حوكمة الشركات .. سبيل التقدم

مع إلقاء الضوء على التجربة المصرية

نرمين أبو العطا

خبير اقتصادى ومساعد وزير التجارة الخارجية فى مصر

الآراء التى تتضمنها الورقة تعبر عن رأى الكاتبة، وليست بالضرورة تعبيراً عن رأى الجهة التى تمثلها.

 

 حوكمة الشركات Corporate Governance .. تعاظم الاهتمام بهذا المفهوم فى العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة خلال العقود القليلة الماضية، وخاصة فى أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية التى شهدتها عدد من دول شرق آسيا وأمريكيا اللاتينية وروسيا فى عقد التسعينات من القرن العشرين؛ وكذلك ما شهده الاقتصاد الأمريكى مؤخراً من تداعيات الانهيارات المالية والمحاسبية لعدد من أقطاب الشركات الأمريكية العالمية خلال عام 2002.

وفى هذا الصدد تطرق العديد من الاقتصاديين والمحللين والخبراء إلى أهمية ومدى تأثير مفهوم حوكمة الشركات فى العديد من النواحى الاقتصادية والقانونية والاجتماعية الهادفة إلى صالح الأفراد والمؤسسات والمجتمعات ككل بما يعمل على سلامة الاقتصادات وتحقيق التنمية الشاملة فى كل من الدول المتقدمة والناشئة على حد السواء.  ومن ثم ففى هذه الورقة يتم تناول الأهمية الاقتصادية والقانونية والاجتماعية لمفهوم حوكمة الشركات؛ وهو الأمر الذى دعا إلى تعاظم الاهتمام بآليات ومعايير وتطبيقات حوكمة الشركات فى مصر لتواكب مثيلاتها على المستوى العالمى، وتكون أحد أعمدة التقدم بها.

وفى بداية تناول هذا الموضوع تجدر الإشارة إلى إنه على المستوى العالمى لا يوجد تعريف أوحد متفق عليه بين كافة الاقتصاديين والقانونيين والمحللين وهذا ما تؤكد عليه موسوعة Corporate Governance Encyclopedia من حيث الافتقار إلى تعريف موحد لهذا المفهوم، ولكن قد يرجع ذلك إلى تداخله فى العديد من الأمور التنظيمية والاقتصادية والمالية والاجتماعية للشركات وهو الأمر الذى يؤثر على المجتمع والاقتصاد ككل.[1]  ولكن فى مجمله يمكن القول إن ماهية مفهوم حوكمة الشركات معنية بإيجاد وتنظيم التطبيقات والممارسات السليمة للقائمين على إدارة الشركة بما يحافظ على حقوق حملة الأسهم وحملة السندات والعاملين بالشركة وأصحاب المصالح Stakeholders وغيرهم؛ وذلك من خلال تحرى تنفيذ صيغ العلاقات التعاقدية التى تربط بينهم؛ وباستخدام الأدوات المالية والمحاسبية السليمة وفقاً لمعايير الإفصاح والشفافية الواجبة.

كما إنه على المستوى المحلى والإقليمى لم يتم التوصل إلى مرادف محدد لمصطلح Corporate Governance  باللغة العربية؛ ولكن بعد العديد من المحاولات والمشاورات مع عدد من خبراء اللغة العربية والاقتصاديين والقانونيين المهتمين بهذا الموضوع، تم اقتراح مصطلح "حوكمة الشركات"[2] فى محاولة لنشر هذا المفهوم وترسيخ التطبيقات الجيدة له بأسواق المال والاقتصادات المحلية والعربية.

