الدروس المستفادة
من مشروع مارشال
جوردون أو. إف. جونسون
Gordon O.F. Johnson
يناير
2002
|
"‘الناس فى بلادنا بعيدون عن مناطق
المتاعب فى شتى بقاع الأرض، ومن الصعب عليهم أن يستوعبوا المعاناة
الطويلة التى تتعرض لها الشعوب وما يترتب عليها من ردود أفعال وتأثير
ردود الأفعال على حكوماتهم فيما يتعلق بجهودنا لتحقيق السلام فى
العالم".
من أقوال جورج سي. مارشال
George C. Marshall
بجامعة هارفارد
5 يونيو 1947 |
|
كاتب هذا المقال هو
جوردون أو. إف. جونسون Gordon O.F. Johnson أستاذ مساعد بمعهد أكتون
لدراسة الأديان والحرية فى جراند رابيدز Grand Rapids, M. التحق بالعمل
فى مقر إدارة التعاون الاقتصادى بواشنطون سنة 1950 وكان أحد أعضاء فريق
من خمسة أشخاص للتخطيط الاستكشافى لتنفيذ أول مهمة للمعونة الأمريكية
الأجنبية فى الدول النامية فى جنوب شرق آسيا سنة 1951. |
يختلف عالمنا اليوم عن عالم جورج مارشال، وهارى ترومان
Harry Truman،
ودين اتشيسون Dean Acheson
سنة 1947 عندما جندوا الشعب الأمريكى فى برنامج مثير لإعادة بناء أوروبا التى
خرجت مدمرة من الحرب العالمية الثانية وأوشكت على الوقوع فى قبضة الشيوعية.
كتب ثيودور هوايت Theodore
White عن أوروبا فى تلك الأيام: "
كان الناس يتضورون جوعا، ومات بعضهم من المجاعة، ولجأ البعض إلى السرقة،
واضطر معظم الناس إلى تخزين الطعام، وأصبح الجميع مخادعين". وفى يونيو 1947
عندما عاد مارشال من اجتماعات فى روسيا مقتنعا أن الروس يخططون للاستيلاء على
أوروبا كنا قد أنفقنا بالفعل بليون دولار فى إدارة ا للأمم المتحدة للإغاثة
والتأهيل، وقدمنا منحة قدرها بليون وربع البليون دولار كمعونة مباشرة للحكومة
الفرنسية، ونحو نصف بليون دولار للجيش الأمريكى لإطعام الألمان الذين كانوا
يموتون جوعا، وأعطينا المملكة المتحدة ثلاثة بلايين وثلاثة أرباع بليون
دولار. ورغم ذلك كان الاقتصاد الأوروبى ما يزال مصابا بالشلل، فقد كانت مدن
كثيرة ما تزال مهدمة، والمواد الغذائية تصرف بالبطاقات، والمصانع مفتقرة إلى
الطاقة. تلك الأيام المحفوفة بالخطر كانت تستدعى منا أن نسلك طريقا جديدا لكى
ننقذ أوروبا من حافة الهاوية.
كانت الكلمة الافتتاحية التى ألقاها جورج مارشال فى هارفارد هى الأساس لما
أصبح بعد ذلك أنجح برنامج للمساعدة الانسانية تقوم به أمة بمفردها خارج
حدودها نيابة عن غيرها من الأمم. وقد تضمنت كلمته التاريخية ثلاث نقاط أساسية
ما تزال جديرة بالاهتمام حتى يومنا هذا. أولا، لكى ننجح فى التغلب على "الجوع
والفقر واليأس والفوضى" فإن مساعداتنا "يجب ألا تكون على أساس جزئى كلما دعت
الأزمات المختلفة" بل "يجب أن تقدم علاجا ناجعا وألا تكون مجرد مادة مسكنة."
واستمر مارشال قائلا أنه قبل أن تتصرف حكومتنا "لا بد أن يكون هناك اتفاق بين
دول أوروبا حول متطلبات الموقف والدور الذى سوف تقوم به هذه الدول ذاتها حتى
تكون مجهودات هذه الحكومة مؤثرة." وفى ختام كلمته طالب مارشال "أن يتفهم
الشعب الأمريكى طبيعة المشكلة وصنوف العلاج التى سيتم استخدامها، وأنه لن
يكون هناك مجال للعاطفة أو الأغراض السياسية."
