف الثمانينات ولأسباب استراتيجية أن
الاعتماد على الموردين الأجانب لأجهزة تكنولوجيا المعلومات يعتبر فكرة سيئة.
وأعلنت ضرورة قيام صناعة محلية لهذه المنتجات وحظر استيراد أجهزة الحاسب
الآلي أو الطابعات أو أي أجهزة أخرى دون تراخيص خاصة، وكان من العسير الحصول
على تلك التراخيص. ورغم ذلك فإننى عندما زرت مدير السياسات المعلوماتية في
1990 تقريبا كان مكتبه مجهزا بطابعات وأجهزة حاسب طراز هيوليت باكارد ولم يكن
من بينها أى من المنتجات الرديئة التي كانت تنتج محليا. وهذا مثال صارخ على
خطورة ربط الاقتصاد بسياسات مثل إحلال الاستيراد والاستهداف الصناعي لما لها
من تأثير سلبى على عنصر الكفاءة.
ومن
سوء الحظ أن الإصلاح التجاري الذي تم ادخاله لم يكن كله إيجابيا، فعلى سبيل
المثال كانت اقتصاديات الجزء الجنوبي من القارة تخضع لسيطرة مجموعة ميركوسور
Mercosur
وهي كتلة تجارية كانت في رأيى تقوم بتحويلات تجارية أكثر من قيامها بفتح
مجالات تجارية جديدة. وعندما تنشأ تكتلات تجارية بين دول قليلة الإنتاج يتم
دفع عمليات الشراء والتصنيع الى مصادر منخفضة التكلفة داخل المجموعة
التجارية، إلا أن وجود موردين أكثر كفاءة خارج الكتلة التجارية يجعل الفائدة
الحقيقية لوجود مثل تلك المنطقة التجارية محدودة للغاية.
أما
عن الخصخصة فكانت هناك إصلاحات عميقة وواسعة الانتشار، فالأرجنتين على سبيل
المثال خصخصت جزءاً كبيراً جداً من اقتصادها أثناء فترة ارتفاع معدلات التضخم
وأرسلت إشارة واضحة إلى المستثمرين الدوليين وإلى الشعب مفادها أن الحكومة
تأخذ عملية الإصلاح مأخذ الجد. ولكنها لم تحقق النجاح المتوقع، ويرجع ذلك ولو
جزئيا إلى سوء النصائح المقدمة من المؤسسات الدولية التى ركزت على الخصخصة
كمصدر لزيادة الدخل بدلا من أن تكون أداة لتعظيم القدرة التنافسية والكفاءة
الاقتصادية. وتشير الدراسات التى أجريت على عملية الخصخصة أن كفاءة المؤسسات
المملوكة للدولة تزداد عندما تجد نفسها مهددة لأول مرة بالخصخصة. ولذا يمكن
القول أنه لايهم ما إذا كانت هناك بعض المؤسسات مملوكة للدولة طالما كانت
قادرة على التنافس، وكانت تعمل فى أسواق تنافسية، وكان التهديد بالخصخصة
مايزال قائما.
وفي
معظم دول أمريكا اللاتينية بدأت عملية الخصخصة بهدف تعظيم الدخل، وكانت طريقة
لسد العجز فى الميزانية الذى كان عجزا حادا في بعض الحالات. لكن ذلك كان على
حساب المنافسة. وكان هناك تطور ملحوظ فى الخدمات ولكنه كان مصحوبا بانخفاض
الكفاءة بالمقارنة بما كان من الممكن تحقيقه. وعليه يكون الدرس المستفاد هو
ألا نهتم كثيرا بالعائد من قيمة الخصخصة، ولكن أن نهتم بكيفية عمل هذه
الأسواق.
والحقيقة أن الفشل الملحوظ فى إصلاحات السوق لم يكن راجعا إلى عملية الإصلاح
ذاتها، بل كان السبب هو أن الأسواق كانت آنذاك تتحسن دون أن تتطور، وكل من
يزور أى دولة من الدول النامية سيجد أن أسواقها غير ثابتة. وفي أمريكا
اللاتينية مثلا ترى أسواقا كبيرة فى شوارع مكتظة بالباعة الذين يبيعون مختلف
أنواع البضائع وهي الأسواق التى تعرف باسم: أسواق البضاعة الحاضرة وتعمل وفق
عقود بضاعة حاضرة بين المشترين والبائعين، حيث يدفع المشترى ثمن ما يشتريه
نقدا. وعندما زرت بيرو لأول مرة اندهشت من تنوع البضائع المطروحة في الشوارع
ابتداء من الأجهزة الكهربائية حتى المواسير البلاستيكية، وكنت أعتقد أن هذه
الأسواق غير الرسمية كانت تحت سيطرة باعة الخضروات والمنتجات الحرفية، ولكن
الوضع لم يكن كذلك على الإطلاق.