ونظراً للتزايد المستمر الذى يكتسبه الاهتمام بهذا المفهوم فقد حرصت عدد من المؤسسات الدولية على تناول هذا المفهوم بالتحليل والدراسة؛ وعلى رأس هذه المؤسسات كل من صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD التى أصدرت فى عام 1999 مبادئ حوكمة الشركات Corporate Governance Principles والمعنية بمساعدة كل من الدول الأعضاء وغير الأعضاء بالمنظمة لتطوير الأطر القانونية والمؤسسية لتطبيق حوكمة الشركات بكل من الشركات العامة أو الخاصة سواء المتداولة أو غير المتداولة بأسواق المال من خلال تقديم عدد من الخطوط الإرشادية لتدعيم إدارة الشركات وكفاءة أسواق المال واستقرار الاقتصاد ككل. ويدعم هذا ما أكدت عليه المنظمة العالمية لمشرفى الأوراق المالية(IOSCO) International Organization for Securities Commissions فى مايو 2002 من أهمية انتهاج مبادئ OECD لحوكمة الشركات؛ وذلك للحفاظ على سلامة أسواق المال واستقرار الاقتصادات.[3]

وتتناول المبادئ الخمسة الصادرة فى 1999 منOECD[4] تطبيقات حوكمة الشركات فى شأن: الحفاظ على حقوق حملة الأسهم، وتحقيق المعاملة العادلة لحملة الأسهم، وإزكاء دور أصحاب المصالح، والحرص على الإفصاح والشفافية،وتأكيد مسئولية مجلس الإدارة.

وإذا بحثنا فى الأدبيات الاقتصادية لحوكمة الشركات نجد إنه فى عام 1932 كل من Berle وMeans[5] كانا من أوائل من تناول فصل الملكية عن الإدارة والتى تجئ آليات حوكمة الشركات لسد الفجوة التى يمكن أن تحدث بين مديرى ومالكى الشركة من جراء الممارسات السلبية التى من الممكن أن تضر بالشركة وبالصناعة ككل.  وكذلك  تطرق كل منJensen and Meckling [6] فى عام 1976 و Fama[7] فى عام 1980 إلى "مشكلة الوكالة" Agency Problem حيث أشارا إلى حتمية حدوث صراع بالشركة عندما يكون هناك فصل بين الملكية والإدارة. وفى هذا السياق يؤكدMitchell et al. (1996)[8]وMonks وMinow (2001)[9]عن إمكانية حل مشكلة الوكالة من خلال التطبيق الجيد لآليات حوكمة الشركات.

أما فى الآونة الأخيرة، فقد تعاظمت بشكل كبير أهمية حوكمة الشركات لتحقيق كل من التنمية الاقتصادية والحصافة القانونية والرفاهة الاجتماعية للاقتصادات والمجتمعات. فعلى الصعيد الاقتصادى، تتنامى أهمية اتباع القواعد السليمة لحوكمة الشركات للآتى:

·        ضمان قدر ملائم من الطمأنينة للمستثمرين وحملة الأسهم على تحقيق عائد مناسب لاستثماراتهم؛ مع العمل على الحفاظ على حقوقهم وخاصة حائزى أقلية الأسهم.

·        تعظيم القيمة السهمية للشركة Maximizing Shareholder Value، وتدعيم تنافسية الشركات فى أسواق المال العالمية؛ وخاصة فى ظل استحداث أدوات وآليات مالية جديدة، وحدوث اندماجات أو استحواذ أو بيع لمستثمر رئيسى ...إلخ.

·        التأكد من كفاءة تطبيق برامج الخصخصة وحسن توجيه الحصيلة منها إلى الاستخدام الأمثل لها، منعاً لأى من حالات الفساد التى قد تكون مرتبطة بذلك.

·        توفير مصادر تمويل محلية أو عالمية للشركات سواء من خلال الجهاز المصرفى أو أسواق المال؛ وخاصة فى ظل تزايد سرعة حركة انتقال التدفقات الرأسمالية.

·        تجنب الانزلاق فى مشاكل محاسبية ومالية، بما يعمل على تدعيم واستقرار نشاط الشركات العاملة بالاقتصاد، ودرأ حدوث انهيارات بالأجهزة المصرفية أو أسواق المال المحلية والعالمية، والمساعدة فى تحقيق التنمية والاستقرار الاقتصادى.

