الطريق الآخر: الرد الاقتصادى على العنف

حوار مع هيرناندو دي سوتو

Hernando De Soto هو رئيس معهد الحرية والديمقراطية فى ليما (بيرو) ومؤلف كتاب:

 "سر رأس المال: لماذا تنتصر الرأسمالية فى الغرب وتفشل فى كل مكان آخر"

The Mystery Capital: Why Capitalism Triumphs in the West and Fails Everywhere Else

وكتاب: "الطريق الآخر: الرد الاقتصادى على الارهاب"

The Other Path: The Economic Answer to Terrorism

وتحتوى الطبعة الأخيرة من كتاب "الطريق الآخر" على مقدمة حددت الاستراتيجية الناجحة التى استخدمها معهد الحرية والديمقراطية  لتفنيد مزاعم "الدرب الساطع".  مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) يعمل مع معهد الحرية والديمقراطية ويساند أنشطته منذ 1984وقد تم هذا اللقاء مع السيد/ هرناندو دى سوتو فى الحادى عشر من سبتمبر 2002م.

فى مقدمة كتاب "الطريق الآخر" أوردتم مقتطفات من كلمات ابيمايل جوزمان Abimael Guzman مؤسس جماعة الدرب الساطع الإرهابية الذى أنحى باللوم على معهد الحرية والديمقراطية واتهم أعمال المعهد بأنها كانت سببا فى هزيمة حركته.  وكنت أتساءل عن ردود فعل المنظمات التى تساند العنف والمنظمات الشيوعية الماركسية إزاء التحديات التى طرحها المعهد ولماذا اعتقدت أن رسالتك أصبحت بمثابة تهديد كبير لهذه الجماعات؟

هيرناندو دى سوتو: وصفنا ابيمايل جوزمان الذى كان يرأس حركة الدرب الساطع الإرهابية بأننا "العدو الأساسى" لهذه المنظمات، ونسف مكاتبنا فى ليما بأكثر من 500 كيلوجراما من الديناميت، وكانت سياراتنا ومكاتبنا دائما عرضة لنيران المدافع الرشاشة لأننا كنا نعتبر دعاة إصلاح، الإصلاحيون هم ألد أعداء الماوية أو الماركسية اللينينية لأن الاصلاح يهدف إلى تقليل التناقضات الموجودة فى المجتمع.    نحن ندرك أن الذين يلجئون لاستخدام العنف يستمدون قوتهم من الأمل فى إقصاء معظم أبناء الشعب عن النظام السياسى الحالى ليتمكنوا من تجنيدهم واستخدامهم كقاعدة يرتكزون عليها.  وعلى هذا تكون الآلية الحاسمة ضد العنف هى تلك التى تجعل أولئك  المبعدين يشتركون فى عمليات الإصلاح السياسى لكى يصبح لهم صوت، ولكى يشتركوا فى عمليات إصلاح الملكية حتى يتمكنوا من العمل والنجاح فى السوق.   وبذلك حرمنا انصار العنف من فرصة تجنيد التعساء من أبناء الشعب فى صفوفهم.  وكنا مصدر تهديد لهم على الجبهة الايديولوجية أيضا لدرجة أن جوزمان أعلن فى صحيفته الرسمية أنه غير قادر على التجنيد بسبب كتاب "الطريق الآخر" الذى كان واسع الانتشار فى الجامعات.  ومن الناحية العملية، بدأت جميع المنظمات الشيوعية التقليدية (مثل نقابة عمال النقل) تتخلى عن الفكر الشيوعى علانية وتنشر ذلك فى إعلانات الصحف.  وبهذه الطريقة كانت تعلن انفصالها عن منظمة "الدرب الساطع" وتؤكد اتجاهها نحو "الطريق الآخر".

النتائج هى الأهم

أعمال هيرناندو دى سوتو هى التى:

-        ألحقت الهزيمة بمنظمة الدرب الساطع الارهابية فى بيرو.

-        وأعطت 4 مليون من أبناء شعب بيرو الحق القانونى فى امتلاك أراضيهم.

-        وقادت الجهود لرد انقلاب الرئيس فوجيمورى.

-        وأعادت بيرو إلى النظام المالى العالمى.

-        وأعطت نحو مليون من مواطنى السلفادور الحق القانونى فى امتلاك أراضيهم.

-        وأضفت الصفة الرسمية على أكثر من 300 الف شركة فى بيرو.

