كيف تؤدى
عضوية منظمة التجارة العالمية
إلى تعزيز سيادة القانون فى
الصين
بقلم: تشاو سي يوام
مدير شركة بكين تشاو سي يوام واستشارات الإفلاس المتحدة
يمثل
انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية مؤخرا نقطة تحول محورية فى تاريخ
الصين المعاصر. وقد أبرزت التغيرات التى شهدتها الصين خلال العقود الثلاثة
المنصرمة العلاقة الوثيقة التى تربط بين الاصلاح والتنمية، وأن مستقبل
الصين يكمن فى مدى انفتاحها للعالم الخارجى. وقد تمكنت الصين حكومة وشعبا
من التعرف على حقيقة الأوضاع الصينية وما تنطوى عليه من قصور من خلال
التبادلات التى تتم مع دول أخرى ومنها على وجه التحديد الولايات المتحدة
الأمريكية.
تدخل
مبادئ الأسواق العالمية إلى أى بلد مع الدخول فى عضوية منظمة التجارة
العالمية، وهى مبادئ لا تسيطر على التجارة الدولية فحسب بل تصل آثارها إلى
كافة قطاعات الاقتصاد والمجتمع وجميع طبقات الشعب. وبالنسبة للصين سيكون
صدى هذه الآثار ملموسا فى أربعة من أهم جوانب الحياة الوطنية فى الصين.
أولا:
ستؤدى المنافسة إلى جعل السوق أكثر كفاءة. فبعد فترة انتقالية معينة ستفتح
الصين أسواقها للعالم الخارجى على نطاق واسع، وتصبح الصين أكثر جاذبية
للأموال المتزايدة من رؤوس الأموال، والتكنولوجيا، والشركات، والمنتجات
الأجنبية وسيؤدى ذلك بالتالى إلى ارتفاع المنافسة فى الأسواق الصينية. أما
الدعم الحكومى الذى كان بمثابة الحبل السرى لكثير من مؤسسات الدولة فسيجد
سبيله إلى الفناء لتجد تلك المؤسسات العامة أنه ليس أمامها فى سبيل البقاء
إلا الصمود أمام المنافسة فى السوق. وستنتهى الفرصة التى كانت متاحة
لمؤسسات الدولة لتحتكر صناعات أساسية مثل الكهرباء والاتصالات والنقل
وتحتكر الأرباح وتسيطر على أكبر قدر من التمويل العام. بدلا من ذلك، ستجد
هذه المؤسسات نفسها فى مواجهة منافسة شرسة سواء من الشركات الأجنبية أو من
الشركات المحلية الخاصة، وستتولى المنافسة فى الأسواق - وهى بمثابة اليد
الخفية - مهمة القضاء على النظام القديم غير الكفء لتحل محله منظومة جديدة
متوجهة نحو السوق ومتخففة من الكثير من سيطرة الحكومة.
ثانيا:
سيؤدى تصاعد المنافسة إلى انهيار الكثير من مؤسسات الدولة وبالتالى إلى
زيادة الخصخصة، وسيكون قطاع البنوك من أكثر القطاعات تأثرا بطبيعة الحال
لأن جميع البنوك الكبرى مملوكة للدولة، ولكن انضمام الصين إلى منظمة
التجارة العالمية سيلزمها أن تسمح لبنوك أجنبية بممارسة عملها فى الصين.
ومع وجود منافسين من الخارج، لابد أن يعمل قطاع البنوك ككل طبقا لقانون
السوق، مما يؤدى إلى ظروف مواتية تسمح بظهور بنوك صينية خاصة.
ثالثا:
سيساعد انضمام الصين لعضوية منظمة التجارة العالمية على الإسراع فى إدخال
الإصلاح السياسى وتعزيز احترام القانون فى الصين. وكانت مسائل من هذا
القبيل موضع نقاش فى الصين منذ سنة 1978، إلا أنه حتى بعد مرور 24 سنة ما
تزال مسيرة الإصلاح السياسى متخلفة وعاجزة عن اللحاق بركب الإصلاح
الاقتصادى. ومن الممكن أن نتصور النظام الصينى كعملاق يسير على قدمين:
الاصلاح الاقتصادى والاصلاح السياسى، لكن بينما امتدت القدم الاقتصادية
وزادت خطاها ظلت القدم السياسية تراوح مكانها ولا تتحرك إلا فى الحدود
الدنيا، فاتسعت الفجوة بين القدمين حتى أصبح العملاق مهددا بالسقوط إذا لم
يتدارك الأمر ويحرك القدم السياسية بسرعة. وبينما يتطلب اقتصاد السوق حكومة
أمينة قادرة على العمل بكفاءة، يؤدى الاحتكار السياسى إلى توسيع رقعة
انتشار الفساد وإصابة الحيوية الاقتصادية بالشلل، وإذا لم تبادر الصين
بإدخال الاصلاحات السياسية على الفور فإن وطأة الفساد السياسى قد تعرضها
للانهيار. وسيؤدى انضمام الصين إلى عضوية منظمة التجارة العالمية إلى تفاقم
التوترات الناتجة عن تأخر الاصلاح السياسى وزيادة الضغوط الداعية إلى
الإسراع بمعدلات الاصلاح السياسى لتواكب سرعة التقدم فى الاصلاح الاقتصادى.