وهو الأمر الذى أكده Winkler بشدة حيث أشار إلى أهمية حوكمة الشركات فى تحقيق التنمية الاقتصادية وتجنب الوقوع فى مغبة الأزمات المالية، من خلال ترسيخ عدد من معايير الأداء، بما يعمل على تدعيم الأسس الاقتصادية بالأسواق وكشف حالات التلاعب والفساد وسوء الإدارة بما يؤدى إلى كسب ثقة المتعاملين فى هذه الأسواق، والعمل على استقرارها والحد من التقلبات الشديدة بها، بما يعمل على تحقيق التقدم الاقتصادى المنشود.[10]

 

حوكمة الشركات والتنمية الاقتصادية

تعمل حوكمة الشركات على كفاءة استخدام الموارد وتعظيم قيمة الشركة وتدعيم تنافسيتها بالأسواق، بما يمكنها من جذب مصادر تمويل محلية وعالمية للتوسع والنمو، يجعلها قادرة على خلق فرص عمل جديدة؛ مع الحرص على تدعيم استقرار أسواق المال والأجهزة المصرفية، الأمر الذى يؤدى إلى تحقيق الكفاءة والتنمية الاقتصادية المطلوبة.

 

وعلى الصعيد القانونى، يهتم القانونيون بأطر وآليات حوكمة الشركات لأنها تعمل على وفاء حقوق الأطراف المتعددة بالشركة، وخاصة مع كبرى الشركات فى الآونة الأخيرة. إذ تضم هذه الأطراف حملة الأسهم ومجلس الإدارة والمديرين والعاملين والمقرضين والبنوك وأصحاب المصالح...إلخ.  ولذا فإن التشريعات الحاكمة واللوائح المنظمة لعمل الشركات تعد هى العمود الفقرى لأطر وآليات حوكمة الشركات؛ حيث تنظم القوانين والقرارت - بشكل دقيق ومحدد- العلاقة بين الأطراف المعنية فى الشركة والاقتصاد ككل.

 

القوانين المرتبطة بتطبيقات حوكمة الشركات

تتداخل قواعد حوكمة الشركات بعدد من القوانين، مثل: قوانين الشركات، وأسوق المال، والبنوك، والإيداع والحفظ المركزى، والمحاسبة والمراجعة، والمنافسة ومنع الاحتكار، والضرائب، والعمل، والخصخصة، والبيئة، وغيرها.

 

وفى هذا الصدد، يشير زينجاليس Zingales إلى إن الأشكال المختلفة للعقود بين كافة الأطرف المعنية فى الشركة تمثل حجر الأساس فى تنظيم العلاقات التعاقدية بينهم بما يمكن أن يعمل على ضمان حقوق كل طرف منهم.[11] وتأتى أهمية حوكمة الشركات من الناحية القانونية للتغلب على سلبيات تنفيذ التعاقدات التى يمكن أن تنتج من ممارسات سلبية تنتهك صيغ العقود المبرمة أو القوانين والقرارات والنظم الأساسية المنظمة للشركة. ومن ثم يؤكد كثير من القانونيين على مسئوليات العهدة بالأمانة Fiduciary Responsibilities والتى يؤديها المديرون قِبَل الأطراف الأخرى بالشركة لضمان حقوقهم.

 

وفى هذا الصدد اقترحت مؤسسة التمويل الدولية Institute of International Finance (IIF)

فى 2002 أن يتم إصدار بنود تشريعية لحوكمة الشركات Codes of Corporate Governance يمكن أن يتم تضمينها بكل من قوانين أسواق المال والشركات؛ كما تؤكد المؤسسة إنه على الرغم من أهمية البنود التشريعية المقترحة، إلا إن الأمر الذى يفوقها أهمية هو مدى كفاءة المناخ التنظيمى والرقابى حيث يتعاظم دور أجهزة الإشراف فى متابعة الأسواق؛ وذلك بالارتكاز على دعامتين هامتين: الإفصاح والشفافية، والمعايير المحاسبية السليمة.[12]

 

وفى هذا السياق تعد الانهيارات المالية لعدد من الشركات الأمريكية خلال عام 2002، وعلى رأسها كل من شركة "إنرون" و"وورلد كوم" من أبرز الأمثلة الدافعة لإيلاء مزيد من الاهتمام لمعايير الإفصاح والمعايير المحاسبية الحصيفة. ومن ثم ولإحداث مزيد من الانضباط فقد تم صدور تشريع جديد فى الولايات المتحدة يسمى "ساربنز- أوكسلى" Sarbanes-Oxley Act، مؤكداً على أهمية انتهاج آليات دورية وسريعة لإحداث الإفصاح والشفافية الفعالة. وكذلك أوجد التشريع الجديد لجان مراجعة داخلية تتشكل من أعضاء مستقلين لمتابعة أعمال المراجعة فى حيادية تامة؛ بالإضافة إلى إن التشريع الجديد الخاص بالمحاسبة والمراجعة قد أشار إلى أهمية إنشاء جهاز يتابع ويراقب أداء شركات المحاسبة والمراجعة لضمان كفاءة أداء مهامها.