بعد انتهاء مشروع مارشال بخمسين سنة، أنفقت الولايات المتحدة بلايين أخرى من
الدولارات فى محاولات لمساعدة الدول النامية على إحراز النجاح فى عالم تسوده
المنافسة. لقد كنا كرماء وطيبين إلى حد بعيد، لكن معظم شعوب الدول النامية
تعيش حتى الآن فى ظل الفقر ولا توجد أمامها بارقة أمل فى مستقبل أفضل
لأبنائها. ولكى نشرح لماذا حقق مشروع مارشال الكثير، بينما لم تحقق البرامج
التى تلتها سوى النذر اليسير، يشير بعض المحللين إلى الفروق القائمة بين
الشعوب والثقافات فى أوروبا وفى الدول النامية، ويشيرون إلى أن التنمية تختلف
عن إعادة البناء، ويتحدثون عن الحاجة إلى "بناء الأمم" فى الدول النامية وهو
ما لا يمكن للغرباء أن يفعلوه. فيما يرى بعض المحللين أن مشروع مارشال كان
عاملا صغيرا نسبيا فى مساعدة أوروبا، وأن الأوروبيين هم الذين ساعدوا أنفسهم
على الامتثال للشفاء.
إننا الآن مشغولون بنوع جديد من الحروب، ونسمع الكثير من المطالبات بإعداد
مشروع مارشال لأفغانستان وربما يمتد لتشمل جيرانها. وقبل أن نصرف النظر عن
هذه المقترحات – نظرا لحالات الإخفاق السابقة فى التنمية وبناء الأمم – لا بد
أن نلقى نظرة متمعنة لنحدد الدروس المستفادة من تجربة مشروع مارشال التى يمكن
أن نطبقها فى أفغانستان بعد حقبة طالبان وفى أماكن أخرى من العالم النامى.
لقد كنا فى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية - على سبيل المثال – نشن حربا
من أجل العقول (a war for
minds) كما هو الحال ألان فى أفغانستان. وكنا
نتعامل مع عداوات عميقة تعود إلى عدة أجيال سابقة كما هو الحال الآن فى
أفغانستان. وكان هناك من المواطنين الأمريكيين من يرغب فى تقديم المساعدة
لأننا أدركنا المشكلة واعتقدنا بالفعل أن بمقدورنا أن نجد الحل. ولكننا
كأمريكيين أصبحنا نشك أكثر فى قدرتنا كغرباء على مساعدة الدول النامية بطريقة
مؤثرة، مع أن الرغبة فى مساعدة الآخرين ما تزال تمثل جزءا قويا من ثقافة
أمريكا الحالية كما كانت منذ خمسين عاما مضت.
الحرب
من أجل العقول
لقد كان مشروع مارشال إلى حد كبير حربا من أجل العقول. كانت الشيوعية الدولية
هى الأيديولوجية المعادية بعد الحرب العالمية الثانية، وهى نظام قائم على
افتراض أن نخبة الحزب الشيوعى تعرف خير الشعوب أكثر من الشعوب نفسها. لقد كنا
نحارب من أجل عقول الأوروبيين الذين ظنوا أن الشيوعية هى الحل لمشاكل الفقر
والبطالة. ونحن الآن نحارب من أجل عقول أولئك الذين يميلون إلى مساندة
الإرهابيين الدوليين فى مختلف أنحاء العالم والتعاطف معهم. وكما كان الهدف من
مشروع مارشال هو "تجفيف المستنقعات" التى كانت الشيوعية تستمد منها الدعم، لا
بد لنا الآن أن "نجفف المستنقعات" التى تمد الإرهاب الدولى بالمجندين وبالدعم
المالى.
