خلق فرص العمل
الجيدة .. احد التحديات فى امريكا اللاتينية
فيرجيليو ليفاجى
ازداد الاستياء الشعبى فى أمريكا اللاتينية بسبب تعثر مسيرة الإصلاح
التى وعدت بالكثير على مدى العقد الماضى. وكانت التغيرات الاقتصادية الكبرى
التى أدخلتها حكومات كثيرة آنذاك تتجاهل قضايا هيكلية أصبحت الآن تقض مضاجع
القادة المنتخبين فى المنطقة. ومن أبرز تلك القضايا إخفاق القطاع الرسمى فى
إيجاد فرص عمل جديدة تستوعب القوى العاملة التى يزداد عددها بسرعة فى مختلف
أنحاء المنطقة. وفى مؤتمر عقده مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE)
عن الإصلاحات فى أمريكا اللاتينية، ألقى السيد/ فيرجيليو ليفاجى كبير
المحللين فى منظمة العمل الدولية محاضرة سلطت الأضواء على فشل إصلاحات
التشريعات العمالية فى التعامل مع هذه القضية الحرجة. وفيما يلى عرض موجز
لهذه المحاضرة.
شهد العقد المنصرم قيام العديد من دول أمريكا اللاتينية بإدخال تغييرات كبيرة
على تشريعاتها العمالية لكى تصبح أكثر قدرة على المنافسة الشرسة التى تشهدها
الأسواق العالمية المتكاملة. إلا أنه من قبيل المبالغة أن نزعم أن التشريعات
العمالية فى أمريكا اللاتينية قد تغيرت تماما من تشريعات كانت تضمن فرص العمل
لكل شخص طوال حياته إلى نظام أكثر مرونة.
وفى إطار التقليد المكسيكى المسمى "الدستورية الاجتماعية" أدت عودة
الديمقراطية فى البرازيل والاكوادور وبيرو وهندوراس والسلفادور وجواتيمالا فى
التسعينات من القرن الماضى إلى صدور دساتير تنص تفصيليا على الكثير من
الضمانات المدنية والاجتماعية والسياسية. وكان الكثير من الاصلاحات المتعلقة
بالعمالة التى أدخلت إبان تلك الفترة استمرارا لتقاليد "الضمانات"، كما كان
الحال فى اثنين من قوانين العمل تبنتهما شيلى سنة 1991.
ولكن دولا عديدة أخرى كانت تسير فى الاتجاه المعاكس. وكما يحرص صناع السياسة
على دراسة الاصلاحات اللازمة لضمان استفادة عدد كبير من سكان دولهم من
العولمة، كان من الواجب عليهم أن يضمنوا لأبناء الشعب فرصة العمل الجيد.
أين كانت
البداية؟
كانت التعديلات القانونية الخاصة بتحقيق المرونة والنصوص التى طالت المزايا
العمالية تهدف فى المقام الأول إلى تخفيض تكاليف العمالة، انطلاقا من
الاعتقاد أن تخفيض مثل هذه التكاليف، سيؤدى إلى تخفيض الأسعار النهائية للسلع
وبالتالى إلى تمكين الشركات من زيادة قدرتها التنافسية على أساس أن تكلفة
العمالة تمثل نسبة كبيرة من إجمالى تكلفة الانتاج. والحقيقة أن تخفيض تكلفة
العمالة مقرونا بالمرونة الكبيرة فى تشغيل وفصل العمال جعل شركات أمريكا
اللاتينية أكثر قدرة على المنافسة بعد أن أصبحت تقدم أسعارا أفضل للأسواق
العالمية.