 

وفى نفس السياق ولتفعيل آليات أكثر تماسكاً فيما يتعلق بمعايير الإفصاح والمحاسبة، فقد أعلنت منظمة OECD فى نوفمبر 2002 إنه جارى تحديث مبادئ حوكمة الشركات التى أصدرتها لتتواكب مع ديناميكية الحركة التى تفرضها أسواق المال على مستوى العالم.

 

 

حوكمة الشركات

 والحصافة القانونية

بالرغم من اختلاف القوانين والنظم الأساسية المرتبطة بحوكمة الشركات بين الدول، إلا إن الأنظمة القانونية  تعد هى صمام الأمان الرئيسى الضامن  لحوكمة جيدة للشركات.  كما إن كل من معايير الإفصاح والشفافية ومعايير المحاسبة الحصيفة يجب أن تكون هى عصب مبادئ حوكمة الشركات.

 

أما على الصعيد الاجتماعى، فيتناول Turnball مفهوم حوكمة الشركات فى معناه الأشمل والذى لا يضم فقط الشركات الاقتصادية ولكن يمتد ليشمل كل المؤسسات العاملة بالمجتمع سواء كانت مملوكة للقطاع العام أو الخاص والتى يرتبط نشاطها إما بإنتاج سلعة أو تقديم خدمة، والتى تؤثر على رفاهة الأفراد والمجتمع ككل.[13] 

 

ولذا فالإطار الأشمل لمفهوم الحوكمة Governance يكون مرتبطاً ليس فقط بالنواحى القانونية والمالية والمحاسبية بالشركات، ولكنه يرتبط كذلك ارتباطاً وثيقاً بالنواحى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وسلطة التحكم بوجه عام. ويمكن القول إنه إذا صلحت الشركة كنواة صلح الاقتصاد ككل، وإذا فسدت فإن تأثيرها من الممكن أن يمتد ليضر عدد كبير من فئات الاقتصاد والمجتمع. ولذا وجب التأكيد على ضرورة الاهتمام بأصحاب المصالح Stakeholders سواء من لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة مع الشركة.  كما تجدر الإشارة إلى أهمية المسئولية الاجتماعية للشركاتCorporate Social Responsibility (CSR)؛ والتى لا تهتم فقط بتدعيم مكانة وربحية الشركة، ولكنها تهتم كذلك بتطور الصناعة واستقرار الاقتصاد وتقدم ونمو المجتمع ككل. وهذا الاتجاه ما أكد عليه Hopkins (2000)، وأوصى بأهمية توجيه مزيد من الاهتمام به على مستوى العالم. [14]

 

ومن هذا المنطلق يتم التأكيد على إن حوكمة الشركات هى سبيل التقدم لكل من الأفراد والمؤسسات والمجتمع كلل؛ وذلك لأنه من خلال تلك الآلية التى توفر للأفراد قدر مناسب من الضمان لتحقيق ربحية معقولة لاستثماراتهم؛ وفى ذات الوقت تعمل على قوة وسلامة أداء المؤسسات؛ ومن ثم تدعيم استقرار وتقدم الأسواق والاقتصادات والمجتمعات.

حوكمة الشركات

والرفاهة الاجتماعية

إن الشركات تؤثر وتتأثر بالحياة العامة، حيث إن أداءها يمكن أن يؤثر على الوظائف والدخول والمدخرات والمعاشات ومستويات المعيشة، وغيرها من الأمور المرتبطة بحياة الأفراد والمؤسسات بالمجتمع، ومن ثم فيجب أن تكون الشركات مساءلة عن التزامها فى الإطار الأشمل لرفاهة وتقدم المجتمع.