وفى معركة لتغيير الفكر، كان برنامج المساعدة الفنية من أقوى ملامح مشروع
مارشال، فمن خلاله تم إرسال أكثر من 24000 من القيادات الأوروبية إلى
الولايات المتحدة الأمريكية فى زيارات عمل ودراسة اطلعوا خلالها على نشاط
المؤسسات الديموقراطية، وحكومات الولايات والحكومات المحلية الفعالة،
والجامعات المفتوحة، والجمعيات الطوعية، ومنظمات المجتمع المدنى والجمعيات
الدينية التى تعمل بجد فى مساعدة الجيران. وتقابلوا وجها لوجه مع تعددية تعمل
فى مجتمع مواطنين قادرين وحكومة متعددة المستويات. ومن الممكن تنظيم زيارات
عمل ودراسة مماثلة للعمال الأفغان والقيادات الأفغانية بما فى ذلك القيادات
الدينية والشبابية إلى أوروبا وأمريكا واليابان لتبين لهم أن "الحداثة" لا
تمثل تهديدا لثقافتهم أو لدينهم. وستساعد الاتصالات الشخصية والحوارات على
القضاء على حالات انعدام الثقة وسوء الفهم التى استغلها الإرهابيون، كما
تساعد على مزيد من الدعم للحرية والتسامح كأسلوب من أساليب الحياة.
وبقدر الحاجة إلى خبراء أجانب لمساعدة الأفغان وتقديم النصح لهم، يجب أن تكون
هذه الاستشارات مخططة لتعظيم الاتصالات الشخصية والحوار بدلا من مجرد كتابة
مجلدات من التقارير بحد أدنى من التكلفة. ويجب أن يكون أهم جانب فى
الاستشارات الأجنبية الجديدة - كما كان الحال فى أوروبا أيضا – هو المعرفة
والأفكار التى يتم بالفعل نقلها وغرسها فى عقول من نعمل معهم، لا الكلمات
التى نتركها فى تقارير توضع على الأرفف بعد عودة المستشار الأجنبى إلى بلاده.
العمل
مع المجموعات القوية المتنافسة
كانت أهم الأفكار العميقة التى جاءت فى كلمة مارشال هى تلك التى طالبت الدول
الأوروبية بالاتفاق فيما بينها على حل المشاكل الخاصة بها. وقد حرصت الولايات
المتحدة على عدم التورط فى الصراعات القائمة بين الأمم المتنافسة. وعلى سبيل
المثال، كانت العداوة على أشدها بين ألمانيا وفرنسا لعدة قرون، ومع ذلك كان
من الضرورى أن تعمل جميع الدول الأوروبية معا لحل مشاكلها المشتركة. ولاحظ
ثيودور هوايت الذى وصل إلى أوروبا لإعداد تقرير عن مشروع مارشال سنة 1948 أن
"الأوروبيين وهم يتحدثون مع الصحفيين أو المسئولين الأمريكيين كانوا مثل
قبائل ضربتها المجاعة فأخذت تتصارع للحصول على قطعة من اللحم".
و لم يكن هناك ميل بطبيعة الحال للتشاور من أجل صنع القرار، إلا أن الدول
الأوروبية وجدت طريقا للعمل سويا استجابة لكلمة مارشال. وتعتبر منظمة التعاون
الاقتصادى والتنمية (OECD)
الحالية هى السليل المباشر لمنظمة التعاون الاقتصادى الأوروبى
(OEEC)
التى أسسوها فى باريس لإدارة مشروع مارشال. وتم صرف الدولارات الأمريكية على
أساس اجماع تام فى الرأى بين جميع المطالبين الأوروبيين تم التوصل إليه فى
منظمة التعاون الاقتصادى الأوروبى لتحقيق أهداف وغايات وأولويات معينة وافقت
عليها الولايات المتحدة.