ومع
تطور الاقتصاد، يجب أن تتطور الأسواق بصورة أشمل وأن تظهر أنواع مختلفة من
العقود لتحقيق الانتقال من أسواق البضاعة الحاضرة والدفع نقدا إلى الأسواق
التي تزيد الاستثمار والطاقة الإنتاجية، وهذا يستلزم القدرة على مخاطبة أسواق
المال لتقديم الاستثمارات اللازمة، وزيادة التيقن من تنفيذ المشترين
والبائعين لتعهداتهم التعاقدية. وما تزال معظم أجزاء أمريكا اللاتينية حيث
تتسم الاسواق بالمدى القصير بحاجة إلى هذا النوع من الأسواق المتطورة.
ونتيجة لذلك تفشل معظم محاولات دول امريكا اللاتينية فى جذب الاستثمارات
الاجنبية.
جدول
(2)
نمو
الاستثمار الأجنبي المباشر (نسبة مئوية من إجمالى الناتج المحلى)
|
|
1980 |
1990 |
1991 |
1992 |
1993 |
1994 |
1995 |
1996 |
1997 |
1998 |
1999 |
2000 |
|
بوليفيا |
3.29 |
0.69 |
1.01 |
1.73 |
2.20 |
2.21 |
5.90 |
6.46 |
9.28 |
11.40 |
12.33 |
8.88 |
|
أمريكا اللاتينية والكاريبي |
0.98 |
0.87 |
1.25 |
1.34 |
1.21 |
2.09 |
2.10 |
2.76 |
3.79 |
4.26 |
5.83 |
4.52 |
|
منخفضة الدخل |
0.41 |
0.48 |
0.63 |
0.82 |
1.02 |
0.99 |
1.43 |
1.91 |
188 |
2.01 |
1.91 |
1.61 |
|
مرتفعة الدخل:OECD |
1.44 |
3.01 |
2.21 |
1.95 |
2.09 |
2.19 |
2.57 |
2.75 |
3.41 |
5.92 |
7.32 |
9.68 |
المصدر: قاعدة بينات مؤشرات التنمية العالمية
يوضح
الجدول (2) أن دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية مرتفعة الدخل تتمتع
باستثمارات أجنبية مباشرة تبلغ حوالى 10% من إجمالى الناتج المحلى سنة 2000
مقارنة مع متوسط أمريكا اللاتينية والذى يقل عن 5%. أما بوليفيا فتمثل حالة
استثنائية بسبب كميات الغاز الكبيرة التى يتم استغلالها هناك.
وتبقى
أمريكا اللاتينية مكانا يصعب فيه ابرام عقود غير شخصية طويلة الأمد، وهذا هو
أحد أسباب استمرار تركز الثروة بشكل ملحوظ فى المنطقة، وهو أيضا أحد أسباب
انخفاض كفاءة الاستثمار عما يجب أن تكون عليه. إن واحدة من أهم نقاط القوة
في الولايات المتحدة الأمريكية أن العقود غير الشخصية منتشرة وقابلة للتطبيق
وشروطها ملزمة. أما فى أمريكا اللاتينية تعتبر العقود غير الشخصية نادرة
نسبيا، لأن الأفراد يتعاملون مع بعضهم على المستوى الشخصي مما يضر بالأسواق
طويلة الأمد التى تتطلب إنفاذ القوانين بصورة عادلة وموضوعية.
وقد
أذهلتنى أهمية هذه العلاقات الشخصية وضعف سيادة القانون في بداية التسعينات
عندما كنت أبحث فى مجال القطاع الخاص فى البرازيل، وعلمت كيف يأخذ القضاة
الرشاوى، وأنك تملكهم بمجرد أن ترشيهم. وفى بيرو قالوا أن القضاة يرتشون ولكن
المشكلة هي أن أحدا آخر قد يأتى ويدفع لهم أكثر مما تدفعه لهم، فيضيع عقدك
الضمنى معهم أدراج الرياح. هذا يعنى أن الأنظمة القانونية الموجودة لا يمكنها
أن تقضى فى النزاعات المطروحة أمامها بكفاءة. وقد ذكرت بعض المؤسسات العالمية
أن هناك حاجة إلى المزيد من التدريب للقضاة. وكلما طافت بمخيلتى فكرة نقل
القضاة إلى ميامى لحضور دورة تشرح لهم سوء عاقبة الرشوة شعرت بمدى سخافة هذه
الفكرة، وأنه لابد أن تكون هناك طريقة أفضل لحل هذه المشكلة.