أعلن فين ويبر Vin Weber رئيس "الوقفية الوطنية للديمقراطية" وعضو الكونجرس السابق فى كلمة ألقاها مؤخرا فى احد الندوات التى نظمها المركز أن من رأيه أن العنف لم ينشأ أساسا بسبب الفقر لكن بسبب اليأس، وخاصة عندما يشعر الناس أنه ليس هناك أمل فى تغيير مؤسساتهم السياسية أو الاقتصادية.  هل هذا يشرح لماذا يتحول أشخاص حاصلين على تأهيل علمى عالى إلى العنف؟ هل تكون رسالة معهد الحرية والديمقراطية  هى الدواء الناجع للعنف لأنها تقدم لليائسين الأمل فى التغيير والإصلاح؟

هيرناندو دى سوتو: إننى متفق تماما مع السيد/ويبر، فالفقراء مسالمون جدا بصفة عامة.  أما الناس الحانقون فهم المبعدون، و ينتابهم اليأس لأنهم مبعدين، ومن الممكن أن يتحولوا إلى التطرف العنيف.  الحل هو أن تعطيهم الأمل، ولكى تفعل ذلك لا بد أن تتفاعل معهم.  ويعنى هذا – على المستوى المؤسسى –  تعزيز قيام الديمقراطية وفتح الفرص التى يمكن أن توفرها السوق الكبيرة.  وأعتقد أن اقتراح معهد الحرية والديمقراطية يعتبر مدخلا يؤدى إلى هذا الحل.  ففى وقت من الأوقات كانت جماعة الدرب الساطع فى بيرو تضم أكثر من 80 الف مسلحا متمردا، ثم تعرضت لهزيمة ايديولوجية لم تحدث فى ميدان القتال بل تمثلت بكل بساطة فى إعطاء اليائسين بارقة أمل.  لقد بدأنا تعديل النظام القانونى للسماح بالمشاركة الشعبية والمبادرات الخاصة.

أعتقد أن المؤسسة الأساسية هى قانون الملكية

أسستم معهد الحرية والديمقراطية   سنة 1984 للبدء فى تحديد واستكشاف الحلول لمشكلة عدم نجاح الرأسمالية فى بيرو وفى دول نامية أخرى.، فهل تعتقد أنكم وجدتم الإجابة وحددتم ما ينبغى عمله؟

هيرناندو دى سوتو: أعتقد أننا وجدنا بعض الأجوبة التى تدور فى مجملها حول مجموعة من القواعد أو القوانين المشتملة على عناصر رئيسية من نظام اقتصاد السوق الحر أو النظام الرأسمالى.  وهذه هى نفس القواعد التى تسمح للناس بالاستفادة من مبادرات مشاريعهم الطبيعية.  لقد وجدنا أن نقطة الدخول فى عالم الاقتصاد ترتبط ارتباطا وثيقا بقانون الملكية، لأن أولئك المبعدين، وخاصة الفقراء، سيفهمون قواعد القانون وقواعد اللعبة بشكل أفضل إذا كانت تؤثر على أهم الأشياء بالنسبة لهم: أى الأرض والمنازل التى يمتلكونها والشركات التى يشغلونها. 

أما على الجانب السياسى فإن المشاركة تعتبر عاملا حاسما، ولن تنجح الرأسمالية إلا إذا استمرت فى الحصول على معلومات مرتدة من السوق حول كيفية إعمال هذه القواعد.  إن الديمقراطيات الجزئية، مثل تلك التى توجد فى بيرو الآن، والتى تقتصر على الانتخابات ولا تسمح بالمشاركة فى أعمال الحكومات، تحرم الحكومة من المعلومات التى تحتاج إليها لإعمال قواعد القانون ومن المحاسبة والمساءلة الضرورية لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

حيث أنكم تولون المؤسسات أهمية كبيرة، أرجو إعطاءنا فكرة عن المؤسسات الرئيسية ولماذا لا توجد فى الدول النامية؟

هيرناندو دى سوتو: أعتقد أن المؤسسة الرئيسة هى "قانون الملكية".  والسبب فى عدم وجودها حتى الآن فى الدول النامية هو أن كثيرا من هذه الدول تستخدم القانون الدستورى statutory law أو القانون المدنى.  إن الدول التى تتبع القوانين المدنية فى الغرب لم تطور أنظمتها القانونية بصفة تلقائية ومن المحتمل أن يكون الأمر كذلك بالنسبة للدول النامية.  وكان لزاما على دول أوروبا الغربية التى تطبق القانون الرومانى مثل فرنسا وألمانيا إدخال إصلاحات مدروسة للانتقال من الاجراءات القانونية الكنسية والميركنتلية[1] إلى نظام قانوني يفسح المجال لكل من الملكية والديمقراطية.   وما أعمال إعادة الهندسة الاجتماعية والقانونية الضخمة التى شهدتها ألمانيا فى القرن التاسع عشر أو ما فعلته فرنسا بقوانينها المدنية إلا ثورات لم تعرفها بعد الدول النامية. 

