مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة

مسئولية مشتركة تقوم على الوقاية والشفافية

بقلم ديفيد م. لونا

مدير إدارة مكافحة الفساد و حوكمة الشركات

بوزارة الخارجية الأمريكية

تستند هذه الورقة إلى محاضرة ألقاها ديفيد لونا فى مؤتمر عقده المعهد الدولى للأخلاقيات العامة (IIPE) فى مدينة بريسبين الاسترالية فى 4 أكتوبر 2002 بالاشتراك مع الجمعية الاسترالية للأخلاقيات المهنية والتطبيقية (AAPAE) وجامعة جريفيث والحكومة الاسترالية.

تشارك الولايات المتحدة بفاعلية مع غيرها من الشركاء فى الأنشطة الدبلوماسية المبذولة لمكافحة الفساد.  ويمكننا معا أن نتصدى للفساد بالتركيز على أربعة مجالات استراتيجية أعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنها وهى (1) المشاركة فى تحمل المسئولية؛ (2) الإرادة الشعبية والالتزام السياسى؛ (3) الوقاية والشفافية وأنفاذ القوانين؛ (4) تعزيز روح المبادرة الفردية والمشاركة بين القطاعين العام والخاص.

المشاركة فى تحمل المسئولية

إن مجهوداتنا الدبلوماسية الحالية مع الالتزام بالشفافية ونفاذ القوانين بصورة فعالة وتكوين شراكات قوية بين القطاعين العام والخاص هى التى تصنع الفرق فى التحديات التى تواجه الكثير من الدول بإيجاد مناخ ملائم للنزاهة والمساءلة، وتعزيز الانفتاح الاقتصادى وفرص النمو، وتدعيم الحريات الشخصية، واحترام سيادة القانون.  لقد أصبحنا الآن أكثر فهما لطبيعة الفساد الذى يدمر المجتمعات، ويرجع الفضل فى ذلك إلى حد كبير إلى المجهودات التى يبذلها معهد  البنك الدولى ومنظمة الشفافية الدولية و كى سنتر Key Centre والصحفيون المهتمون بالأمر وغيرهم من المراقبين والمحاربين ضد الفساد.

الفساد هو عملية سرقة لثروات الأمة. إنه يسرق من المواطنين قدراتهم الكامنة كما يسرق منهم طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل وتعليم أحسن ورعاية صحية أشمل وقدرة أكبر على الحصول على المساكن والطعام والمياه وغيرها من ضروريات الحياة. كما يؤدى الفساد إلى إهدار سيادة القانون وزعزعة المؤسسات القائمة على اقتصاد السوق التى تعتبر أساس الديموقراطية، وإلى انتشار الجريمة الدولية وتهديد الأمن العام للجميع.

يؤدى انتشار التصرفات الفاسدة والغير أمينة و اللا أخلاقية بين الموظفين العموميين إلى انخفاض ثقة الناس فى قدرة الحكومة على القيام بعمل "جيد" وتحقيق المصلحة العامة. وقد يكون من السهل الوصول إلى فهم متزايد لأسباب الفساد وتداعياته، إلا أنه من المؤكد أن إحراز التقدم فى مكافحته يعد أمرا أكثر صعوبة.

وبكل صراحة، بينت فضائح الشركات الأمريكية المتزايدة أنه لا توجد دولة خالية من الفساد. ولذلك فإن التعاون فى مكافحة الفساد يتطلب أن تتحمل كل دولة مسئوليتها مع جميع الدول الأخرى والحكومات ومنظمات المجتمع المدنى، وأن تتحمل الدول المتقدمة مسئوليتها عن ضمان الالتزام المستمر بزرع بذور ثقافة تقوم على الأخلاق والقيم وجنى ثمار التنمية.

