الفساد في بوليفيا : إصلاح النظام القضائي

جوسيه مجيل فابرى – كلية السياسات العامة - جامعة جورج ماسون

لن تستطيع دولة ديمقراطية الاحتفاظ بصفتها الديمقراطية بدون الالتزام بفرض سيادة القانون الذى يسرى وينفذ ويتمتع بالحماية من قبل قضاء يتمتع بالاستقلال والمصداقية.  ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال القضاء له وظيفة أخرى وهى خلق حالة من التوازن بين قوى كلا من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.  ولكن من ناحية أخرى نجد اختلال فى توازن القوى بين تلك السلطتين في أمريكا اللاتينية مثلا حيث تطغى قوة أحد هاتين  السلطتين على قوة السلطة الأخرى وغالبا ما تكون قوة السلطة التنفيذية هي الأكثر طغيانا على الاخرى.  وتظهر نتيجة ذلك للأسف الشديد فى قصور المساءلة والاستغلال الخاطئ للموارد العامة, مما يؤدى الى انتشار الفساد في الدولة.

يشهد المواطنون في الدول النامية نماذج مخيفة للفساد مع غياب المسئولية عن هذا الفساد مما يسبب حاله من فقدان الثقة في المؤسسات الديمقراطية.  وفي بوليفيا على سبيل المثال نجد الفساد مرضا متوطنا فى السلطة القضائية مما يؤدى الى إدانة معظم الأنشطة التجارية والمدنية والعامة ايضا بالفساد.  فعندما تتسم الجهات المسئولة قانونيا عن حماية حقوق الانشطة المدنية والرسمية بالفساد، تتعطل عمليات الاصلاح الاقتصادى لأن الفساد يؤدى الى زيادة تكلفة التعاملات الاقتصادية.

الحاجة إلى الإصلاح واضحة تماما.. فلن يتوجه المستثمرون باستثماراتهم الى دولة لا تتوافر بها معايير مضمونة وموثوق بها للاجراءات القضائية.  ولجذب هؤلاء المستثمرين، يتعين على الدولة توفير درجة مقبولة من الثقة واليقين فى عدالة القضاء فى اطار زمنى معقول.  وقد وجد ادواردو رودريجيز، قاضى بمحكمة النقض، أن النزاعات التجارية تستغرق أكثر من ست سنوات بينما تستغرق القضايا المدنية ما بين أثنى عشر وخمسة عشرة سنة.    وعندما يستغرق حل النزاعات سنوات طويلة مثل تلك التى ذكرناها، يصبح عائد وربحية النشاط الاقتصادى فى تلك الدولة عائدا قليلا مع ارتفاع درجة المخاطرة.

فالمستثمر الاجنبى مثله مثل المستثمر المحلى، لا يقبل على الاستثمار فى بوليفيا نظرا لطول فترات التقاضى وعدم اليقين من الاجراءات القانونية.  وقد انتهت دراسة قام بها ميتشل سليجسون في جامعة بيتسبرج الى ان درجة الفساد طبقا لوجهة نظر المبحوثين قد تضاعفت مقارنة بعام 1998[1].  وفى الواقع، فأنه طبقا لمقياس الفساد الذى تقوم به منظمة الشفافية الدولية، زاد الفساد فى بوليفيا منذ 1996.  ففى حين جاءت بوليفيا عام 1996 فى الترتيب 36 تراجعت عام 1998 لتحتل الترتيب 69 وتراجعت مرة اخرى لتحتل الترتيب رقم 85 فى عام 2001[2] .  وبناء على تلك المعلومات، لا يوجد من يدعونا الى الاندهاش اذا علمنا بحالة الركود الاقتصادى على مدار السنوات الاربعة الاخيرة.

فالفساد يعوق النمو الاقتصادي من خلال الارتفاع المباشر في تكاليف المعاملات الاقتصادية التى يعرفها قاموس الاقتصاد الحديث بأنها "التكاليف الأخرى بخلاف السعر التي تترتب على تجارة السلع والخدمات"[3].  وتشمل هذه التكاليف الأخرى المصروفات التي لا تتعلق بالمدخلات, وانما تتعلق بتكاليف استخدام آليات الانتاج والتبادل.  وباستخدام هذا المعنى، فأن تكلفة المعاملات تكون عنصرا مشوها للنظام الاقتصادى ويكون بعضها نتيجة حتمية لآليات السوق السائدة بحيث لا يمكننا استبعادها بشكل كامل.  فتكلفة المعاملات الاقتصادية يمكن تخفيضها عند التعامل مع بعض الآليات مثل تنفيذ احكام العقود التى تتطلب اجراءات للتقاضى امام المحاكم وقوة تنفيذ احكام القضاء وبعض الاجراءات البديلة الاخرى المرتبطة بحل النزاعات.