وأعتقد أن هناك أسباب أخرى أيضا منها أن الاصلاحات الأوروبية جاءت نتيجة للهجرات الكبيرة التى أحدثت الضغط الذى انتهى بسقوط الأنظمة الإقطاعية والكنسية وأجبر الأوروبيين على إعادة التفكير فى أنظمتهم الاجتماعية مع تعرض مدنهم ومراكزهم الحضرية للنمو.  ولكن معظم الدول النامية لم تتعرض لظاهرة الهجرة والضغط إلا خلال الخمسين سنة الماضية، ولهذا أعتقد أننا الآن جاهزون للإصلاح.

ويرجع السبب فى الصعوبة التى تجدها الدول المتقدمة فى مساعدتنا على تنفيذ هذه الاصلاحات إلى أن شعوب أوروبا وأمريكا الشمالية التى كانت تعرف شيئا عن هذه الاصلاحات كانت تعيش فى القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، أما الذين يعيشون فى القرن الحادى والعشرين فقد نسوا كل شيء عنها. 

قدمتم توصيات محددة لمساعدة الفقراء على تسجيل مؤسساتهم حتى يتمكنوا من اللحاق بركب الاقتصاد القانونى، فهل وجدت معظم توصياتكم سبيلها إلى التنفيذ؟

هيرناندو دى سوتو: وجدت معظم توصياتنا سبيلها إلى التنفيذ، لكن لم يتم حل المشكلة بالكامل.  إن معهد الحرية والديمقراطية هو الذى صمم، فى الأساس، وأدار عملية إصدار قانون الملكية وأنظمة تسجيل الملكية المعمول بها حاليا فى بيرو، وكانت عملية ناجحة.   ومعظم الاصلاحات التى اقترحناها على المستوى السياسى موجودة حاليا فى الدستور بما فى ذلك فترات الملاحظة والاشعارات، ونظام التحقيق فى الشكاوى، وأنظمة القابلية للمحاسبة، واجراءات تحليل تكلفة وفائدة التشريع قبل تنفيذه، الخ.   المشكلة أن الدستور لا يتم تنفيذه فى الكثير من الحالات، بينما يتم تنفيذه بصفة جزئية فى الحالات الأخرى.

وهذا بطبيعة الحال مخيب للآمال، لكن المهم هو أن إصلاحاتنا أصبحت دائما جزءا من الأجندة الوطنية.  وعلى سبيل المثال، كنا نطالب بإصلاح لا غنى عنه يتعلق بحق الوصول إلى المعلومات العامة، وبعد عدة سنوات بدأ الكونجرس فى تنفيذ هذا الاصلاح.  وقد يمر عقد أو عقدان من الزمان قبل أن يتبنى النظام كل ما بدأناه بالكامل. 

تهتمون كثيرا بالأسباب الكامنة وراء عدم تمتع الفقراء بحقوق الملكية والأسباب التى تؤدى دائما إلى فشل نظام إعادة التوزيع.   فما هى توصياتكم؟ وهل وضعت أفكاركم موضع التنفيذ فى بيرو؟

هيرناندو دى سوتو: لقد نجحنا، بمعنى أن ملكية 75% تقريبا من العقارات وأصول الشركات فى المناطق التى سمح لنا أن نعمل فيها وهى على وجه الخصوص القطاعات الحضرية فى بيرو قد أصبحت قانونية.  ولكننا نفتقر الآن إلى التشريعات والقواعد التى تربط حقوق الملكية بتكوين رأس المال ومنها الائتمان والأوراق المالية، وتنفيذ الرهونات، والأساليب الاستثمارية المالية الأخرى. 

لقد أدخلنا معظم الناس فى الاقتصاد الرسمى، ولكن يتبقى أن نعطيهم الأدوات التى تجعل حقوق الملكية تضفى على أصولهم القوة المناسبة.  والواقع أن معظم الاصلاحات مصممة جيدا وأننا نسير على الطريق، لكننا نسير ببطء شديد للأسف.

منذ أن بدأ معهد الحرية والديمقراطية عمله فى بيرو، قام بتنفيذ عدة مبادرات فى كل من السلفادور وهاييتى ومصر والفيليبين ودول أخرى، فماذا أسفرت عنه هذه الجهود حتى الآن؟

هيرناندو دى سوتو: كانت كلها مشروعات على مراحل مختلفة.  ففى حالة السلفادور مثلا، أسفرت المبادرة التى بدأناها قبل عشر سنوات عن إضفاء الصفة الشرعية على ربع مليون قطعة أرض كانت تعتبر قبل ذلك ملكية غير قانونية.  وهذه العملية فى تزايد مستمر، ومن المتوقع أن يتمكن نحو مليون من الفلاحين وغيرهم من تملك أراضيهم بصفة قانونية خلال العام المقبل.  ويسجل الشهر العقارى فى السلفادور فى الوقت  الحالى عمليات رهن بحوالى 800 مليون دولار فى السنة.