الإرادة الشعبية والالتزام السياسى

عندما تقوم الإرادة الشعبية بصياغة الإرادة السياسية والتحكم فيها، يتمتع الجميع بالحرية والرخاء. وتؤدى مشاركة المواطنين بطريقة شاملة فى الحوكمة مثلا مع وجود وسائل إعلام مستقلة إلى عمليات مراجعة قوية وتوازنات حرجة لجعل عملية المساءلة الحكومية عملية مؤسسية. أما إذا لم تكن الإرادة السياسية فوق مستوى الشبهات فإن الفساد يطفئ نور الديموقراطية ويقضى على روح المبادرة الفردية للقيام بمشروعات خلاقة، ويحول دون جلب رأس المال المطلوب، ويحبط المقومات الأساسية لتحقيق مستوى من الكفاية الذاتية اللازمة للنمو على المدى الطويل. وتتضح هذه الصورة على وجه الخصوص فى كثير من البلدان فى مختلف أنحاء العالم، حيث تزداد أعداد الشعوب التى تطالب حكوماتها بتحطيم دائرة الفساد وإدخال إصلاحات حقيقية وتطبيق مبدأ المساءلة وصولا إلى حياة أفضل للجميع. لقد بدأ صبر الشعوب ينفد أمام الفساد الذى استشرى فى كل مكان ابتداء من تعرض المواطن العادى لمضايقات الشرطة فى الشارع من اجل دفع الرشوة المطلوبة، أو دفع مبالغ أكثر من اللازم للحصول على الخدمات الأساسية، وابتداء من الأزمة المالية العالمية إلى فضائح الشركات، ومن الأنظمة الأوتوقراطية المستبدة إلى الدول التى باتت سريعة الانهيار.

ونتيجة لذلك، تعترف دول كثيرة وبصفة متزايدة بقوة صوت الجماهير وتأثيره على مكافحة الفساد، وبدأت الدول تتحرك (ولو بالكلام على الأقل) لمعالجة الجذور الأساسية التى تغذى الفساد السياسى والعجز الاقتصادى.  وبدأت مجموعة لا بأس بها من الدول تستجيب لهذا النداء وتقوم بعمل إيجابى لمكافحة الفساد.

فى المكسيك، على سبيل المثال، يتصدى الرئيس فوكس للفساد ويتعهد بتقوية المؤسسات الديموقراطية الأساسية وتنفيذ إجراءات كبيرة من اجل تحقيق الشفافية على المستوى الحكومى.  ولكل من سنغافورة وهونج كونج سجل قديم فى الحرب على الفساد على كافة مستويات المجتمع حتى أصبحتا مثلا يقتدى به. وتواصل عدة دول من منطقة البلطيق وأوروبا تقدمها فى مجال تحقيق الحوكمة الجيدة وسيادة القانون وهى الخطوات التى ساهمت مساهمة إيجابية فى رفع مستوى التنمية الاقتصادية. وكذلك أدركت كل من بوتسوانا وأوغندا والمغرب المزايا التى تعود على الدولة عندما تسعى نحو النزاهة و الحوكمة الجيدة. وفى جميع هذه الأمثلة، كانت عوامل التغيير التى يقوى بعضها بعضا هى حرية الصحافة وتعبئة قوى المجتمع المدنى والتزام الحكومة بالاصلاح الديموقراطي.

الوقاية والشفافية وإنفاذ القوانين

فى إطار هذه التغيرات الجغرافية والسياسية، هناك عامل آخر يمكن أن يساهم مساهمة إيجابية فى نجاح مكافحة الفساد وهو العمل الدبلوماسى متعدد الأطراف فى مختلف أرجاء العالم. ويمكن تلخيص المبادئ العامة التى وضعتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لدبلوماسية مكافحة الفساد في (1) وضع أعراف مقبولة دوليا فيما يتعلق بتحديد الفساد؛ (2) تشجيع قيام الحكومات بعملية تقييم ذاتى فيما يتعلق بالفساد الداخل فى نطاق حدودها؛ (3) الاعتراف بأن الفساد يمثل عقبة أمام التنمية وأن له مضاعفات محلية ودولية خطيرة؛ (4) زيادة التعاون الدولى.