ويبدو أنه من الضرورى القيام بترتيبات مماثلة إذا كان برنامج المساعدة
الاقتصادية لأفغانستان سيمتد ليشمل بعض جيرانها. وحتى داخل أفغانستان نفسها
سيكون من المهم حضور ممثلين عن مجموعات القبائل المتنافسة للمشاركة فى عمليات
التخطيط والتفاوض، والاتفاق فيما بينهم على ذلك. وقد بدأت عملية التعاون
وقبول الحل الوسط على الساحة السياسية فعلا بالتفاوض فى ألمانيا على تشكيل
الحكومة المؤقتة التى تضم ممثلين لمختلف القبائل والفرقاء فى أفغانستان. ويجب
اتباع نفس الأسلوب على الساحة الاقتصادية لكى تشارك مع الهيكل السياسى على
قدم المساواة. وفى هذا المجال يمكن أن تؤدى المساعدات المالية الكبيرة -
المشروطة بتنفيذ أهداف وغايات وأولويات محددة بالاشتراك بين جميع الأطراف –
إلى تشجيع هذه العملية والإسراع فى تنفيذها.
وعلى العكس من مشروع مارشال، ستكون هناك جهات مانحة متعددة فى أفغانستان،
وسيكون عليها أن تتعلم كيف تعمل معا داخل مع إحدى مجموعات التنسيق. وبصرف
النظر عن هيكل تلك المجموعة، فإنها ستكون أكثر كفاءة إذا كانت تعمل مع منظمة
أفغانية واحدة للتنمية الاقتصادية. وبهذه الطريقة يصبح الشعب الأفغانى، وليس
القادمون من خارجه، هو الذى سيحسم الخلافات التى تحدث بين كبار الأطراف
الأفغانية. وهذا هو نفس ما حدث لحل الخلافات بين الدول الأوروبية، حيث كان من
خلال منظمة التعاون الاقتصادى الأوروبى
OEEC)
). وهكذا فإن الشعب الأفغانى بحاجة إلى
أن يعرف أن البرامج التى يجرى تنفيذها ستكون ملكا له، فالقادمون من الخارج
يقدمون له الموارد والدعم والخبرة والإشراف، ويصرون على وجود الشفافية
والانفتاح فى عملية اتخاذ القرار، ولكن على الأفغان أنفسهم أن يعملوا جميعا
على تقدير حجم مشاكلهم ووضع الأولويات التى تلبى أكثر الاحتياجات إلحاحا
وتحقيق الاستفادة من الفرص المتاحة.
وقد يؤدى إنشاء وكالة أو وزارة واحدة للتنمية فى أفغانستان إلى تحقيق المزيد
من الشفافية والقابلية للمحاسبة، لأن الجهة الأفغانية الواحدة ستركز على
النتائج أكثر من الوزارات التى تخضع فى عملها للمساءلة السياسية. وسيؤدى
الفصل بين صنع القرار الاقتصادى والقرار السياسى إلى وجود نظام للمراجعات
والموازنات يؤدى بدوره إلى تقليل فرصة اتخاذ القرارات على أساس القوة الشخصية
أو العشائرية على حساب المصلحة العامة. وعند تنفيذ أى برنامج للمعونة
الخارجية، من المهم أن نتذكر التحذير الذى أطلقه اللورد اكتون
Lord Acton
" القوة تميل إلى الفساد، والقوة المطلقة تؤدى حتما إلى الفساد". وكان إنشاء
منظمة التعاون الاقتصادى الأوروبى
OEEC)
) دليلا على عبقرية مشروع مارشال، لأنها حالت دون وضع قوة اقتصادية أكبر فى
أيدى نفس الأشخاص الذين يمسكون مقاليد القوة السياسية والذين يرجح أن
يستخدموا القوة الاقتصادية لترسيخ أقدامهم فى السلطة السياسية لمدة طويلة.
توفير
العمل بدلا من الاستعداد للحرب
لم يكن هدف مشروع مارشال هو حل مشكلة الفقر عن طريق الحسنات وأنظمة الرفاهية،
بل بتقوية المؤسسات الناجحة التى تؤدى إلى إيجاد فرص للعمل ولها مستقبل كبير.
كانت فرص العمل وتقوية الطبقة الوسطى سلاح الحرب ضد الشيوعية ومفتاحا فى يد
الأوروبيين لإعادة تعمير بلادهم المدمرة ولتقديم الأمل إلى الشباب الأوروبى
الذى كان أكثر عرضة لاستقبال رسالة الشيوعية الدولية. وينطبق نفس الشيء على
أفغانستان حيث يؤدى نقص الفرص والاحساس بقلة الحيلة إلى تكوين تربة خصبة
للمجندين للإرهاب.