وللأهمية الجوهرية لحوكمة الشركات فى تقدم الاقتصادات والمجتمعات فقد اهتمت عدد من الدول المتقدمة والناشئة بترسيخ القواعد والتطبيقات الجيدة لها لاستقرار الأسواق بتلك الاقتصادات. ففى خلال عام 2002، قامت عدد  من الدول ببعض الخطوات الهامة فى سبيل تدعيم فاعليات حوكمة الشركات بها، ومنها على سبيل المثال:[15]

·     الولايات المتحدة:    قامت بورصة نيويورك (NYSE) باقتراح قواعد للقيد تلزم الشركات بتحديد مديرين مستقلين لحضور اجتماع مجلس الإدارة.كما قامت الرابطة القومية لمديرى الشركات National Association of Corporate Directors بتشكيل لجنة لمتابعة مخاطر الشركات لتدعيم المديرين المستقلين والمراجعة الدورية للمخاطر المحتملة.

·     اليابان: أعلنت بورصة طوكيو (TSE) إنها ستقوم بوضع دليل للتطبيقات الجيدة لحوكمة الشركات لتهتدى بها المؤسسات اليابانية؛ وذلك فى سبيل الإعداد لمعايير محلية يابانية، وخاصة فى ظل توقع بدء سريان العمل بالقانون التجارى اليابانى فى 2003.

·     المفوضية الأوروبية: أناطت إلى فريق عمل عال المستوى ببروكسل مهمة تطوير وتوحيد الإطار التشريعى لقانون الشركات؛ لتدعيم الإفصاح، وحماية المستثمرين.

·     أمريكا اللاتينية: اجتمع عدد من المهتمين بحوكمة الشركات فى سبعة دول فى سان باولو للاتفاق على تفعيل مشاركتهم فى رابطة مؤسسات حوكمة الشركات بأمريكا اللاتينية Latin American Institutes of Corporate Governance.

مصر وقواعد وتطبيقات حوكمة الشركات

وبالنسبة لمصر تتزايد الأهمية المحورية الخاصة بقواعد وتطبيقات حوكمة الشركات.  ففى عام 2001 تم الانتهاء من أول تقرير لتقييم حوكمة الشركات فى مصر، وقد قام به البنك الدولى بالتعاون مع وزارة التجارة الخارجية وهيئة سوق المال وبورصة الأوراق المالية، وشارك فيه عدد من المراكز البحثية وشركات المحاسبة والمراجعة والمهتمين من الاقتصاديين والقانونيين. حيث خلص التقرير إلى أهم نقاط الضعف والقوة فى مناخ حوكمة الشركات بكل من قطاع المال والشركات.  وقد أشار التقرير فى مجمله إلى إن مفهوم ومبادئ حوكمة الشركات فى مصر متواجدة فى نسيج عدد من القوانين الحاكمة ولوائحها التنفيذية وتعديلاتها، ومن أهمها قانون سوق رأس المال 95/1992 وقانون الشركات 159/1981 وقانون الاستثمار 8/1997 وقانون قطاع الأعمال العام 203/1991؛ وقانون التسوية والإيداع والحفظ المركزى 93/2000 وغيرها من القوانين التى ترتبط بحوكمة الشركات المصرية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. 

كما إن المعايير التى منحها التقرير لحوكمة الشركات فى مصر تشير إلى إن عدد كبير من التطبيقات قد حاز على تقييم مرتفع أو متوسط مرتفع، مؤكداً على وجود العديد من الممارسات الإيجابية؛ ولكن من ناحية أخرى فهناك عدد من البنود التى تحتاج إلى تطوير لدرء أى من الممارسات السلبية.

فبالنسبة للممارسات الإيجابية فى مصر، نجد أن القانون يكفل الحقوق الأساسية لحملة الأسهم كالمشاركة فى توزيع الأرباح والتصويت فى الجمعيات العمومية والإطلاع على المعلومات الخاصة بالشركة وغيرها الكثير. ويحمى القانون المصرى كذلك حقوق أصحاب المصالح من حملة السندات والمقرضين والعمال. كما إن معايير المحاسبة والمراجعة المصرية تتسق مع المعايير الدولية.