تساعد الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف ضد الفساد على إنجاح جهود مكافحة الفساد فى مختلف الدول كما تضفى الصفة الرسمية على الالتزام الحكومى بتنفيذ مبادئ مكافحة الفساد. إن مبادئ النجاح أو "الدروس المستفادة " التى تمثلت فى السنوات الأخيرة فى الاتفاقيات الدولية الملزمة مثل اتفاقية الامريكتين لمكافحة الفساد واتفاقية المجلس الأوروبى للقانون الجنائى بشأن الفساد، واتفاقية مجلس التعاون الاقتصادى والتنمية ضد الرشوة لا تقتصر على مجرد حث الحكومات على تجريم مختلف أشكال الفساد، ولكنها تبرز الحاجة إلى وجود قوى محايدة فى مجال التحقيقات والمتابعة القانونية والقضائية لكشف الفساد العام واستئصال جذوره. هذه المبادئ تساعد الحكومات على سن قوانين تفرض عقوبات وجزاءات رادعة ومؤثرة للقضاء على الرشوة وعلى سوء استخدام المناصب العامة من أجل المصالح الشخصية، وتسلط الأضواء على الضمانات الأساسية الداخلية التى تؤثر على سلوك القطاع الخاص ومنها الاحتفاظ بإطار تنظيمى فعال يحول دون إخفاء الرشوة أو المبالغ غير المشروعة فى حسابات الشركة ويكشف المخالفات القانونية وعمليات الاحتيال التى ترتكبها الشركات، كما تحدد الاجراءات الوقائية الأخرى التى يمكن أن تساعد الموظفين العموميين والمستخدمين على المحافظة على مستوى عال من السلوكيات وتجنب صراع المصالح وتقوية الرغبة فى الافصاح المالى عن الأصول الشخصية.

وتؤكد هذه الاتفاقيات أيضا على أهمية الحصول على المعلومات وحماية المرشدين عن عمليات الفساد، كما تشتمل على سمة عامة أخرى تضمن ترجمة كلمات هذه الاتفاقيات إلى أفعال مثل تكوين آليات تقييم متبادلة لمراقبة التنفيذ. هذه الآليات تجبر الدول على كشف مالديها من قواعد وهياكل وتصرفات يمكن إخضاعها للمراجعة والمساءلة، وبذلك يتم تسهيل التعاون الدولى وتقديم الدعم الفنى لمعالجة نقاط الضعف.

كانت الولايات المتحدة رائدة الحرب على الفساد على الصعيد العالمى، وبدأت منذ صدور قانون ممارسات الفساد الأجنبية The Foreign Corrupt Practices Act سنة 1977 تجرم تقديم الرشوة إلى مسئولين أجانب من شركات لها قواعد فى أراضيها، وما تزال الولايات المتحدة تلعب دورا كبيرا فى وضع وتنفيذ اتفاقيات دولية لمكافحة الفساد، وفيما يلى عرض لأبرز الانجازات فى هذا المجال:

  • كانت اتفاقية الامريكتين لمكافحة الفساد التى بدأ التفاوض بشأنها سنة 1996 تحت إشراف منظمة الدول الأمريكية هى أول اتفاقية دولية خاصة بقضية الفساد. وتمثل المادة الثالثة منها وهى مادة "الاجراءات الوقائية" أول محاولة شاملة لوضع نظام ضد الفساد فى إطار اتفاقية دولية ملزمة قانونا.  وتطالب هذه المادة الثالثة الدول الأطراف بتبنى معايير لسلوك موظفيها العموميين وإيجاد آليات لتطبيق هذه المعايير ووضع أنظمة للإفصاح عن الأصول المملوكة لبعض المسئولين الذين يتم اختيارهم، وإصلاح أنظمة المناقصات والتوظيف، وحرمان الأفراد والشركات من الاعفاءات الضريبية فى حالة وجود مصروفات تتسم بانتهاك قوانين مكافحة الفساد، وتوفير الحماية لمن يرشد إلى حالات الفساد، وإنشاء أنظمة رقابية حكومية مثل نظام التفتيش العام أو مؤسسات المراجعة. وكذلك تعتبر اتفاقية الامريكتين أول اتفاقية دولية تعترف بدور المجتمع المدنى فى الحرب على الفساد. وتعتبر الولايات المتحدة المؤيد الرئيسى لآليات التقييم التى تم تبنيها مؤخرا فى نطاق هذه الاتفاقية.