بدأ الاتجاه نحو المرونة فى عقود العمل فى البرازيل سنة 1966 عندما أنشئ
"صندوق ضمان مدة العمل" الذى حل محل النظام التقليدى الذى كان يحمى العمال ضد
الفصل من الخدمة. وظهرت مؤخرا عقود عمل ذات مدة محددة بسنتين فقط. ومن
الملاحظ أيضا أن المقاولين فى البرازيل يقومون بتدريب العمال وتطوير العلاقات
بين الشركات والجامعات كأسلوب من أساليب تدعيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وكذلك يتضمن قانون شيلى رقم 2000 الصادر سنة 1978 كثيرا من النصوص التى تمنح
الشركات مرونة أكثر فى تعيين وفصل العمال، ويوجد نفس الشيء فى الإصلاحات التى
أدخلتها كل من بيرو وكولومبيا فى مطلع التسعينات. وكانت شيلى – التى حققت
مكاسب تنموية ملحوظة ومستويات منخفضة من البطالة لمدة طويلة – أول من أنشأ
صناديق خاصة للمعاشات.
وكذلك يعتبر تطوير مكاتب وهيئات التوظيف الخاصة فى بعض دول أمريكا اللاتينية
إشارة واضحة إلى الاتجاه الجديد.
من أهم أهداف سن تشريعات عمالية تضمن المزيد من المرونة أن تكون علاقات العمل
الفردية والجماعية أكثر ديناميكية، وقد أدت الإصلاحات إلى تخفيض تكاليف
العمالة بعد أن أطاحت بالنظام القديم الذى كان يضمن الاستمرار والاستقرار فى
الخدمة وأضافت الكثير من الأسباب العادلة التى تسمح لأصحاب الأعمال بفصل
العمال دون مخالفة القانون.
لقد أصبح أصحاب الأعمال فى أمريكا اللاتينية - بفضل الإصلاحات الجديدة –
يتمتعون بمرونة أكبر فى جبهات كثيرة، فصار بوسعهم تشغيل العمال لمدة محددة،
وبإمكانهم تخفيض الأجور تبعا للتغيرات الاقتصادية أو تقلبات السوق أو الظروف
التكنولوجية، مما أدى إلى زيادة عدد الذرائع المشروعة التى تمكنهم من فصل
العمال. وأخيرا، أصبحت الشركات الآن تتمتع بحرية أكبر فى تحديد ساعات العمل
وجداول العمل وتكليف العمال بالقيام بأعمال مختلفة. ومن جهة أخرى تم إدخال
إصلاحات تسمح بتوظيف فئات معينة من العمال مثل العمال المتضررين من الاضرابات
أو شباب العمال الذين يفتقرون إلى الخبرة أو العمال الذين عانوا من البطالة
لمدة طويلة أو النساء العائلات لأسرهن.
ما تزال العمالة
تتعرض لضغوط كبيرة
إننا نمر بمرحلة نقاهة اقتصادية تحفها معدلات البطالة العالية، فبعد ركود
طويل ترتب على تطبيق سياسات التكيف الهيكلى فى معظم الدول، بدأت اقتصادات
أمريكا اللاتينية تسترد عافيتها منذ أواخر التسعينات. وتشير التقديرات
الحالية إلى أن المنطقة وهى تودع القرن العشرين حققت 4.3 % زيادة فى إجمالى
الناتج المحلى وشهدت زيادة فى الأجور (بنسبة 1.2% فى الأجور الصناعية و 0.5%
فى الحد الأدنى للأجور) نتيجة لانخفاض وتناقص معدل التضخم. ولكن معدل
البطالة سيظل على ما كان عليه فى العام الماضى (9%).
يقدر عدد العاطلين عن العمل فى منطقة أمريكا اللاتينية بنحو 19 مليونا، وتعد
فئات الشباب والنساء هى أكثر الفئات تعرضا للبطالة وخاصة شباب العمال الذين
تضاعفت معدلات البطالة بينهم وفقا لتقرير منظمة العمل الدولية سنة 2000
(Labor Review)
.
زادت معدلات التوظيف بدون عقود كما زاد عدد حالات التوظيف المخالفة للقوانين،
وحدث ذلك بالرغم من أن الأهداف المعلنة للمرونة ولإصلاحات قوانين العمل تضمنت
تقليل حالات التوظيف غير المسجل. ويمثل عدد الوظائف فى القطاع غير الرسمى فى
بوليفيا وكولومبيا وبيرو أكثر من 50 % من إجمالى الوظائف.
