مكافحة الفساد فى نيكاراجوا
مشكلة الديموقراطيون الفاسدون
بقلم : إنريك بولانوس جيير - رئيس جمهورية
نيكاراجوا
هذا
المقال مأخوذ عن الخطبة التى ألقاها الرئيس بولانوس يوم 25 فبراير 2003 فى
وزارة الخارجية الأمريكية، حيث تم منحه ميدالية خدمة الديموقراطية من قبل
الوقفية الوطنية للديموقراطية. وقبل أن يصبح نائبا
للرئيس ورئيسا لنيكاراجوا، رأس إنريك بولانوس المجلس الأعلى للمشروعات الخاصة
(COSEP)
وهى
منظمة ينضوى تحتها القطاع الخاص فى نيكاراجوا كما عملت فى مشروعات كثيرة
مشتركة مع مركز المشروعات الدولية الخاصة. لقد كان لتلك المؤسسة
COSEP
دور كبير فى الترويج لمبادئ الحرية والديموقراطية
والملكية الفردية وحماية الممتلكات الخاصة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية
والاقتصادية بما شكل فى حينه تحديا بالغا للنظم الديكتاتورية والماركسية.
يمثل
الديمقراطيون الفاسدون أعدى أعداء الديمقراطية. ومنذ نهاية الحرب الباردة،
ومع أول إنتخابات حرة فى نيكاراجوا مستهلة العملية الديموقراطية منذ ثلاث عشر
عاما مضت، إنتشرت الديموقراطية فى شكل حكومة إلى عدة أماكن على سطح الأرض
بصورة غير مسبوقة. ومع ذلك، ظل الوعد بالرخاء فى الكثير من هذه
الديموقراطيات المستحدثة أو المستردة والمصاحب عادة للشكل الحكومى
للديموقراطية بدون تحقيق. وخلال هذا القصور، فإن بعض القلة يتحملون
مسئولية فساد الديموقراطيين!
إن
الديموقراطيين
الفاسدين هم سياسيون متصلون بالأحزاب الديموقراطية التى تم إنتخابها بصورة
صحيحة أو تم تعيينهم فى مناصب فى الإدارة الديموقراطية، والذين بعد ذلك
تحولوا الى سارقين للفقراء وناهبين لأموال الشعب. ولاشىء ينتقص بسرعة من قدر
الديموقراطية فى شكل حكومة فى عيون المحكومين مثل رؤية مسئولى الحكومة وهم
يسرقون الفقراء بدون مسائلة
لحصانتهم.
لذلك ففى الديموقراطيات الجديدة أو المستردة الواحدة تلو الأخرى، فإن
الإنتخابات الحرة التى أعقبتها إنتخابات حرة أخرى قد جلبت بكل أسف قدرا
متواضعا من التحسن فى أوضاع العامة من الشعب. وغالبا ما يكون السبب الأول
لهذه الحالة هو أن قادة الديموقراطية إما متورطون فى الفسادة بـأنفسهم أو
يسمحون بوجوده، لأنهم بالفعل يخشون دفع التكلفة السياسية للتصدى لهذا الوبال
الذى لانهاية له .
حقا، إنه من
الصعب هزيمة الفساد. وفى الدول التى تتيح ثقافتها الإفلات من المسئولية
بطريق الحصانة، هناك مخاطر كبيرة تعترض أى قائد يجرؤ على قول كلمة : كفى
! إن للفساد بؤرة من المستفيدين
الأقوياء. ولايبالى هؤلاء المستفيدون بالديموقراطية ولايتعاطفون مع مواطنيهم
الذين يعيشون تحت حد الكفاف. وبذلك فأنهم يساهمون، عن طريق طمعهم وتعجرفهم،
فى فقدان الأمة لإيمانها بالديموقراطية. بالإضافة إلى أن هؤلاء الأعداء
الأقوياء للديموقراطية يزدهرون تحت مظلة ثقافة الحصانة، مثل التى عانت منها
نيكاراجوا لزمن طويل .
عندما أصبحت
رئيسا للجمهورية، منذ أكثر قليلا من السنة، أدركت أنه لكى تتقدم نيكاراجوا
إلى القرن الواحد والعشرون، وإذا أريد للديموقراطية أن تثبت جذورها، فإن دور
القانون لابد له أن يصبح راسخا .
وبعد أن أنتخبت
مباشرة، نصحنى البعض بألا أتبع أسلوب الشفافية خلال السنة الأولى من الحكم.
لقد حذرونى من أنه بالرغم من كونى حاصل على 54 % من الأصوات الإنتخابية (
وعلى أكثر من 93 % من أصوات الناخبين المسجلة الذين توجهوا للإنتخاب فى
نيكاراجوا خلال هذا الإقتراع ) إلا أن رئاستى
كانت
ضعيفة فى الجمعية
العامة، حيث قد نتمتع بتأييد حوالى تسعة أعضاء فقط من الإثنين وتسعون عضوا .