أتى عدد كبير من مسئولى الإدارة التنفيذية العليا لمشروع مارشال من القطاع
الخاص وحاولوا اتخاذ القرارات المؤيدة لحلول تقوم على أساس السوق بدلا من
القرارات الحكومية الموجهة من القمة إلى المستويات الأدنى. كان هؤلاء
الإداريون يتوقعون العودة إلى القطاع الخاص بعد أداء مهمتهم ولذلك كان
تركيزهم فى اتخاذ القرارات على " أداء المهمة" التى جاءوا من أجلها فلم
يركزوا على أنها ستكون "مهنتهم". وكان لهم أسلوب إدارى متميز يهدف إلى تحقيق
النتائج ولا ينحنى لرغبات ساسة أوروبا الذين كانوا يريدون استخدام موارد
المعونة فى الخدمات العامة بدلا من التنمية الاقتصادية.
وعلاوة على ذلك، وعلى النقيض مما قد يظن الكثيرون، لم يكن مشروع مارشال
برنامجا لتقديم المعونة بالمجان، بل كان على المؤسسات الأوروبية أن تسدد
مقابل ما استخدمته لإعادة بناء اقتصادها حتى ولو كان التسديد بالعملة
المحلية. بعد ذلك كانت المبالغ المسددة بالعملة المحلية تستخدم لدفع التكاليف
المحلية لإعادة الإنشاء وتنفيذ البرنامج.
اختلاف الأنظمة الثقافية والمعتقدات الدينية
لعل أهم ميزة استفاد منها مشروع مارشال بالمقارنة ببرامج المعونة التى جاءت
فى وقت لاحق هى أن الأوروبيين كانت لديهم تقاليد قديمة فى الديموقراطية
والتعددية والشركات الخاصة، ولم يكن شباب أوروبا يتجولون فى المناطق الريفية
حاملين الكلاشينكوف لتسوية خلافاتهم.
من الواضح أنه لا بد من وجود حكومة مركزية قوية وقانون واضح يضمن السلامة
والأمن للرجال والنساء والأطفال فى أفغانستان، ولكن هذا الموضوع يخرج عن نطاق
هذه الورقة. وحتى عندما يصبح بإمكان الأفغان والأجانب أن يعيشوا ويتنقلوا
بأمان، ستتبقى أمامهم الفروق الثقافية الكبيرة التى يجب التعامل معها، وسيكون
من التحديات التى تفرض نفسها أمام عمال المعونة: كيفية تقديم المبادئ الحديثة
بطريقة تجعل الممارسات الجديدة متكاملة مع الثقافة المحلية. وعلى عكس مشروع
مارشال، هناك عدد كبير من الأفغان يعيشون حاليا خارج بلادهم ولهم معرفة
بالثقافات الأخرى ولا بد أنهم تعلموا التعايش مع الحياة العصرية. ومن الممكن
أن يصبح هؤلاء مصدرا كبيرا فى التغلب على انعدام الثقة وعلى سوء الفهم
الثقافى. وكما ذكرنا قبل قليل، من الممكن أن تلعب برامج زيارات العمل
والدراسة دورا كبيرا جدا فى بناء الثقة وتقوية المبادرات المحلية.
من الضرورى أن يحترم القادمون من الخارج الثقافات والمعتقدات المحلية. وربما
تكون برامج المعونة التى تمت بعد برنامج مارشال قد ركزت أكثر مما ينبغى على
الاختلاقات الثقافية مما وفر أساسا منطقيا لطريقة تنفيذ برامجنا كما كانت
عذرا مناسبا لإخفاقنا فى تحقيق النتائج المطلوبة. فى ظل برامج المساعدة التى
نفذت بعد مشروع مارشال كانت الأموال الخاصة بالمعونة تمر وتصرف من خلال
وزارات وهيئات الدولة المضيفة. وأدى ذلك إلى زيادة وتوسيع قوة البيروقراطيات
السياسية الراسخة والصفوة من القطاع الخاص. وبذلك ساعدنا على تركيز القوة
الاقتصادية فى النظام السياسى بدلا من مراعاة اللامركزية والاعتماد على قوى
السوق الحرة وإجماع الرأى المحلى فى صنع القرار. لقد دعمنا النمو داخل
الحكومات ومن خلالها، وكنا نحاول أن "نرى الأشياء بأعين الموجودين فى مراكز
القوة" فجعلناهم أكثر قوة مما كانوا عليه.