ومن أسباب زيادة العمالة فى القطاع غير الرسمى أن تكلفة التوظيف ما تزال
مرتفعة وخاصة بالنسبة للمؤسسات والمنشآت الصغيرة التى كانت أكثر القطاعات
ديناميكية في إيجاد فرص العمل خلال التسعينات. وعلى سبيل المثال، تشير دراسة
أجريت فى بيرو إلى أن 36% فقط من المؤسسات والمنشآت الصغيرة الخاضعة للمسح
لديها الموارد الاقتصادية والمالية التى تمكنها من الالتزام بشروط قانون
العمل. وعلاوة على ذلك، أفادت من 50% إلى 75 % من هذه المؤسسات أن أرباحها
سوف تنخفض إذا التزمت بجميع شروط قانون العمل.
ولعل الوضع العمالى فى الأرجنتين يصور الاتجاهات فى المنطقة بأسرها، وكان
الوضع فى الأرجنتين فى العام الماضى كالتالى: من بين كل 100 شخص من القوى
العاملة كان هناك 13 شخصا عاطلا عن العمل تماما ، و 12 شخصا يعملون بصفة
متقطعة ولا يحصلون على أى مزايا، و 20 موظفا يتقاضون رواتب ثابتة ولا يتمتعون
بأى مزايا أو بالأمان الوظيفى وكانت رواتبهم فى المتوسط تمثل نصف ما يتقاضاه
العمال فى الاقتصاد الرسمى، و 12 عاملا فى أعمال مستقلة لا يتمتعون بأى نوع
من أنواع المزايا ومنهم 40% فقط يتمتعون بالأمان الوظيفى. ولم يكن من
المستغرب فى ظل هذه البطالة المرتفعة فى الأرجنتين أن تتعرض بعض مناطق البلاد
للاضطرابات الاجتماعية.
المطلوب هو توفير فرص العمل الجيدة
كان الهدف الرئيسي فى بداية مرحلة التثبيت الاقتصادى والتكيف الهيكلى إبان
عقد التسعينات هو زيادة الكفاءة الاقتصادية والتوازن. أما الآن فإن الاعتقاد
المتزايد فى أمريكا اللاتينية هو أن السلام والرفاهية الاجتماعية يتوقفان إلى
حد كبير على الاستقرار الاقتصادى الذى يولد فرص العمل. وهناك بالفعل عدد من
دراسات الحالة التى أجريت على استراتيجيات أدت إلى زيادة الكفاءة الانتاجية
عن طريق خلق فرص عمل مستقرة بعقود طويلة الأمد. وأدت ترتيبات الاستقرار
الوظيفى إلى تمكين الشركات من تحسين برامج التدريب لنسبة كبيرة من عمالها
وإعادة تنظيم إنتاجهم لزيادة قدرتها التنافسية.
ولا ينبغى تفسير المناقشة التى تدور حاليا بشأن استقرار العمالة على أنها
تعبير عن العودة إلى "الضمانات" القديمة، بل على أنها تعبير عن الاعتقاد
المتزايد بأن المجتمع الحديث القادر على المنافسة والذى تسوده العدالة لا بد
أن يوفر فرص عمل جيدة ، أو بمعنى آخر فرص عمل لا تقتصر فقط على زيادة القدرة
الانتاجية ولكنها تقدم كذلك أجورا أعلى، ومزايا وظروف عمل أفضل. هذا
الاعتقاد هو السائد حاليا بين عدد كبير من ساسة أمريكا اللاتينية.
وليس من المستغرب إذن أن نسمع أسئلة تتردد فى كثير من أوساط أمريكا اللاتينية
مثل: إذا كانت الدولة قد حققت هذا القدر من التحسن، ما بالى أنا أتعرض لهذا
القدر من السوء ؟" وقد ترددت مثل هذه الأسئلة على نطاق واسع أثناء معظم
الانتخابات التى جرت فى مختلف دول المنطقة.