ولقد طالبنى
الكثيرون بالحرص، وبأننا " يجب أن ندخر قوتنا للمستقبل "، ولقد حزرونا أن
مؤسساتنا مازالت غير متينة "ولاتقوى على المهمة". ولقد أكتشفت فيما بعد،
ولشدة حزنى، أن الرئيس السابق ومنافسى فى 1996 كان متورطا بصورة عميقة وشاملة
فى أعمال فساد شائنة. ولكننى لم أفعل، فلا يمكن أن أرجع عن وعدى خلال الحملة
الإنتخابية ، كما أننى لا يمكن جوهريا أن أتخلى عن القيمة العميقة التى طالما
تمسكت بها،
ألا وهى "
لايوجد فرد فوق القانون ، سواء أكان وقتها الرئيس أليمان، أو نائب الرئيس
ريزو، أو الرئيس السابق أورتيجا، أو أنا شخصيا، أو أى شخص آخر ". لقد حاولت
من أجل الأمل أن أبدأ فى إضاءة
نور فى آخر النفق، لينير خلاله الطريق لليائسين بسبب الجوع والمرض
المستحكمين.
لذلك فأنا أود أن
اخبركم اليوم عن بعض الدروس التى تعلمتها. إن هناك وقت واحد مناسب لرئيس أمة
ديموقراطية لمكافحة الفساد، ألا وهو : دائما ! لقد إعتزمت بدءا من
خطبة تولى الحكم أن أضع إيمانى فى الله وفى شعب نيكاراجوا. أجل، كنا على
يقين، بأنه عكس كل التوقعات سوف نفوز فى هذه المعركة لنبدأ فى وضع حد لثقافة
الحصانة المتأصلة جيدا فى نيكاراجوا. وبعد مضى أربعة عشر شهرا، فإنه
بالإمكان القول أن إيماننا قد تحقق. حقا، أنا لا أقول أن مأزق فساد الحكومة
قد تم الخروج منه فى نيكاراجوا، ليس بعد. أنها مازالت حرب مستمرة. ومازال
لدينا قدر هائل من العمل يجب إنجازه، لدينا معارك قادمة علينا الدخول فيها،
وعلى سبيل المثال، فى الإبتعاد بالسياسات الحزبية عن الأحكام الصادرة من
المحكمة العليا، وجماعة الإنتخاب (هيئة من خمسة أعضاء دائمين فى نيكاراجوا)،
والمحاسب العام (هيئة أخرى من خمسة أعضاء) والجمعية نفسها والتى يتم فيها
إنتخاب أعضاء المجلس بالإقتراع الحزبى وليس بالإنتخاب وجها لوجه .
وعموما، يمكن
القول : أننا قد كسرنا ثقافة الحصانة فى نيكاراجوا. لقد أوضحنا لشعبنا أن
دور القانون فى الديموقراطية ينطبق بالتساوى على الغنى القوى مثلما ينطبق على
الفقير المعدم. لقد أوضحنا أنه بالرغم من قوة المركز الذى تكون فيه - وحتى
أعلى منصب فى البلاد، إذا سرقت من الشعب فسوف تواجه العدالة. إن مجلة
الإيكونومست فى عدد الأسبوع الماضى، فى معرض حديثها عن الفساد فى أمريكا
الوسطى كتبت : " تحاول بعض الحكومات أن ترد على ذلك. فقد قامت نيكاراجوا
بإتهام رئيسها السابق آرنولدو آلمان، وبعض المحيطين به، بالفساد. وقد كان
لذلك ثمنا، فمؤيدو السيد آلمان فى الجمعية العامة قد قاموا بتعطيل بعض
الإصلاحات التى تقدمت بها الحكومة على سبيل العداء ".
إننى لن أدعي أن
السنة الأولى من الحكم كانت سهلة. لقد شاركت بعض الأوقات العصيبة الخاصة مع
زوجتى ليلى ت. وبعض المساعدين المقربين. كما فقدت بعضا من أصدقائى، حتى
أننى فقدت حزبى أيضا وهو الآن فى المعارضة. إن الطريق القويم صعب، ولكن لابد
من السير فيه. ولهذا السبب، فإنة مما يدعو الى الفخر أن أحصل على، وبالنيابة
عن شعب نيكاراجوا الذى أيدنى خلال هذا الصراع المرير، ميدالية خدمة
الديموقراطية والمقدمة لى من الوقف الأهلى للديموقراطية. إن الشرف الذى
أسبغتموه على شخصى يضاعف العهد الذى قطعناه على أنفسنا خلال الحملة
الإنتخابية ، " بأننا سنقوم بخدمة شعبنا، وليس بأن نستغل شعبنا لخدمتنا "
لقد قلت سابقا
أننا قد إستفدنا بعض الدروس. وفيما يلى عينة منها :
1.