وفى هاييتى عملنا مع الحكومة لإكمال تشريع سيغير النظام القانونى ليشمل الفقراء، ونأمل أن يصدر البرلمان الهاييتى هذا القانون الذى سيسمح لنا بالبدء فى تنفيذ الاصلاحات قبل بداية العام المقبل.  وفى الفيليبين لم تصل عملية الإصلاح إلى مرحلة التطور بعد، أما فى مصر فإن عملية الاصلاح ستكون جاهزة للتنفيذ فى أوائل 2003.   ومن المهم أن نفهم أن عملية الإصلاح بأسرها بما فى ذلك عمليات الجرد التى ينبغى اجراؤها للأصول الموجودة فى الدولة حاليا خارج نطاق القانون والمنظمات غير الرسمية التى يجب مطالبتها بالمشاركة سوف تستغرق مدة لا تقل عن خمس سنوات.

وماذا تبقى على اكتمال المرحلة الأخيرة من الاصلاح فى بيرو وهى على وجه التحديد تحسين الوصول إلى رأس المال؟

هيرناندو دى سوتو: أعتقد أن القيادة تعتبر عنصرا حاسما لأى برنامج إصلاحى.  فإذا كان رئيس الدولة لا يفهم الإصلاحات ولا يقوم بدور نشط فيها، فلن تجد سبيلها إلى التحقيق.  وقد تكون لديك أفضل الخطط فى العالم كله، ولكنها لن تتحقق إذا كانت القيادة السياسية لا تفهمها ولا تؤيدها، أو على أحسن الظروف سيتم تحقيقها بمنتهى البطء.  مشكلتنا الآن فى بيرو أن رئيس بيرو الحالى فقد قيادته، فلم يعد يحظى بثقة 80% من المواطنين، وأعتقد أنه يعانى دائما من مصاعب شخصية فى فهم معنى تأثير المؤسسات.  أعتقد أنه رجل طيب، لكن تعوزه القدرة على استيعاب الأفكار المجردة.

منذ نشر كتابيكم، تعرضت أمريكا اللاتينية لسلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية كان آخرها فى الأرجنتين التى كانت نموذجا للإصلاح.  ما تأثير هذه الأزمات على التزام المنطقة بالمثاليات الديمقراطية وعلى قدرة مؤسسات أمريكا اللاتينية على تعزيز اقتصاديات السوق التنافسية؟

هيرناندو دى سوتو: ما تزال المنطقة ملتزمة بالمثاليات الديمقراطية واقتصاديات السوق التنافسية، وقد تم مؤخرا انتخاب الفارو يوريبى Alvaro Uribe رئيسا لكولومبيا، وهو شديد الالتزام بالديمقراطية واقتصاد السوق.   وهناك أدلة أخرى على قوة الديمقراطية فى أمريكا اللاتينية مثل  انتخاب جونزالو سانشيز دى لوزادا de Luzada Gonzalo Sanchez الديمقراطى الملتزم باقتصاد السوق فى بوليفيا، واحتمال فوز لويز لولا دا سيلفا Luiz Inacio Lula da Silva فى البرازيل الذى أعلن تمسكه بالديمقراطية وباقتصاد السوق.

أما الأزمات فتدل على عدم كفاية إصلاح الاقتصادات الكلية التى تمت حتى الآن، إذ لا يكفى أن تحدد استقرار العملة كهدف سياسي إذا لم تكن لديك الوسائل الديمقراطية التى تمكنك من السيطرة على نفقات الساسة.   وفى حالة الأرجنتين، من الواضح جدا أن كثيرا من الساسة وخاصة فى إدارات الأقاليم كانوا ينفقون أكثر مما ينبغى حتى حدث العجز المالى الذى هبط بالعملة المحلية إلى الهاوية.  وعندما يكون الساسة غير قابلين للمساءلة والأرقام مفتقرة إلى الشفافية والناس لا يتمتعون بحقوق الملكية بما يكفى لتعزيز أصولهم المادية، فإن أى قدر من التقدم فى الاقتصادات الكلية لن يكون مجديا لأنك بكل بساطة لن تتمكن من السيطرة على الإنفاق ولن تستطيع إطلاق العنان لجميع القوى التى تعمل على إنجاح اقتصاد السوق.  وحسب تصريح لدومينجو كافاليو Domingo Cavallo وزير المالية السابق فى الارجنتين فإن نحو 50% من الأرجنتينيين ليست لديهم حقوق ملكية واضحة وقابلة للتحويل.