إن توفير أعمال جيدة بأجور ومزايا أفضل لن يضر بمصالح الشركات، فقد بينت
دراسات أجريت فى كل من الأرجنتين والبرازيل وشيلى والمكسيك وبيرو أن ارتفاع
تكلفة العمالة لم يكن عقبة أمام رفع القدرة التنافسية، لأن ارتفاع تكلفة
العمل تصحبه دائما زيادة القدرة الانتاجية. ومن ثم فإن زيادة تكاليف العمالة
لا يؤدى بالضرورة على تخفيض القدرة التنافسية طالما كانت مصحوبة بزيادة فى
القدرة الانتاجية. ومن ناحية أخرى، تشير تلك الدراسات إلى وجود ارتباط وثيق
بين القدرة التنافسية والعديد من بدائل الاقتصادات الكلية وخاصة فيما يتعلق
بسعر الصرف والأسعار النسبية.
العمالة فى الاقتصاد العالمى
يعتبر أكثر من نصف سكان العالم محرومين من شبكة الأمان الاجتماعى، وبالتالى
يبقون تحت رحمة القدر عند التعرض للمرض أو الاصابة أو الحمل أو البطالة أو
الشيخوخة أو الترمل. وفى العام الماضى زاد عدد الفقراء المسجل عنه فى سنة
1987 بدخول 200 مليون آخرين إلى دائرة الفقر. أما الآن فيوجد مليار شخص يعيش
الواحد منهم على دولار واحد فقط فى اليوم، كما أصبح دخل الفرد فى 80 دولة أقل
مما كان عليه قبل عشرة أعوام. وبالتالى، فليس من المستغرب أن يزداد عدد
التعساء فى العالم بسبب انتشار العولمة.
إن العولمة التى لم يسبق لها مثيل قد جعلت الحياة بالغة الصعوبة بالنسبة لعدد
لا يحصى من سكان العالم. ولما كانت العولمة وما يواكبها من تغييرات سريعة من
حقائق الحياة التى لا ترحم ، فإنه من الضرورى اتخاذ خطوات لتقليل ميلها إلى
إيجاد العزلة الاجتماعية وتفشى الظلم. وكما يقول الخبراء: "إذا كان لسوق
العولمة أن تبقى على قيد الحياة، فلا بد أن تكون فى صالح الجماهير، وسيكون
بمقدور الناس الاستفادة من العولمة إذا تمكنوا من الحصول على أعمال جيدة".
وهذا يضع العمل فى بؤرة الأجندة العامة للعولمة، ووفقا لبرنامج الأمم المتحدة
التنموى فإن "أفضل طريقة بالنسبة لغالبية الناس للمشاركة فى السوق إنما تكون
من خلال التوظيف، لأن العمل لا يمدهم بالقوى الاقتصادية وحدها، بل وبالقوة
الاجتماعية والسياسية كذلك". والعمل الجيد فقط هو الذى سيمكن القرية الكونية
أن تكون ساحة للتحضر لا للوحشية، ومجالا للتقدم لا للفقر، وأرضا خصبة للأمل
لا لليأس. وكما قال الاقتصادى آمارتيا سين
Amartya Sen الحائز على جائزة نوبل فى كتابه
الأخير "التنمية والحرية
Development and Freedom
" : من الضرورى وزن اعتبارات الكفاءة الاقتصادية مقابل نتائجها الاجتماعية
داخل إطار أخلاقى.
ليست العولمة شيطانا رجيما، بل ينبغى إدارتها بمبادئ أعلى لكى يتم توجيه
ديناميكيتها لتحقيق غايات إيجابية. والقضية الحالية بالنسبة لأمريكا
اللاتينية هى إيجاد فرص العمل الجيدة دون الرجوع إلى حقبة كانت فيها الوظائف
مضمونة إلى الأبد بصرف النظر عن أداء العامل. ومن الممكن أن يساهم هذا النوع
الجديد من التوظيف مساهمة فعالة فى تدعيم الديموقراطية السياسية والاقتصادية
فى هذه المنطقة. |