أما
ثاني أغرب ظاهرة في المنطقة فهى ظاهرة ضعف تعريف وحماية حقوق الملكية. وقد
لاتجد دولة واحدة في أمريكا اللاتينية تطبق نظاما للرهن لمدة 30 سنة لأن
الفترة المثالية للرهن هناك هى 5 سنوات وبنسبة 15%. وهذا يعني أنه من الصعب
على غير ميسورى الحال اقتناء ممتلكات خاصة. وفي مدن كثيرة في أمريكا
اللاتينية يعيش الناس فى مناطق يتعذر أن تكون لها عناوين صحيحة. كما أن تعريف
الملكية المنقولة يعتبر أكثر ضعفاً، مما يجعل عملية تنمية سوق المال عملية
مستحيلة بما تترتب عليه من عواقب وخيمة. وهذا سبب آخر لتركيز الثروة، لأن
تمويل الكثير من الشركات والكثير من الاستثمارات لا بد أن يكون من الداخل.
وبالتالى يكون من الصعب أن تنشأ الشركات الجديدة وأن تنمو إلا إذا أتت
الإدارة من عائلات راسخة فى هذا المجال.
لم
تفشل إصلاحات السوق، ولكن لم تتطور الأسواق بصورة صحيحة، ولم يتم تحقيق
الكثير من المرونة الضرورية للأداء الصحيح للأسواق. وهذه مشكلة وبخاصة في سوق
العمل. إن معظم دول المنطقة لم تطبق الإصلاحات اللازمة لسوق العمل، حتى أنك
تجد صعوبة كبيرة فى تسريح العاملين فى شركة ما. وكلنا نعلم أنه كلما كان من
الصعب تسريح العمال، كلما رفض أصحاب العمل تشغيل عمال جدد. وهذا بدوره يشوه
طريقة حدوث الاستثمار بمعنى أن الاستثمارات تكون كبيرة لكن العمالة المستخدمة
تكون أقل من المعدلات الطبيعية.
وقد
أجرى معهد بحوث المؤسسات الذى أشرف بإدارته بعض الأبحاث عن تنمية الشركات في
الولايات المتحدة الأمريكية، وبخاصة المؤسسات الصغيرة، ووجد أن أكثر معدلات
النمو كانت في أواخر القرن التاسع عشر، أى عند بداية ظهور الشركات ذات
المسئولية المحدودة. ولو أردت أن تنشئ مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية
ستجد أن التكلفة من حيث المال والوقت لا تكاد تذكر. ولكن تسجيل شركة في
أمريكا اللاتينية يتكلف مبالغ مذهلة كنسبة من نصيب الفرد من إجمالى الناتج
المحلى (جدول 3).
جدول
(3)
تكلفة
تسجيل الشركات في أمريكا اللاتينية
تكلفة
تسجيل الشركات هى التكلفة المباشرة إضافة إلى تكلفة الوقت محسوبة بالنسبة
المئوية لنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي

والنتيجة أن القطاع غير الرسمي في عام 1998 كان يستوعب حوالي 60% من إجمالي
العمالة (جدول 4). وهذا يعني أن قطاعاً كبيراً جداً من العاملين يعتبرون خارج
إطار التعاقد القياسي. وإذا كانت القدرة على الدخول في عقود طويلة الأمد
تعتبر أحد أحجار الأساس في اقتصاد السوق، فإن نسبة كبيرة من القوى العاملة
وخاصة صغار منظمى المشروعات الصغيرة يفتقرون إلى هذه القدرة. كما أن أنواع
المؤسسات الصغيرة التي تراها في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل عقود
الامتياز ليست موجودة في معظم أنحاء العالم، مما يعني أنه لا يكفى أن يعتمد
العمال أو الملاك على ما يتمتعون به من سمعة فى السوق. ومعنى ذلك أنه يجب
عليك أن تظل تبحث حتى تجد من يقوم باصلاح سيارتك، وفى اقتصاد مثل هذا تكون
تكلفة البحث والصفقات تكلفة باهظة.
