الاستثمار وممارسة سلطة الإدارة فى شرق آسيا

بقلم:  بيرنى بيشوب

8 فبراير 2002

كانت عمليات دمج واستحواذ الشركات خلال العقد المنصرم بمثابة القوة الدافعة لزيادة سرعة وتدفق معدلات الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وبطبيعة الحال، كان على الاقتصادات الراغبة فى الاحتفاظ بنصيب معقول من الاستثمارات الأجنبية المباشرة على المستوى العالمى أن تهتم بمعالجة ما بها من العوامل الجاذبة أو العوامل الكابحة للاستثمارات. فأسلوب ممارسات سلطة الإدارة فى الشركات بما يوفره من حماية لحقوق الأقلية من المساهمين  له تأثير رئيسي لا يقتصر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بل يهيئ أفضل الفرص لاستخدام هذه الاستثمارات لإحداث مساهمة إيجابية فى تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية. ويبين مسح ماكينزى وشركاه الذى شمل أكثر من 200 من مؤسسات الاستثمار أن 75% من المبحوثين أفادوا أنهم عند تقييم فرص الدخول فى الاستثمار يعطون ممارسات مجلس إدارة الشركة نفس الأهمية التى يعطونها لأداء الشركة المالى، كما أفاد نحو 80% من المبحوثين أنهم مستعدون لدفع مبالغ أكبر لشراء أسهم الشركات التى تمارس الأساليب الجيدة لسلطة الادارة. وبينوا أن العناصر التى تشكل الأساليب الجيدة لممارسة سلطة الادارة تشمل : وجود أغلبية من الأعضاء من خارج الشركة ولا تربطهم علاقة بإدارتها، ووجود عمليات تقييم رسمية لأداء المديرين، ومدى استجابة المجلس لطلبات المعلومات التى يقدمها المساهمون ، ووجود أعضاء يمتلكون عددا كبيرا من أسهم الشركة، وأعضاء يحصلون على مكافآتهم أساسا من عمليات أسهم الشركة.

ويمكن الحصول على الاستثمارات الأجنبية المباشرة بطريقتين رئيسيتين: إما أن تقوم  الشركة بالاستثمار فى عملية جديدة تماما فى الدولة المضيفة (استثمارات الحقل الأخضر)، أو بالاندماج فى أو الاستحواذ على عمليات أخرى فى تلك الدولة. وقد تؤدى كلتا الطريقتين إلى شركة تمتلكها الاستثمارات الأجنبية بصفة كلية أو جزئية حسب رغبات المستثمر وسياسات الدولة المضيفة.

وتشير أحدث تقارير الاستثمار العالمى إلى استمرار قيام عمليات الدمج والاستحواذ بدورها المشجع لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ففى الفترة من سنة 1990 إلى سنة 2000 ارتفع حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب الدمج والاستحواذ من 151  مليار دولار إلى 1144 مليار دولار[1]. ويشير مسح آخر يتعلق بقرارات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أن 6.34 % فقط من الاستثمارات المتوقعة خلال السنوات الخمس المقبلة ستكون من خلال استثمارات "الحقل الأخضر" وأن 37% من الاستثمارات المتوقعة ستكون من خلال الدمج والاستحواذ[2].

إلا أن عمليات الاستحواذ لا تعنى دائما أن المستثمر يشترى جميع أسهم الشركة المستهدفة، فالملاحظ فى البلدان النامية أن حوالى 30% من عمليات الاستحواذ تمثل مصالح الأقلية مما يؤكد أهمية حسن أساليب ممارسة سلطة الإدارة التى تحمى هذا النوع من الاستثمارات على وجه الخصوص، وأن حوالى 30% أخرى من عمليات الاستحواذ تمثل مصالح الأغلبية دون أن تمثل ملكية كاملة للشركات. وفى الصين يبين المسح الذى أجرى عن الدمج والاستحواذ فى الفترة من 1985 إلى 1996 أن 35% من حالات الاستحواذ كانت لمستثمرين بأغلبية رأس المال، وأن 34% منها كانت لمستثمرين بنسبة جزئية فقط[3].

فى دليل الاستثمارات العالمية يحدد مؤشر متوسطات تدفق الاستثمارات الأجنبية ثلاثة معدلات لمعرفة ما إذا كانت دولة ما تجذب نصيبا عادلا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. هذه المعدلات هى: (1) نصيب الدولة من الاستثمارات الأجنبية العالمية المباشرة مقسوما على نصيبها من إجمالى الناتج المحلى العالمى، و (2) نصيب الدولة من الاستثمارات الأجنبية العالمية المباشرة مقسوما على نصيبها من العمالة الدولية، و(3) نصيب الدولة من الاستثمارات الأجنبية العالمية المباشرة مقسوما على نصيبها من صادرات العالم. إذا كان المعدل الذى تحرزه دولة ما أقل من 1 فإن ذلك يدل على وجود سمات معينة فى بيئة الاستثمار فى تلك الدولة تصد المستثمرين. إلا أن التقرير يلفت الانتباه فى نفس الوقت إلى احتمالات أن تكون النتائج السيئة راجعة إلى أزمة طارئة أثرت على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل يختلف عن تأثيرها على بقية مكونات الاقتصاد الكلى. كما ينبه التقرير كذلك إلى أن المعدل الذى يزيد عن 1 ربما يكون مجرد ظاهرة مؤقتة.