  • وكانت اتفاقية مكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب التى نوقشت تحت إشراف منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD) سنة 1997 هى أول اتفاقية تلزم الدول بتحمل مسئوليتها عن التصرفات الفاسدة التى يرتكبها مواطنوها وشركاتها سعيا للحصول على مشروعات او المحافظة على المشروعات الموجودة فى دول أخرى. واعترفت الدول الموقعة بمسئولية الدول المتقدمة عن مساعدة الدول الأخرى فى مكافحة الفساد ومنع شركاتها من المساهمة فى خلق هذه المشكلة. وبالاضافة إلى ذلك كانت هذه الاتفاقية هى أول اتفاقية من نوعها تنشئ آلية متعددة الأطراف للتقييم المتبادل لالتزامات المراقبة التى تجرى لمكافحة الفساد، وقد اصبحت هذه الآلية موضع تقدير الكثيرين ونموذجا للتعاون الدولى فى هذه المنطقة. وتستمر الولايات المتحدة فى نشاطها مع بقية دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية لتصحيح نقاط الضعف التى تظهر فى مجال الالتزام واستخدام ضغط ملموس على الدول الموقعة على الاتفاقية لضمان قيام كل دولة بتنفيذ قوانينها الجديدة التى تجرم رشوة الموظفين العموميين الأجانب عن طريق الشركات الموجودة فى أراضيها.

  • نوقشت اتفاقية القانون الجنائى بشأن الفساد تحت إشراف المجلس الأوروبى سنة 1999 وكانت أول اتفاقية تسعى إلى تجريم الرشوة بصفة شاملة فى القطاع الخاص، وهو مفهوم لم يكن واسع القبول كموضوع مناسب للاتفاقيات الدولية. كما كانت أول اتفاقية تطالب بمنح صفة مستقلة للكيانات أو الأشخاص المعنيين بمكافحة الفساد حتى يصبحوا "قادرين على ممارسة وظائفهم بكفاءة بعيدا عن أية ضغوط لا داعى لها"، وتطالب بتقديم الحماية الكافية للشهود الذين يدلون بشهاداتهم عن حالات الفساد. وتعمل الولايات المتحدة مع الشركاء الأوروبيين فى علميات المراجعة وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها فى مجموعة دول المجلس الأوروبى لمكافحة الفساد (GRECO).

  • وكـــانت الولايات المتحدة الأمريكية ايضا من أوائل المؤيدين لمبادرة ميثاق الاستقرار ضد الفسادThe Stability Pact Anticorruption Initiative (SPAI ) التى قامت فى نطاق ميثاق الاستقرار فى جنوب أوروبا (سنة 2000)، وقد حدد هذا الميثاق دورا رسميا للجهات الدولية المناحة والمراقبين الخارجيين فى نطاق عملية التقييم المتبادل. والهدف من ذلك هو تقوية التزام الجهات المانحة بتمكينهم من الدخول فى هيكل الآلية وعملياتها. ومن المتوقع أن تترجم آلية الجهات المانحة إلى المزيد من الالتزامات بتقديم المعونة الفنية والتمويل اللازم للتعامل مع المجالات التى تثبت عملية التقييم المتبادل أنها بحاجة إلى مثل هذا الدعم.