فى 1994 أجرى جون بى. بولسون
John P. Powelson
أستاذ الاقتصاد بجامعة كلورادو دراسة عن التنمية السياسية والاقتصادية فى
مختلف أنحاء العالم، وخلصت الدراسة إلى أنه على الرغم من اختلاف الأنظمة
الثقافية والعقائدية، هناك خاصية أساسية عامة لازدهار جميع المجتمعات: إن
الأمم التى ازدهرت ووفرت لشعوبها حياة أفضل على مر العصور لم تكن الأمم ذات
القوة المركزية، بل كانت الأمم التى تستمد قوتها الأصلية من القاعدة العريضة،
وتعطى القوة لمن يستحقها ولا تمنحها لأحد. هذه الخاصية موجودة بصرف النظر عن
الاختلافات فى الجغرافيا أو الموارد الطبيعية وعن الفروق الثقافية أو العرقية
أو الدينية. وحيثما انتشر نطاق القوة واتسعت قاعدته نشأت سيادة القانون،
وحماية حقوق الملكية، والحرية الاقتصادية والدينية. أما الأمم التى يضيق فيها
نطاق القوة، فإن الفقر يسيطر على شعوبها وتظل اقتصاداتها متخلفة. لكن من
يديرون برامج المعونة الأجنبية يتجاهلون أن التاريخ يرصد أعمالهم.
الخاتمة
خلفت عقود القتال فى أفغانستان جيلا كاملا من الشباب يفتقر إلى الخبرة فى
مجالات المجتمع المدنى ومتطلباته كما يفتقر إلى البنية الأساسية التى تكاد
تكون معدومة. إن موقف الشباب فى أفغانستان أسوأ كثيرا منه فى أوروبا بعد
الحرب العالمية الثانية، لكن صعوبة المهمة التى الملقاة على عاتقنا يجب ألا
تمنعنا من محاولة التعلم من الأشياء التى أدت إلى نجاح مشروع مارشال ومن
العوامل التى أدت إلى فشل برامج المساعدة التى جاءت بعده.
لا بد فى المقام الأول أن نؤكد على توفير السلامة العامة فى أفغانستان، وأن
نقدم المساعدات الإنسانية للفقراء والمرضى وضحايا المجاعة. إلا أن مفتاح
النجاح سيكون فى قيام طبقة وسطى قوية ومنتجة تعطى الأمل للفقراء والشباب فى
مستقبل أفضل. ومن شأن زيارات العمل والدراسة إلى الولايات المتحدة وأوروبا
واليابان – على غرار الزيارات التى تمت فى نطاق مشروع مارشال – أن تعرف
قيادات أفغانستان وشبابها بالمؤسسات الحديثة فى المجتمع المدنى والتى تعتبر
مفتاح نمو الاقتصاد والطبقة الوسطى القابلة للنمو.
وقد تعلمنا من مشروع مارشال أن برنامج المساعدة المؤثر لا بد أن يتضمن
"ملكية" محلية، ولا بد أن يتجنب الظهور وكأنه مفروض من الخارج، لكنه فى نفس
الوقت لا بد أن يتجنب تركيز القوة الاقتصادية فى أيدى الساسة. لا بد لبرنامج
المساعدة أن يحظى بثقة الناس، وبالتالى لا بد من وجود الشفافية فى صنع
القرار. ولا شك أن إنشاء وكالة أو وزارة أفغانية مستقلة للتنمية الاقتصادية -
تعمل بمساعدة ودعم فني من المستشارين والمراجعين الأجانب – سيساعد على حسم
الخلافات المحلية وفصل القوة الاقتصادية عن القوة السياسية. وستكون الصحافة
الحرة المستقلة أساسية لجعل هذه الهيئة مؤثرة وأمينة. |