أما بالنسبة للممارسات السلبية، فقد أشار التقرير إلى أن البنود التى تحتاج إلى تدعيم هى ما يرتبط بالإفصاح عما يتعلق بالملكية والإدارة؛ ومنها الإفصاح عن هياكل الملكية الصريحة والمستترة أو المتداخلة Cross-holdings ومكافآت مجلس الإدارة والإفصاح عن المعلومات المالية وغير المالية (مثال عوامل المخاطر المحتملة)؛ وكذلك يجب تدعيم ممارسات المحاسبة والمراجعة السليمة. كما إنه فى غاية الأهمية أن يتم تطوير ممارسات مجالس الإدارة بالشركات، وتدعيم وتشجيع ممارسة حملة الأسهم لحقوقهم المكفولة. 

وإذا كانت البنية التشريعية والتنظيمة فى مصر قد تم إرسائها من خلال القوانين المشار إليها إلا إنه نظراً لديناميكية الحركة السريعة والمتلاحقة فى أسواق المال والأعمال فإنه يستلزم التدقيق المستمر فى مدى تنفيذ البنود المنظمة، مع التطوير المستمر للقائمين على تنفيذها لضبط أى من حالات التلاعب.  وفى هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أهمية كل من المتابعة الفورية التى تقوم بها بورصة الأوراق المالية (أثناء التداول)On-site Surveillance  والمتابعة المستمرة التى تقوم بها هيئة سوق المال Off-site Surveillance (سواء قبل أو أثناء أو بعد التداول)، للحيلولة ودرأ أى تلاعب ولعلاج الخلل حال حدوثه.

وعلى الرغم من إنجاز عدد من الإجراءات فى سبيل تفعيل التطبيقات والقواعد الجيدة لحوكمة الشركات فى مصر، إلا إنه ما زال هناك العديد من الخطوات التى يجب اتباعها لإحداث مزيد من التطور فى قطاع الشركات المصرية؛ وكذلك لتدعيم استقرار أسواق المال فى مصر.

حوكمة الشركات

فى مصر

فى مصر..البنية التشريعية والتنظيمية لحوكمة الشركات متقدمة وفى تطور مستمر؛ ولكن يجب العمل على تطوير البنية المؤسسية؛ والارتقاء بأساليب الإدارة؛ وزيادة الوعى لدى الأفراد والفاعلين بالأسواق.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، هناك بعض الإجراءات التى تم اتخاذها لتدعيم الممارسات الجيدة فى السوق المصرية بالاتساق مع المعايير والقواعد العالمية منها:

§        استحداث نظام الكترونى للتداول

§        تطبيق النظام الآلى للتسوية والمقاصة والحفظ المركزى

§        وجود صندوق لضمان التسوية

§        إصدار قواعد جديدة للقيد بالبورصة

§        إصدار معايير للمحاسبة المصرية تتسق مع مثيلاتها العالمية

§        إلزام الشركات بتقديم تقارير مالية ربع سنوية

ومن ناحية أخرى فإن التحديات المحلية والعالمية تستلزم استكمال تطوير إطار عمل حوكمة الشركات فى مصر؛ ولذا فمن الخطوات الأخرى الواجب تفعيلها هى تطوير عدد من التشريعات المرتبطة بذلك مثل قانون الشركات الموحد وقانون سوق المال الجديد وقانون تنظيم مهنة المحاسبة والمراجعة وقانون تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار؛  وكذلك تطوير أداء القائمين على إدارة الشركات بإنشاء "مؤسسة المديرين" Institute of Directors من الأجل الارتقاء بأداء مجلس الإدارة وهو عصب فاعليات حوكمة الشركات؛ وذلك من خلال التأكيد على أهمية ووجود مديرين مستقلين، ووفاء حقوق المساهمين.

وفى النهاية، وبناءً على ما سبق تجدر الإشارة إلى إن حوكمة الشركات فى مصر تكتسب أهمية متزايدة لدى أوساط الاقتصاديين والقانونيين والخبراء والمحللين وذلك لما لها من تأثير على تطور كل من سوق المال، وقطاع الشركات المصرية التى تعد -وبحق- قاطرة التقدم والنمو؛ وذلك بما يعمل على تدعيم واستقرار الاقتصاد القومى، والارتقاء بمستوى معيشة المواطن المصرى، ورفاهة المجتمع ككل.