جدول
(4)
العمالة غير الرسمية كنسبة مئوية من إجمالى العمالة غير الزراعية
فى
أمريكا اللاتينية

المصدر: منظمة العمل الدولية
أن
مفهوم تعبير "غير الرسمية" مفهوم يعبر عن أنك خارج مؤسسات السوق، كما يعني
أيضاً أن الفوائد من وجودك فى السوق تكون محدودة. وحتى المؤسسات الرسمية لا
تجد تمويلاً، ولا يمكنها حقاً اللجوء إلى المحاكم لأنها باهظة التكاليف
وشديدة البطء، وتواجه ضعفاً في البنية الأساسية ولا تزودها الحكومة بالمزايا
أو الخدمات الضرورية. تقابلت في كولومبيا مع رجل أعمال صغير وناجح قال لى
"لم آخذ شيئاً من الدولة ولم أعطها شيئاً". وهذا سلوك شائع جداً. فالعقد بين
المواطنين والدولة ضعيف جداً لأن الدولة لا توفر قدراً كافياً من الاحتياجات
العامة من القانون والنظام وحقوق الملكية. وكذلك لاتوفر الدولة نظام قانوني
يكون أساسا لنوع التعاقدات التى ذكرتها من قبل.
وهناك
مشكلة أخرى قديمة ترتبط بعدم استقرار الاقتصاد العام الذى جعل الكثيرين من
أبناء أمريكا اللاتينية يحتفظون بجزء كبير من أصولهم خارج بلادهم. وكنتيجة
لذلك ظهر عجز كبير في معدل القروض التى يحصل عليها القطاع الخاص بالنسبة
لإجمالى الناتج المحلى. ويبين الجدول (5) أن الأسواق المالية لا تمول
الاستثمارات أو نمو الشركات، بل تقدم مجرد قروض من النظام المصرفى، ولو أضفت
إليها الوسطاء الماليين غير المصرفيين لأصبحت الفجوة أكثر اتساعا لأن دول
أمريكا اللاتينية تخضع للبنوك التجارية في أنظمتها المالية. تأتى كل القروض
بصفة أساسية من البنوك التجارية، وهناك عدد قليل جدا من الوسطاء الماليين غير
المصرفيين. بالإضافة إلى ذلك، يوجد تفاوت كبير بين معدلات فائدة الإقراض
والاقتراض. ففى بيرو تحصل الشركات الصغيرة على القروض مقابل فائدة تصل إلى
32% أو 33%. أى أن معدل العائد الداخلى لابد أن يكون ضخما لكى يبرر هذا
الارتفاع الشديد فى أسعار الفائدة. وهكذا فإن الكثير من الاستثمارات التي
تكون مربحة في الولايات المتحدة الأمريكية ستجد طريقها إلى الضياع في أمريكا
اللاتينية.
وأضيف
هنا إن الأسواق المالية لا تعمل، ويرجع ذلك جزئيا إلى غياب الممارسة الكافية
لقواعد حوكمة الشركات، وهو وضع مناسب لانتشار الفساد وضياع سيادة القانون.
وفي البرازيل، قال لنا مالك أحد المصانع أن هناك اختلاف بين نصوص قانون
الولاية ونصوص القانون الفيدرالى فيما يتعلق بتحديد الارتفاع الذي يجب
الالتزام به عند تعليق طفايات الحريق. ولكى يتم الالتزام بالقانونين لابد من
تعليق مجموعتين من طفايات الحريق، على أن تكون إحدى المجموعتين أعلى من
الأخرى. وبدلا من ذلك وضع خطافين على الحائط واحداً عند الارتفاع الذي يحدده
قانون الولاية والآخر عند الارتفاع الذى يحدده القانون الفيدرالي. وعندما يصل
أحد المفتشين إلى باب المصنع يجب أن يتعرف القائمين على استقباله بالجهة التى
يمثلها لكى يعلق الطفاية عند الارتفاع الصحيح حسب القانون الذى تنص عليه تلك
الجهة. ولكن المفتشين اكتشفوا ذلك فى النهاية، بعد أن تآمر عليه أثنين من
المفتشين من الجهتين وقاما بزيارة المصنع معا فى وقت واحد فاضطر إلى تقديم
رشوة لكل منهما.
وهذا
مثال واحد على عشرات الآلاف من نصوص القوانين واللوائح الموجودة في المنطقة
والتي تكبل أيدى أصحاب الشركات، وكأنها تتآمر ضد المشروعات وتتآمر ضد السوق.
ومع وجود هذه اللوائح والقوانين، توجد فرص للفساد. ولذلك لا أعتقد أن إصلاح
السوق قد فشل فى أمريكا اللاتينية، ولكننى أعتقد أن أمريكا اللاتينية لم تؤسس
الظروف المناسبة لقيام أسواق تتمتع بالكفاءة التى تؤهلها للقيام بوظيفتها على
المدى الطويل.
جدول
5
القروض المقدمة إلى القطاع الخاص فى أمريكا اللاتينية
 |