لكى
يرسخ دور القانون، يجب على المرء أن يعمل خلال القانون. لقد كان ميكيافللى
مخطئا عندما قال أن الغاية تبرر الوسيلة. إنك لاتستطيع أن تخرق القانون أو
أن تتجاهل مبادئ الدستور من أجل أن تنتصر على قوى الفساد. إنك لايصح أن ترشو
عضوا نيابيا أو أن تشترى صوته او صوتها من أجل أن تنجح فى إتهام مسئول فاسد،
لأن ذلك قد يجعلك ملطخا بالفساد أيضا .
إن التصويت على
الإتهام الذى جرى يوم 10 ديسمبر قد تم تدبيره باللجوء الى ضمير رجل شريف
والذى ظن " أنه عليه القيام بالعمل السليم ". لقد أصبح الصوت رقم 47، هو
الرقم السحرى الذى رجح كفة الإتهام .
2. الدرس الثانى
الذى سأشارككم فيه هو : لاتحاول أن تحارب هذه المعركة الكبرى بمفردك. لكى
تكسب هذه المعركة، على الحكومة المنتخبة ديموقراطيا أن ترتبط بالمجتمع المدنى
وبالحكومات التى لها نفس التفكير المماثل .
إن دعم المجتمع
المدنى فى نيكاراجوا كان له أثرا خطيرا فى نجاحنا. لقد عملت الحكومة مع
مجالس محلية نشطة ونابضة بالحركة مثل "القسم المحلى للشفافية الدولية"
وآخرين، بغرض تجميع الدعم الشعبى خلف الحملة ضد الفساد. كما أنها إعتمدت
أيضا التحليل والنصح المقدم من مجلس التخطيط الإجتماعى والإقتصادى القومى،
وهو جهة إستشارية تأسست بقرار دستوري .
كما أن هناك
عنصرا رئيسيا آخرا فى كفاحنا المستمر وهو الأخلاق، وأحيانا، الدعم الإقتصادى
الذى يصل "بالتنقيط" وليس "بالإغراق" من الأمم الديموقراطية الأخرى : تايوان،
اليابان، الإتحاد الأوروبى، النرويج، كندا، سويسرا، والولايات المتحدة.
دعونا نتوقف قليلا لنقول كلمة شكر للدعم المعنوى من الولايات المتحدة خلال
هذه المحنة. حقا يقف هنا اليوم رجال ونساء فى هذه الغرفة، ومسئولون من وزارة
الخارجية، ومجلس الأمن القومى، ووزارة الخزانة و ال
HUD ، ومن
أعضاء الكونجرس الأمريكى الذين قدموا ويقدمون لحكومتنا الدعم المعنوى الذى
ليس له حدود. إن هناك رجالا ونساءا من الذين أدركوا حجم صراعنا، واعتبروها
معركة أمريكا كلها كما جعلوها معركة الديموقراطية .
بالرغم من ذلك،
إن عيون القارة، وقد أزيد قولا، بل عيون العالم كله مازالت على هذا الصراع
الذى لم ينتهى بعد. إذا فشلنا، فإن الشفافية فى العالم بأسره سوف تنتكس،
وسيظن قادة المستقبل عند تمعنهم فى هذا الهدف بأنه ليس له قيمة. إن هناك
أخطارا عدة ، وشكوكا كثيرة، وتردد كبير، إنه درب منعزل. فإذا كان القول
صحيحا أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنه أيضا صحيحا أن الإنسان لايعيش
بدون الخبز. إننا على يقين أن الديموقراطية سوف تجد سبيلا لحماية
الديموقراطية، ولكن قد ينفذ الوقت.
إن ما سنفعله لكى
نستبدل ثقافة الوساطة بثقافة الشفافية والخدمة، سوف يؤتى ثماره فى المدى
المتوسط بحيث يسمح للنمو الإقتصادى أن يحدث وذلك بالتأكيد للمستثمرين على
أنهم سيجدون مناخا إستثماريا فى نيكاراجوا عندما يخاطرون بالذهاب إليها.
وعموما، فإن نتائج الفساد فى الثمانينيات، ونتائج الفساد الأحدث , وكذلك
مطالب أصدقائنا فى الولايات المتحدة فيما يتعلق بموضوعات الملكية المعلقة، قد
إجتمعت لكى تخلق دينا داخليا خانقا من شأنه أن يهدد بإطفاء الضوء الموجود فى
آخر النفق .
دعونا نعمل سويا
لنتأكد من عدم حدوث ذلك.
ليحفظ الله
الولايات المتحدة الأمريكية ،
ليحفظ الله كل
فرد فيكم،
وليحفظ الله
نيكاراجوا . |