استراتيجية الإصلاح لمعهد الحرية والديمقراطية 

معهد الحرية والديمقراطية هو منظمة أهلية ومقره الرئيسى فى ليما (بيرو) ويعمل مع رؤساء الدول النامية لتنفيذ إصلاح السياسات المؤسسية التى تمكن الفئات المستبعدة عن المشاركة فى الاقتصاد الوطنى والعالمى بصفة عامة.  ومن المفروض أن يتمتع هؤلاء الناس الذين يمثلون أكثر من 70% من سكان العالم بحقوق الملكية بصفة قانونية وأن يتم السماح لهم بإطلاق قدراتهم المحبوسة فى الأصول المتراكمة لديهم.

ويحتوى برنامج المعهد على المكونات الأربعة التالية:

  1. إصلاح قانون الملكية – المهندس المعمارى المستتر للرأسمالية -  ليشمل غالبية الناس.

  2. استخدام سلطة القانون للسماح لأصحاب المبادرات الخاصة بالمشاركة فى الرأسمالية.

  3. تزويد رئيس الدولة بالأدوات والدافع السياسى لتنفيذ إصلاحات رأسمالية وتبنى قضية القطاع الأكبر من السكان وهم الفقراء.

  4. تزويد الحكومات بخطة خماسية المراحل للتحول إلى الرأسمالية الشعبية.

تحدثت فى كتابك "سر رأس المال" عن أهمية وجود حماية أقوى لحقوق الملكية فى الدول الغربية وعن تطور هذه العملية على مدى مئات السنين، فكيف يمكن للدول النامية أن تسير فى قفزات سريعة نحو حماية أقوى لحقوق الملكية بحيث لا يستغرق تطويرها نفس هذه المدة؟

هيرناندو دى سوتو: لدينا الكثير من الأمثلة على دول قفزت قفزات تنموية.  من أواخر الثلاثينات من القرن الماضى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان نصيب الفرد من إجمالى الناتج المحلى فى اليابان أقل منه فى بيرو بنسبة 20%.  وقد هاجر اليابانيون بالملايين ومنهم أسرة الرئيس فوجيمورى إلى بيرو والبرازيل التى كان نصيب الفرد فيها من إجمالى الناتج المحلى أعلى منه فى اليابان. 

والآن أصبح نصيب اليابانى من إجمالى الناتج المحلى أعلى خمس أو ست مرات على الأقل منه فى بلادنا لأن اليابان قفزت إلى نظام للملكية الذى وضعته فى الأساس للتصدى لقوات الاحتلال الأمريكية، كما حدثت عملية مماثلة فى كل من تايوان وكوريا الجنوبية.  وفى بداية القرن العشرين كانت سويسرا هى أفقر دولة فى أوروبا الغربية إلى أن أعادت هندسة نظام الملكية بوضع القانون المدنى سنة 1908 والانطلاق به نحو الرخاء.

لقد درسنا جميع هذه التحولات عن كثب، ونحن نعمل فى جميع أنحاء العالم على أساس هذه الخبرات والمشروعات الخاصة بنا.  وبمعنى آخر، هناك خطة أساسية، ونحن نسير عليها.

جاء فى مقدمة الطبعة الجديدة لكتاب "الطريق الآخر" أن هناك حربا طبقية فى بيرو ولكنها تتميز بأنها تسير فى خط رأسى وليست فى خط أفقى.  هل يمكن أن تصف لنا ماذا تقصد بذلك؟ وكيف تكون هذه الحرب الطبقية مسئولة عن الاتجاهات الشعبية التى ظهرت فى مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية؟

هيرناندو دى سوتو: اعتقدت جماعة "الدرب الساطع" الماركسية أن فى بيرو خطا أفقيا يفصل أصحاب المشروعات الخاصة الذين يمتلكون وسائل الانتاج عن البروليتاريا العريضة التى لا تملك إلا ما تقدمه من عمل.   إلا أن بحثنا أثبت أن البروليتاريا الرسمية فى بيرو لا تزيد عن 5% من سكانها وأن 70% من سكان بيرو كانوا من أصحاب المشروعات.  ولم يكن الخط الفاصل بين البروليتاريا وأولئك الذين يمتلكون وسائل الانتاج خطا أفقيا، ولكنه خط رأسى بفصل بين من يمتلكون وسائل انتاج ويتنافسون فى سوق مفتوحة خارج النظام القانونى ومن يمتلكون وسائل انتاج ولديهم قدرة الوصول الى الحكومة ويلقون تأييدا من القانون الرسمى للدولة.  ولذلك كان التحدى هو تدمير ذلك الخط الرأسى حتى يتمكن الجميع من التنافس وتتاح لهم الفرصة لتوليد الثروة وزيادتها بنفس قواعد اللعبة.  هذه الحقيقة أبطلت مزاعم منظمة "الدرب الساطع" بوجود صراع طبقى وأدت فى النهاية إلى هزيمتها.