[2]  هناك عدد من المقترحات المطروحة: حكم الشركات– حكمانية الشركات– حاكمية الشركات– حوكمة الشركات– بالإضافة إلى عدد من البدائل الأخرى، مثل: أسلوب ممارسة سلطة الإدارة بالشركات، أسلوب الإدارة المثلى، القواعد الحاكمة للشركات، الإدارة النزيهة، وغيرها. وفى هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى إن هناك مؤيدون للاختيار الأول وفقاً لما ورد من تفسير مركز المشكاة؛ ولكن من ناحية أخرى تتفق عدد من  الآراء على استبعاد "حكم الشركات" (لما للكلمة من دلالة إن الشركات هى الحاكمة أو الفاعلة، مما قد يعكس المعنى المقصود). كما يتم استبعاد "حكمانية" لما يرتبط فى بنائها اللغوى من آنية أو تشابه وتماثل؛وهو ما يضيع المعنى المقصود. وكذلك يتم استبعاد "حاكمية" لما قد يحدثه استخدامها من خلط مع إحدى النظريات الإسلامية المسماة "نظرية الحاكمية" والتى تتطرق للحكم والسلطة السياسية للدولة. كما رؤى استبعاد البدائل المطروحة الأخرى لأنها تبتعد عن جذر الكلمة (ح ك م) فيما يقابل Governance باللغة الإنجليزية. ومن ثم فإن "حوكمة الشركات" على وزن (فوعلة) تكون الأقرب إلى مفهوم المصطلح باللغة الإنجليزية حيث تنطوى على معانى الحكم والرقابة من خلال جهة رقابة داخلية (Governing Body) أو هيئة رقابة خارجية (Regulatory Body)، كما إنها تحافظ على "جذر" الكلمة المتمثل فى (ح ك م)، حيث لا يمكن استبعاده إذا أردنا التوصل إلى مرادف للمصطلح. وتجدر الإشارة إن هذا المصطلح قد تم اقتراحه من قبل الأمين العام لمجمع اللغة العربية وقد استحسنه عدد من متخصصى اللغة العربية ومنهم من مركز دراسات اللغة العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. ولذا فمن المقترح استخدام "حوكمة الشركات" كمرادف لمفهوم Corporate Governance.  

[3]“IOSCO Recommends OECD Principles of Corporate Governance for Emerging Markets”May02,OECD-site

[4] OECD (2000), Principles of Corporate Governance

[5] Williams (1978), p.150, with reference to A.Berle and Gardiner Means (1932), The Modern Corporation and Private Property, New York: Macmillan

[6] Jensen, M.C. and W.H. Meckling (1976), ‘Theory of the Firm: Managerial Behavior, Agency Costs and Ownership Structure’, Journal of Financial Economics, vol.3, pp. 305-360

[7]  Fama (1980), “Agency Problems and the Theory of the Firm”, Journal of Political Economy, Vol. 88, pp 288

[8] Mitchell, Cunningham, Solomon (1996), Corporate Finance and Governance,  Carolina Academic Press

[9] Monks, Robert and Nell Minow (2001), Corporate Governance, Blackwell Business, Massachusetts, USA

[10] Winkler, Adalbert (1998), “Financial Development, Economic Growth and Corporate Governance”

[11] Zingales, Louigie (December 1997),  “Corporate Governance”, NEBR Working Paper, p.2

[12]  “Policies of Corporate Governance and Transparency in Emerging Markets” (February 2002), Institute of International Finance – IIF Equity Advisory Group

[13] Turnbull, Shann (1997), “Corporate Governance: Its Scope, Concerns and Theories”, Corporate Governance: An International Review, Blackwood, Oxford, vol.5, no.4, pp.180-205

[14] Hopkins, Michael (July 2000), “Corporate Social Responsibility – the Big Picture” cited at the Corporate Responsibility World – News Item (www.mhcinternational.com/big_picture.htm)

[15] Global Proxy Watch, Newsletter of International Corporate Governance and Shareowner Value, issues of November 8,15,22-2002