  • تواصل الولايات المتحدة تشجيعها ودعمها للعديد من المجهودات الإقليمية الهامة لمكافحة الفساد وخاصة فى أفريقيا، ومساهمتها فى العديد من المبادرات الاقليمية الهامة مثل مشروع بروتوكول الاتحاد الأفريقى ضد الفساد، وبروتوكول منظمة تنمية دول جنوبى أفريقيا (سادك) ضد الفساد، والمبادئ الخمسة والعشرين للتحالف العالمى الأفريقى ضد الفساد، كما تستعد الولايات المتحدة للعمل عن كثب فى المسائل المتعلقة بالحوكمة مع الشراكة الاقتصادية الجديدة لتنمية أفريقيا (NEPAD).

  • وضعت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية وبنك التنمية الآسيوى فى نوفمبر سنة 2001 اتفاقية ضد الفساد وقعت عليها 17 دولة فى طوكيو باليابان. وكانت الولايات المتحدة قد أيدت الجهود المبذولة من كل من بنك التنمية الآسيوى ومنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية للوصول إلى اتفاقية لمكافحة الفساد فى منطقة آسيا-الباسيفيك والعمل مع الحكومات المشاركة لتقوية قدراتها على مكافحة الفساد. وقد وضع بنك التنمية الآسيوى خطة ضد الفساد تضمنت العديد من المسائل المتعلقة بالحوكمة والعمل من أجل القضاء على الفساد ومن هذه المسائل غسيل الأموال وحوكمة الشركات واجراءات المراجعة وشفافية أنظمة المناقصات العامة والإفصاح عن المعلومات.

  • فى يناير سنة 2002 بدأت الأمم المتحدة مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاقية ضد الفساد.  ولا شك أن هذه الاتفاقية بعد اكتمالها ستدعم التعاون الدولى وتسلط الأضواء على قضية الفساد، كما ستضيف قواعد جديدة ومجموعة واسعة من الاجراءات القانونية لمنع ومكافحة الفساد. وتشارك الولايات المتحدة بنشاط فى هذه المفاوضات وتكرس الكثير من مجهوداتها لموضوع الاختلاس وتسهيل استرداد الأصول التى تم تهريبها إلى الخارج بمعرفة موظفين فاسدين. وكذلك تعمل الولايات المتحدة مع دول أخرى للوصول إلى اجراءات وقائية تضمن فى المقام الأول حماية الأصول من السرقة ومن تعريضها لعمليات الغسيل.

  • وللمنتدى العالمى لمكافحة الفساد مساهمات إيجابية فى جهود التعاون الدولى ضد الفساد. ورحبت الولايات المتحدة بالدور القيادى لجمهورية كوريا التى سوف تستضيف المنتدى العالمى الثالث والمؤتمر الدولى الحادى عشر ضد الفساد فى مايو 2003 بمدينة سيول. هذا الحدث الذى يمثل واحدا من أكبر وأهم التجمعات الدولية سيضم عددا كبيرا من كبار الشخصيات الحكومية والخبراء وقادة المجتمع المدنى والقطاع الخاص يناقشون خبراتهم وأعمالهم المفيدة ويتبادلون المعلومات ويناقشون الجهود المشتركة للحد من الفساد ووضع أنظمة فعالة تقوم على أساس النزاهة  والحوكمة الجيدة.

  • وأخيرا فإن الولايات المتحدة تعمل أيضا مع حكومات أخرى لإحداث المزيد من التكامل فى العمل ضد الفساد والمساءلة واجراءات الشفافية فى عمليات التقييم المالية وبرامج المساعدة وممارسات الاقراض فى المؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية الاقليمية.

 

ولا شك أن اعتراف المجتمع الدولى بالقواعد الدولية الأساسية المتعلقة بمواجهة الفساد يفتح الباب أمام المزيد من التعاون الثنائى والمتعدد الأطراف على الجبهات المحلية الهامة، وهذا بدوره يشجع على تبادل أفضل الممارسات وبناء الثقة والعلاقات الوثيقة بين الدول المتعاونة.