يبدو أن الأرقام للاستثمارات الأجنبية المباشرة والدمج والاستحواذ فى منطقة شرق آسيا تميل فى مجملها إلى تحقيق معدل أقل من المتوسط بين الدمج والاستحواذ والاستثمارات الأجنبية المباشرة، ومعنى ذلك أن تلك المنطقة تفتقر إلى بعض الاستثمارات الأجنبية المباشرة التى كان من الممكن أن تحصل عليها. وكذلك يدل مؤشر الاستثمارات الأجنبية المباشرة لعدد من اقتصادات شرق آسيا للسنوات 1988 و 1990 و 1998 و 2000 على وجود اختلافات كبيرة بين دول المنطقة ذاتها فيما يتعلق "بجاذبيتها" للاستثمارات الأجنبية المباشرة. فبينما تمكنت بعض الدول من تحسين موقفها خلال العقد الماضى، تعرضت دول أخرى لهبوط شديد. وكما ذكرنا من قبل، قد تكون هذه النتيجة راجعة إلى عوامل معينة أثرت على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد أزمة 1997 – 1998، هذا بالاضافة إلى أن سياسات الدمج والاستحواذ فى منطقة شرق آسيا ما تزال مقيدة نسبيا رغم بعض التسهيلات التى ظهرت مؤخرا وخاصة فى كوريا الجنوبية وتايلاند. وربما يكون سوء ممارسة أساليب الإدارة فى الشركات سببا آخر من أسباب الانخفاض النسبى للاستثمارات الأجنبية المباشرة التى تأتى إلى المنطقة من خلال الدمج والاستحواذ.

كانت الشركات فى الماضى تستثمر خارج حدود بلدانها لتضمن النفاذ إلى الأسواق الخارجية، أو استغلال الثروات الطبيعية أو استخدام العمالة الرخيصة. إلا أن تقرير الاستثمارات الدولية لعام 2000 يشير إلى ما هو أهم من تلك المبررات القديمة، أى إلى تحرير السياسات والتقدم التكنولوجى وتطور استراتيجيات الشركات. ويمكن القول أن الأسباب الرئيسية التى تدفع الشركات إلى الاستثمار فيما وراء البحار فى الوقت الراهن هى زيادة القدرة على الاستثمار فى الخارج من خلال  تحرير السياسات المقرون بالحاجة إلى المحافظة على حد القدرة التنافسية فى التكنولوجيا أو فى أى ميزة تنافسية أخرى بالبحث عن شركاء من خلال عمليات الاستحواذ أو التحالفات، وتأمل الشركات أن تعود عليها هذه الاستحواذات أو التحالفات بمزيد من المكاسب والكفاءة والعمل فى الاقتصادات الكبيرة وتوزيع المخاطر بين الأسواق.

وقد شهدت السنوات التى أعقبت الأزمة الآسيوية اهتماما كبيرا تركز على إصلاح أساليب ممارسة سلطة الادارة فى الشركات، حتى أن كبريات الشركات اليابانية مثل سونى و إن إى سى NEC بدأت تعين مديرين من خارج الشركتين، وشرعت كوريا الجنوبية شروطا أكثر حزما للإفصاح، وبدأت الصين تخطط لتشديد اجراءات المراجعة. ورغم ذلك، يروى عن ممثلى بيوت الأموال الكبيرة قولهم أن هناك حاجة إلى مزيد من التطوير فى المعايير القياسية لأساليب ممارسة سلطة الادارة فى الشركات حتى تتمكن المنطقة من جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ويمكن تقسيم الحاجة إلى الأساليب الجيدة لممارسة سلطة الادارة فى الشركات لكى تجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى ثلاث فئات عامة هى: مراقبة الإدارة، وتقديم التقارير إلى المساهمين، ومراقبة ممارسة سلطة الادارة. تشمل مجالات الفئة الأولى رقابة مجلس الإدارة على موضوعات معينة منها مكافآت التنفيذيين وتعاقب أعضاء مجلس الإدارة، وتقييم أداء إدارة الشركة. أما الفئة الثانية فتشمل بعض الواجبات مثل ضمان تنفيذ شروط المراجعة وإحالة القرارات الهامة إلى المساهمين. وتشمل الفئة الثالثة مراقبة وتقييم استراتيجية الشركة على المدى الطويل وتقييم أداء الشركة.

ولا تقتصر أهمية تحسين أساليب ممارسة سلطة الادارة على مجرد ضمان منطقة شرق آسيا كمنطقة جذب للاستثمارات الأجنبية المباشرة من خلال عمليات الدمج والاستحواذ، بل تشمل ما هو أكثر من ذلك وهو توفير أفضل فرص النجاح لعلميات الدمج والاستحواذ التى تتم فى المنطقة.

----------------------------------------------

كاتب هذا المقال بيرنى بيشوب Bernie Bishop أستاذ قانون الأعمال الدولى بجامعة جريفيث الاسترالية. وهذه السطور مأخوذة من ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولى لإصلاح أساليب ممارسة سلطة الادارة فى الشركات الذى عقد فى المركز الصينى لممارسة سلطة الادارة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية فى بكين يومى 1 و 2 نوفمبر 2001.


[1]  See World Investment Report 2001, Annex Tables B1 and B7

CIPE Feature Service,

1155 15th Street, N.W., Suite 700

Washington, DC 20005

Tel: 202/721 – 9200 – Fax 202/721 – 9250

Email: fs@cipe.org  - Website: www.cipe.org

 

[2] F. Hatem, International Investment Towards the Year 2002, Invest in France Mission, United nations, Paris, p. 40.

[3] C. Milman, M&A Activity in China 1985 – 1996, Multinational Business Review, Vol 7, No. 2 1998, pp. 106 – 110.