معهد الحرية والديمقراطية   يصمم إصلاحات قانونية كبرى

إصلاح اجراءات اتخاذ القرار:

أصبح توصيل صوت الشعب إلى عملية وضع القوانين بمثابة وضع سياسى مثالي فى بيرو بعد أن أكمل معهد الحرية والديمقراطية   مشروعه الأول وتسلم الرئيس بيلارد مسودة تشريع يستهدف جعل واضعى القوانين على علم بهموم الجماهير وجعلهم مطالبين بإعطاء الشعب القرصة لابداء الرأى حول مسودات القوانين وتأثيرها.

تنشيط أول محقق فى الشكاوى فى بيرو:

فى 1984 نفذ المعهد حملة لإيجاد محقق وطنى مستقل فى الشكاوى يمثل مصالح المواطنين حتى ولو كانوا فى منتهى الفقر.ولم تكن مجهودات المعهد عبثا فقد نص دستور 1993 على إنشاء "مكتب للشكاوى له كيانه المستقل".

الحصول على المعلومات العامة:

واصل المعهد جهوده طوال عقد الثمانينات لكى تكون حكومة بيرو أكثر قابلية للمساءلة أمام الشعب.  وبعد سبع سنوات، وعلى وجه التحديد سنة 1993، صدر الدستور متضمنا القانون المقترح.

إضفاء الصبغة القانونية على الملكية غير الرسمية:

شن المعهد حملة لاستكشاف الرأى العام بشأن الترتيبات القانونية غير الرسمية التى يتبعها الناس لضمان وتحويل الأصول التى يمتلكونها فى القطاع غير القانونى.  المعلومات التى تم الحصول عليها من تلك الاجتماعات ساعدت المعهد على صياغة "قانون السجل العقارى" الذى  تبناه البرلمان بالاجماع.

التبسيط الإدارى:

وضع المعهد مسودة قانون واستراتيجية إدارية للقضاء على الاجراءات الروتينية وتسهيل الإصلاح المؤسسى لحل مشكلة الوقوف فى صفوف طويلة، والمعاملات الورقية، والاجراءات شديدة البيروقراطية التى كانت تجعل معظم أبناء الشعب يضيعون الوقت والمال، إضافة إلى الخسائر التى تلحق بالنشاط الاقتصادى.وتحولت هذه المسودة إلى قانون بعد أن وافق عليها الكونجرس وجميع الأحزاب السياسية بالاجماع.

سجل الشركات الموحد:

فى سبتمبر 1990 قدم المعهد إلى رئيس الجمهورية مسودة قانون تهدف إلى تقليل الوقت اللازم للحصول على ترخيص قانونى لإنشاء مشروع.  وأدى إنشاء هيئة حكومية جديدة إلى إحداث تخفيض هائل فى عدد الشروط القانونية وفى التكاليف.  وبعد أن كان استخراج التصريح يستغرق 300 يوما أصبح يستغرق يوما واحدا كما انخفضت التكاليف إلى السبع تقريبا. 

استخراج تصريح من البلدية:

فى مايو 1990 اقترح المعهد على جميع البلديات فى بيرو إصدار أمر عام لتبسيط الحصول على تراخيص التشغيل من البلدية.  وتبنت 10 بلديات النموذج الذى اقترحه المعهد وبالتالى انخفضت تكاليف الحصول على ترخيص لمشروع من 690 دولار إلى 70 دولار وانخفضت مدة الاجراءات القانونية من شهرين إلى يوم واحد.

نظام التحكيم:

لإنشاء نظام لفض المنازعات يمكن للفقراء الوصول إليه، درس المعهد أوجه القصور الموجودة فى النظام القانونى الحالى والآليات التى يستعملها الفقراء أنفسهم خارج النظام القانونى لفض منازعاتهم بكفاءة.  ووضع المعهد مسودة قانون للتعامل مع هذه المشكلة، وتم تضمينها قانون التحكيم العام رقم 25935

وما علاقة هذه الحرب الطبقية الرأسية بالاتجاهات الشعبية التى نراها الآن فى أمريكا اللاتينية؟