تعزيز المبادرات الفردية والمشاركة بين القطاعين العام والخاص

هناك عدد متزايد من الجهود الدولية المضادة للفساد يتضمن توجهات شاملة ترتبط ارتباطا وثيقا بالجهود المبذولة على مستوى كل دولة على حدة لتقوية لوائحها وسياساتها القانونية المؤيدة للنمو والمشجعة للروح الإبداعية فى الشركات ولأنشطة تنظيم المبادرات الفردية للقيام بمشروعات ناجحة. كما تمارس العولمة قوة مستمرة على الحكومات والشركات من خلال ضغوط السوق التى تختبر جودة وسلامة هياكل الحوكمة وأنظمتها.

يؤدى الفساد وسوء حوكمة الشركات إلى تقويض أسس نظام السوق، وبالتالى إلى تقليل القدرة على تحقيق تكامل السوق والأمن الاقتصادى وحماية النسيج الاجتماعى بالنسبة للجميع. وعلى العكس من ذلك، عندما تتحمل الشركات المسئولية ويقوم للقطاع الخاص بدور القيادة فإن ذلك سيؤدى إلى نتائج إيجابية فى كافة أنحاء المجتمع ويساعد على سد الثغرات الاقتصادية وتقوية التقدم الاجتماعى على المستوى العالمى.

القطاع الخاص .. أهم قاطرة للتنمية والثروة

وفى الأمم المتحدة أجمع الرأى النقدى المنبثق عن "التمويل من أجل التنمية" على ضرورة قيام الدول بتشجيع حلول التنمية التى يتم التوصل إليها محليا واستثمار موارد الثروة المحلية لتمويل التنمية المستدامة والنمو الاقتصادى على المدى الطويل. ويعتبر الاستثمار الأجنبى المباشر مصدرا آخر من مصادر التنمية لأنه لا يتوقف عند حد توفير رأس المال بل يجلب معه التكنولوجيا الجديدة والإدارة الماهرة والمعرفة بحوكمة الشركات والمبادئ القائمة على اقتصاد السوق.

وأمام أوضاع البيئة التنافسية الراهنة، لا غرابة أن ترى الحكومات والشركات تتقاسم مخاطر الاقتصاد الحالى وأرباحه ومزاياه، ولكن الأطراف العامة والخاصة التى تحقق النجاح هى تلك الأطراف التى تتبنى مبادئ الكفاءة والمسئولية والشفافية الديموقراطية، أما الأطراف التى لاتتمسك بهذه المبادئ فإنها ستخرج من المنافسة بسرعة فإما أن تتعرض للإفلاس أو تقف فى مواجهة الضغوط الداخلية وعدم الاستقرار.

ومن أمثلة مزايا القيمة المضافة للتحالفات الاستراتيجية ذلك العمل الذى يقوم به المنتدى العالمى لحوكمة الشركات الذى تموله الجهات المانحة ويقوم على بناء شبكة كبيرة من الشركاء من القطاعين العام والخاص. وابتداء من روسيا ودول جنوب وشرق آسيا وأفريقيا بالاضافة إلى دول أمريكا اللاتينية وأوروبا ودول الشرق الأوسط يقدم المنتدى الدعم الفنى والخبرة والموارد اللازمة لتطوير القطاع الخاص كقاطرة للنمو وتقليل فرص تعرض الاقتصادات النامية والصاعدة لمخاطر البيئة العالمية الجديدة وتقديم فهم كافى لجميع المشاركين بالنسبة للحوافز التى تعود عليهم من الاستثمار والأداء باسلوب كفء يأخذ فى اعتباره المسئولية الاجتماعية لقطاع الاعمال.

ويقوم الشركاء من القطاع الخاص من أمثال المعهد الدولى للأخلاقيات العامة (IIPE) ومركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) وكى سينتر Key Centre ومركز الخليج للامتياز الاخلاقى وغيرهم بدور قيادى فى كثير من أنحاء العالم لتطوير مفهوم المشاركة بين القطاعين العام والخاص بهدف تحقيق النزاهة والارتقاء بعملية الحوكمة وإبراز أهمية الشفافية والأنظمة الديموقراطية القائمة على أساس آليات السوق الحر.