وقد كتب فرنسيس فوكوياما يقول أن ارتفاع درجة الثقة بين المؤسسات داخل المجتمع  تؤدى الى انخفاض تكلفة المعاملات داخل ذلك المجتمع[4].  وعندما ترتفع تكلفة المعاملات تكون النتيجة انشقاقا حادا له آثار اقتصادية سلبية محددة للتنمية ونمو القطاع الخاص.  ويعتقد هرناندو دو سوتو أن تكلفة المعاملات أكثر ارتفاعا في الاقتصاديات النامية بسبب عدم قيام الدولة بتوفير حماية كافية لحقوق الملكية[5].  وعندما تنعدم القواعد القانونية وآليات تنفيذ الاحكام، تكون حقوق الملكية غير آمنة ويكاد يصبح من شبه المستحيل تحديد الملكية ووسيلة تحويل ملكية السلع والخدمات.  وللوصول الى حالة الكفاءة الاقتصادية، يجب أن تكون حقوق الملكية مسجلة على المستوى الدولى.

واذا رجعنا للحديث عن النظام القضائى، يمكننا القول باطمئنان ان النظام القضائى الفاسد يؤدى الى استحالة محاربة الفساد فى الاجهزة الحكومية الاخرى.  ولكننا نؤكد أيضا على ان الاجهزة التشريعية والتنفيذية كان لها أثرا فى شل القوى القضائية خاصة منذ قيام الديكتاتور السابق هوجو بانزر سواريز باعادة هيكلة النظام القضائى.  واستنادا الى هذا الواقع، قررت حكومة بوليفيا السعى للبحث عن حل لمشكلة فساد القضاء.  ولكن الضغوط الداخلية والخارجية التى تؤكد على ضرورة سرعة القيام  باجراءات اصلاحية تواجه بمقاومة شديدة ولم تحقق بعد الأثر المطلوب.  ولذلك يجب علينا البحث عن حلول بديلة لم يأخذها المشرعين والقائمين على الاصلاح فى اعتبارهم للحد من فساد القضاء.  وغالبا ما تقابل جهود الاصلاح الفعال والشرعى مقاومة من الكونجرس نفسه فى بوليفيا حيث دأب خلال سنوات عديدة على حماية مصالحه باعتباره طبقة سياسية مميزة تقوم بتعديل وتبديل القوانين بما يخدم مصالحها ويعود عليها بالمنفعة.

ويمكننا أن نتوقع النتيجة.. نتج عن هذا انتشار التشوهات القانونية وخلق نظام قانونى لا يمكن التنبؤ بنتائجه.  ويمكن أن نتوقع استمرار قيام النخبة السياسية بتكييف القوانين طبقا لما يحقق مصالحها دون ضغوط شديدة من القائمين على الاصلاح فى مجتمع الاعمال.

توصيات من اجل الإصلاح

1.     انتخاب القضاة:  يمنح الدستور حاليا الحق للهيئات التشريعية والتنفيذية فى انتخاب اعضاء الهيئة القضائية بما يؤدى الى تسييس عملية اختيار القضاة.   وفى هذا الأمر نحتاج الى تعديل الاوضاع بحيث يمنح القانون والدستور استقلالية اكبر للهيئة القضائية ويزيل النفوذ السياسى القائم عند انتخاب اعضائها.  ويجب اختيار نظام يسمح بتقدير الكفاءات عند انتخاب اعضاء الهيئة القضائية بما يؤدى الى تطوير ودفع مهنة القضاء.

2.   إصلاح القانون الجنائي:  نؤكد على أهمية إصلاح القانون الجنائي ليتمكن من معاقبة الفساد داخل الهيئة القضائية.  ففى الحالات التى يتهم فيها احد افراد الهيئة القضائية بالفساد، يجب أن تتبدل القاعدة المتعارف عليها بحيث يكون على المتهم هنا إثبات براءته.  وهذا المنهج تنادى به بعض المنظمات مثل منظمة الشفافية الدولية فى البلاد التى يستشرى فيها الفساد مثل بوليفيا. كما ينبغى تشديد العقوبة فى قضايا الفساد لتكون رادعة لسلوك القضاء.

3.     زيادة المرتبات:  نؤكد أيضا على أهمية زيادة مستوى المرتبات فى مجال العمل القضائي كوسيلة لتقدير مهنة القضاء والحد من الفساد.

4.     اقرار الذمة المالية:  يعتبر تقديم اقرار الذمة المالية من الاجراءات الهامة أيضا بحيث يقوم اعضاء الهيئة القضائية ليس فقط بتسجيل قائمة باملاكهم بل ايضا بالافصاح عن املاك اقاربهم واسرهم بحيث تصعب عمليات الغش.

5.     الإعلام التنويرى:  يعتبر تشجيع الاعلام التنويرى والارتقاء بكفاءته من الوسائل الهامة فى بعث روح المسئولية الاجتماعية والمسائلة لدى الهيئة القضائية. فالاعلام لديه القدرة على التنقيب والتحقيق وكشف الفساد والممارسات الفاسدة.  إلا أن رجال الصحافة يحتاجون إلى المزيد من الحماية القانونية لأنهم معرضون لأن يكونوا ضحايا لبعض قضايا الفساد التى يكتشفونها.


[1]               Seligson, M. La cultura polجtica de la democracia en Bolivia. 2000 (p. 107)

[2]               FTP: http://www.gwdg.de/~uwvw/

[3]               The MIT Dictionary of Modern Economics, p. 432

[4]               Fukuyama, F. Trust, The Social Virtues and the Creation of Prosperity, p. 27, 151-153

[5]               De Soto, H. El Misterio del Capi