هيرناندو دى سوتو: أعتقد أنه فى حالة بيرو لم يكن الذين نفذوا الإصلاح الاقتصادى قادرين على أو راغبين فى تلبية الحاجة إلى إصلاحات قانونية.  وجاء هذا التراخى من اليسار القديم.  وبينما كان اليسار القديم فى بعض الدول مثل شيلى يقوم بدمقرطة الرأسمالية، كان اليسار القديم فى بيرو لسوء الحظ يصر على عودة السياسات الشعبية القديمة الفاشلة التى كانت موجودة فى عقد الثمانينات، ولهذا السبب لن يكتب له الاستمرار.  أعتقد أن تجربة شيلى، مثلها مثل العمل الجديد فى المملكة المتحدة، تشير إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون اليمين هو الذى ينفذ إصلاحات السوق العميقة التى تصل إلى الشعب.  بل يمكن أن ينفذ هذه الإصلاحات اليسار المرتد.  الحركات الشعبية التى تراها الآن فى أمريكا اللاتينية ما هى بكل بساطة إلا محاولة من اليساريين السابقين لإيجاد طريقة تنشر فوائد الرأسمالية لتتكيف أهدافهم الاجتماعية مع النموذج الرأسمالى.

 

الإصلاحات المطلوبة لإيجاد إطار

قانونى لتمكين كل شخص من التنافس فى مجتمع رأسمالى لا بد أن تبدأ من

إصلاح قانون الملكية

 نسمع فى الأخبار مزاعم الكثيرين أن إصلاحات السوق قد فشلت فى أمريكا اللاتينية.  ورغم ذلك وصفتم بيرو على سبيل المثال بأنها لم تتجاوز فى تقدمها اقتصاد المركنتلية.  أرجو توضيح وجهة نظركم مع شرح معنى ذلك بالنسبة للجهات المانحة الدولية التى تسعى إلى تقوية المؤسسات الديمقراطية واقتصادات السوق؟

هيرناندو دى سوتو: لم تفشل إصلاحات السوق فى أمريكا اللاتينية لأنها لم توضع تحت الاختبار.  الذى وضع تحت الاختبار فى أمريكا اللاتينية هو إصلاح الاقتصاد الكلى.  ولكن الاصلاحات المطلوبة لإيجاد إطار قانونى يمكن كل شخص من التنافس فى مجتمع رأسمالى لا بد أن تبدأ من إصلاح قانون الملكية. 

الملكية فى الغرب شيء مسلم به تماما، ولذلك يتم تكريس مبالغ كبيرة من المساعدات الخارجية فى مجال حق ملكية الأراضى.  وبالنسبة لنا فى معهد الحرية والديمقراطية، تعلمنا أن نظام الملكية الجيد لا يتوقف عند حد حماية الملكية، ولكنه يمثل المهندس المعمارى المستتر الذى يتولى بالفعل تنظيم اقتصاد السوق الرأسمالى الآمن.  إن قانون الملكية هو الذى يوفر إطار القواعد التى تنظم السوق وحقوق الملكية والسجلات، ويحقق هوية الناس والشركات والمنظمات التى تشكل أساس الآلية التعاقدية التى تسمح للوكلاء الاقتصاديين بتبادل السلع والخدمات فى السوق على اتساعها.  أو بمعنى آخر، إن قانون الملكية هو الذى يقدم وسائل إنفاذ القوانين والعقود ويسهل الاجراءات التى تسمح للمواطنين بتحويل أصولهم إلى رأسمال يمكن زيادته من خلال الائتمان والاستثمار.

المشكلة أن هذه الإصلاحات لم تتم بعد، وليس هذا فقط، لأنك إذا درست بنود ميزانيات جميع برامج المساعدة الأجنبية الثنائية من أى دولة متقدمة أو حتى من المؤسسات المالية الدولية لن تجد بندا واحدا مخصصا لها.  إن الثورة الأساسية الحقيقية للسوق لا بد أن تكون ثورة الملكية، فهى تشمل جميع من يمكنهم الوصول إلى أصول وتساعدهم على الوصول إلى السوق.

 إنك لن تجد فى الولايات المتحدة أحدا يقود قطيعا من 100 الف رأس من الماشية إلى بورصة شيكاغو، ولن ترى فى وول ستريت من يبيع أجهزة الكمبيوتر أو اسطوانات البرامج لأن جميع الصفقات تتم فى الأساس على أوراق ملكية تمثل الأصول.  ولن يمكن للسوق أن تعمل دون نظام للملكية يمثل الأصول.  لكن هذه الثورة لم تبدأ حتى الآن فى الدول النامية.  (لمزيد من التفاصيل نرجو زيارة:  www.ild.org.pe  )

بعض الجوائز التى نالها معهد الحرية والديمقراطية 

 -  جائزة السلام السويسرية، قدمها الرئيس السويسرى فى سانت جاللين سنة 1995، للقضاء على الارهاب.

-  جائزة أنتونى فيشر، قدمها معهد الشئون الاقتصادية فى لندن سنة 1990 اعترافا بالاصلاحات الاقتصادية المنفذة. 