برامج الولايات المتحدة للدعم افنى ومكافحة الفساد

من شأن حساب تحدى الألفية (MCA) الذى أعلنه الرئيس بوش أن يوسع دائرة التنمية بتقديم المساعدة للدول التى تلتزم بعدالة الحكم وتشجيع الحرية الاقتصادية والاستثمار فى شعوبها. وقد أكد الرئيس بوش أن هذا البرنامج المصمم من أجل التنمية سيقدم الدعم إلى الدول التى تجتث جذور الفساد بفاعلية. وكذلك تلتزم الولايات المتحدة بمقررات جولة الدوحة للتنمية وبالعمل مع الشركاء فى الدول النامية والدول المتقدمة لتلبية مطالب الاقتصاد العالمى الجديد من خلال تعزيز قدرات الدول على تدعيم الشفافية وتسهيل فرص الاستثمار وتفعيل المشاركة فى النظام التجارى.

وستؤدى برامج الولايات المتحدة ضد الفساد إلى تقوية حساب تحدى الألفية (MCA) والمبادرات التنموية الأمريكية الأخرى بتوفير فرص التدريب وبناء القدرات فى المجالات المرتبطة بالشرطة والتحقيقات والنيابة والقضاء والمؤسسات العاملة فى مجال تعزيز الأخلاقيات ومكاتب المراجعين والمحاسبين والمفتشين العموميين وجميع الأنظمة الرقابية والتنظيمية وإنفاذ القوانين على المستويات الحكومية المحلية والعامة. وعلى سبيل المثال فإن مكتب أخلاقيات الحكومة (Office of Government Ethics) التابع لوزارة الخارجية يقدم الدعم الفنى الدولى لمعايير السلوك والقيود التى يجب الالتزام بها بعد التوظف والافصاح المالى العام والخاص والتدريب على آداب المهنة والاستشارات.

ولا بد كذلك من تعزيز سيادة القانون من خلال الأنشطة الديناميكية والمشاركة مع المجتمع المدنى والشركات والجمعيات الأهلية. والولايات المتحدة ملتزمة بدعم هذه المجموعات ووسائل الأعلام الأخرى حتى يكون لها صوت حر مسموع فى مكافحة الفساد وبناء ثقافة احترام القانون فى المجتمع.

ملاحظات ختامية

عبر تنقلاتنا بين مونتيرى وجوهانسبرج ومن بريسبين إلى سيول للمشاركة فى مؤتمر "مجتمع الديموقراطيات" وفى مؤتمر "سيول ضد الفساد" نأمل أن تتفق الآراء على المستوى العالمى للوصول إلى أجندة مشتركة للقيم الخاصة بالتنمية الاقتصادية المستدامة والنزاهة  والديموقراطية.

ولتحقيق تقدم حقيقى لابد أن نترجم إصرارنا السياسى إلى أعمال وأنشطة محددة وواضحة. ونحن نسير على هذا الدرب، ربما تواجهنا بعض الصعوبات وقد نتعرض لبعض النكسات، ولكننى مع ذلك على ثقة أن عملنا المشترك البناء بروح الثقة والمسئولية سيساعدنا على إقامة شراكة قوية تلبى الاحتياجات المستقبلية للحوكمة، وتساعد المجتمعات المحلية على الانفتاح والتنمية المستدامة وتحقيق الرخاء للجميع.

وأخيرا، آمل أن تؤدى مجهوداتنا إلى إبراز الدور الهام الذى يقوم به الموظفون الحكوميون الشجعان الأمناء والصحفيون العاملين فى مجال التحقيقات والمواطنون المهتمون وكل من يأخذ على عاتقه مسئولية كشف الفساد على كافة مستويات المجتمع لحماية المصلحة العامة.