وسيكون
لمبادئ منظمة التجارة العالمية تأثير مباشر على احترام سيادة القانون فى
الصين، فإذا كانت الشركات الخاصة تعامل فى الوقت الحالى وكأنها مملوكة
لمواطنين من الدرجة الثانية وتظل محرومة من الكثير من المزايا التى تتمتع
بها المؤسسات التابعة للدولة، فإن المؤسسات الأجنبية فى ظل منظمة التجارة
العالمية لا بد أن تتمتع بنفس المعاملة التى تلقاها المؤسسات التى تديرها
الدولة وعلى قدم المساواة، وبالتالى سيكون من الصعب الاستمرار فى ممارسة
التمييز ضد المؤسسات الخاصة المحلية.
تتطلب
منظمة التجارة العالمية الحيدة فى النظام القضائى، واستقلالية الهيئات
التشريعية، وشفافية العمليات القانونية، والمساواة فى تطبيق القوانين،
وكلها من السمات الأساسية للنظام القانونى الغربى التى لن تستطيع الصين أن
تغض البصر عنها، وإلا فإنها ستخسر فرصة الحصول على ما تهدف إليه من تجارة
عالمية واستثمارات أجنبية وسيؤدى ذلك إلى كبح التنمية الاقتصادية التى
تعتبر الركيزة الأساسية لشرعية الحكومة الصينية. هناك حاجة عاجلة إلى
إصلاحات قضائية تعالج الكثير من المسائل المتعددة وخاصة المساواة التى تضمن
للمتقاضين من مختلف الأقاليم الحصول على نفس المعاملة.
وأخيرا
، فإن
عضوية منظمة التجارة العالمية ستؤدى إلى ضغوط تطالب بإصلاح الحزب الشيوعى
نفسه، وستكون الخطوة الأولى فى هذا المضمار هى تحويله الى "حزب اشتراكى"
على غرار ما حدث أثناء تحول دول أوروبا الشرقية، وسيتضمن التحول إحداث
تغييرات فى المجالات التالية:
·
السماح بالخصخصة الاقتصادية على نطاق واسع.
·
السعى إلى تمثيل الأغلبية بد لا من الاكتفاء بتمثيل طبقة البروليتاريا.
·
قبول
عمليات المراجعة وإدخال التوازنات على ما يعرف باسم قوة ديكتاتورية
البروليتاريا.
·
قبول
التعددية الاجتماعية.
·
قبول
التغيرات الاجتماعية غير المصحوبة بالعنف.
وإننى أتوقع أن
يتم تسليط الأضواء على هذه التغيرات بالبدء بإصلاح الحزب الشيوعى الصينى
وتحويله إلى حزب اشتراكى صينى لما لذلك من تأثيرات عميقة ومطلوبة، لأنها
ستسمح للحزب بالخروج عن أيديولوجيته المعتادة وتضع الأسس لنظريات سياسية
جديدة ونظام حكومى جديد. ويجب أن تضع الصين نصب أعينها أن التغيير قادم لا
محالة.
---------------------------------------------
كاتب هذا
المقال السيد/ تشاو سي يوام مدير شركة بكين تشاو سي يوام واستشارات الإفلاس
المتحدة، وهو من أبرز مؤيدى الاصلاح السياسى والخصخصة فى الصين، ومعروف
بهذه التوجهات على الصعيدين الصينى والغربى. وقد ألقى العديد من الكلمات
ونشر الكثير من المقالات فى الصين نادى فيها بتطبيق آرائه السياسية الحساسة
التى تتضمن الدعوة إلى تعديل الدستور لحماية حقوق الملكية، والسماح بتوجيه
النقد للمؤتمر الشعبى الوطنى وضمان حرية الصحافة.