- جائزة آدم سميث، قدمتها الجمعية الأمريكية لتعليم المؤسسات الخاصة سنة 2002، اعترافا بالاصلاحات القانونية التى تمت فى جميع أنحاء العالم. 

-   جائزة كير كندا للفكر التنموى الممتاز، وقدمت فى أوتاوا فى ابريل 2002 اعترافا بمساعدة الفقراء على الأرض. 

 

"يتضمن كتاب سر الأرض إمكانيات جديدة هائلة لإحداث ثورة مفيدة لأنه يخاطب أعظم سبب لفشل العالم النامى والدول الشيوعية سابقا وهو نقص القوانين التى تضمن الملكية الخاصة وتعتبر إطارا للمؤسسات الخاصة.  ويجب أن تكون قراءته إجبارية لكل مسئول عن ثروات الأمم".

ارجريت تاتشر

رئيسة وزراء المملكة المتحدة سابقا

 

"أثبت دى سوتو بطريقة عملية أن الأصول التى ليست مسجلة تعتبر وسيلة بالغة التأثير فى زيادة التنمية الاقتصادية للمجتمع.  لقد قدم للساسة مشروعا يمكن أن يساهم فى تحقيق الرفاهية لشعوبهم وأن يغير موقفهم السياسي فى نفس الوقت.  ويالها من تركيبة عجيبة".

ميلتون فريدمان

الحائز على جائزة نوبل فى الاقتصاد

 

 

" سر رأس المال يقدم قضية قوية.  إنه كتاب هام"

وول ستريت جورنال

 

الـــمراحل الخمــسة للإصـــلاح

التوعية

يقدم معهد الحرية والديمقراطية   إلى رئيس الدولة شرحا مفصلا حول كيف يؤدى التخلص من الأسواق الموجودة خارج القانون وتبديلها بنظام شامل للملكية إلى حل معظم المشاكل الاقتصادية والسياسية الأساسية بما فى ذلك الإرهاب والجريمة والفساد والفقر والاقصاء والنمو الاقتصادى المشوه وعدم الحصول على رأس المال والائتمان ومقاومة الاستثمار الأجنبى أو نظام الضرائب الغير قابل للتنفيذ. 

 

التشخيص

معهد الحرية والديمقراطية يزود القيادات السياسية بتشخيص حجم وطبيعة القطاع الموجود خارج القانون وبمعلومات مفصلة عن الحواجز القانونية الحالية التى تجعل المواطن يفضل البقاء خارج الاقتصاد الرسمى.  النتائج هى التى تفرض العمل السياسى بالقوة نظرا لضخامة حجم المشاكل.  ففى مصر على سبيل المثال وجد المعهد أن 90% من السكان يحتفظون بأصولهم بصورة خارجة عن القانون علما بأن هذه الأصول تقدر بنحو 245 بليون دولار.

 

الإصلاح

معهد الحرية والديمقراطية يزود الساسة بخطة لإعادة تصميم النظام القانونى على أساس التجربة الميدانية والتحليل التاريخى للعمليات الناجحة للتحول إلى نظام السوق فى الدول الأخرى لإقناع الذين يعملون خارج القانون بدخول النظام بمحض اختيارهم.

 

التنفيذ

بعد الاتفاق على الاطار القانونى، يعمل معهد الحرية والديمقراطية مع صناع السياسة على إنشاء هيئة تعمل على إدخال العقارات والمؤسسات الموجودة خارج القانون إلى الاقتصاد الرسمى بصفة تدريجية.  يساعد معهد الحرية والديمقراطية على توظيف وتدريب موظفى هذه الهيئة، وتكوين إجماع فى الرأى من خلال استراتيجية للدعوة، وتتبع نتائج النظام الجديد، والقيام بتحليل التشريع المقترح.

 

تكوين رأس المال وحوكمة الشركات

يقدم معهد الحرية والديمقراطية توصيات ويساعد على تنفيذها لتقديم الممتلكات التى أدخلت حديثا فى النظام القانونى إلى فرص الأسواق الوطنية والدولية، والسماح للممتلكات بتوليد ثروة إضافية وتكوين رأس المال وتحقيق التنمية المستدامة.  ويتحسن نظام حوكمة الشركات عندما تتاح للجمهور ولصناع القرار من القطاع الخاص معلومات يمكن الاعتماد عليها عن سلوك السوق والوضع القانونى للممتلكات ومدى احترام القانون.

 


[1]  المركنتلية mercantilism حسب قاموس المورد: نظام اقتصادى نشأ فى أوروبا خلال تفسخ الاقطاعية لتعزيز ثروة الدولة عن طريق التنظيم الحكومى الصارم لكامل الاقتصاد الوطنى وانتهاج سياسات تهدف إلى تطوير الزراعة والصناعة وإنشاء الاحتكارات التجارية الخارجية (المترجم).