هل يكون الإفصاح بلا حدود؟

كتبها:  جريجورى جيهلمان

مع تزايد نمو اقتصاد السوق العالمى والتنافس بين مصالح الاطراف المختلفة، تتزايد درجة التدقيق فى نشاط وأداء الشركات.  ويظل أمر الشفافية المتحققة من خلال الافصاح أمرا خلافيا يحتاج الى ايجاد توازن بين المستوى المقبول لدى الشركات وبين المستوى الذى يرغب فيه الأطراف المتعددة الأخرى.  وقد عبر الكثير من المحللين عن رأيهم فى أن افتقاد الشفافية والمساءلة قد ساهم بشكل كبير فى الضعف المالى على مستوى الشركات وعلى المستوى الوطنى فى كثير من الازمات المالية الاقليمية التى حدثت فى الآونة الأخيرة.

ونشير هنا الى ان الشركات تسعى الى الحصول على مزيد من رؤوس الأموال وتحقيق قدر أكبر من السيولة ولذلك تتطلع الى اجتذاب مستثمرين فى اغلب الاحيان لا يعلمون عن عملياتها اليومية شيئا.  ومن هنا يكون على الشركات المسجلة فى اسواق المال الكشف عن حساباتها وأنشطتها من اجل اجتذاب استثمارات كافية لتمويل التوسع فى انشطتها المتنوعة واكتساب ثقة المستثمرين.  وتخلق هذه المكاشفة بالطبيعة ضررا بالنسبة للشركة العامة بسبب التكلفة الاضافية اللازمة لاصدار المعلومات بالاضافة الى وضع عملياتها ونشاطها تحت المجهر من قبل العامة بما فى ذلك المنافسين.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن الشركة المغلقة التى يسيطر عليها عدد قليل نسبيا من المساهمين او افراد العائلة لاتواجه نفس متطلبات الشفافية.  فمعظم الشركات المغلقة وهى النمط الاكثر شيوعا تتعامل وتتفاعل مع دائرة صغيرة من المستثمرين والشركاء وتعمل فى ظل ادنى مستوى من الافصاح.  وعلى الرغم من فعالية هذا الشكل التنظيمى للشركات على المستوى المحلى، إلا انها مهما نمت، فلن تتجاوز حجما معينا لأنها محددة بثروات اصحابها او المساهمين فيها.  بالاضافة الى ذلك فان دخول تلك الشركات اسواق راس المال والتنافس مع كيانات اخرى محلية ودولية للحصول على الموارد المالية الدولية القليلة وعلى اهتمام المستثمرين والاطراف الاخرى ذات المصلحة يكون امرا صعبا بسبب انعدام الشفافية فى اعمالها.

إلا أن الشفافية ليست هدفا فى حد ذاتها، فهناك تكلفة تترتب على توفير المعلومات الدقيقة.  وستسعى الاسواق الى التوفيق بين التكلفة المرتفعة لتجميع المعلومات وتحليلها واستخدامها وبين الحاجة للافصاح عن المعلومات لخدمة مصالح مختلف الاطراف ذات المصلحة وخدمة المصلحة العامة.

اصحاب المصالح فى الاقصاح

هناك الحاح على الشركات فى كلا من الاسواق الصاعدة والمتقدمة لأن تكون أكثر افصاحا ليس فقط فى تقاريرها المالية ولكن أيضا حول أدائها فى القضايا الرئيسية الاجتماعية والاخلاقية والبيئية.  ويكون بالتالى على الشركات الاستجابة لمصالح الاطراف المختلفة أو ايجاد التوازن بين مصالح تلك الاطراف وتشمل تلك الاطراف الادارة ومجلس الادارة والمساهمين (بما فيهم المؤسسات الاستثمارية) والشركاء التجاريين والعملاء وجهات الائتمان والحكومات.

وعند دراسة اطار الافصاح وحدود هذا الافصاح يجب مراعاة جميع تلك المصالح المتنافسة.  ومن اجل تعزيز الثقة فى الاسواق، يجب ان يكون هناك اطار كاف لضمان الافصاح باسلوب دقيق وسريع.  إلا أن هذا الاطار يكون عديم الجدوى بدون ضمان توازن المصالح بين المستثمرين وبدون الآليات المناسبة لتنفيذ متطلبات الافصاح.

الافصاح الالزامى

تفرض معظم الدول الرأسمالية المتقدمة على مصدرى الأسهم شروطا للافصاح عن معلومات معينة حول نشاطها والعمليات التى تتم بها بما يضمن الحق المتساوى فى الحصول على حد أدنى من المعلومات.  فمعظم أنظمة الافصاح تم تصميمها لحماية المستثمرين وسلامة السوق  فبدون مستوى مرتفع من الشفافية لا يستطيع المستثمر أن يطمئن أنه حصل على السعر العادل لأوامر الشراء والبيع فى السوق.

وعلى الرغم من ان على كل دولة ان تضع معايير لتلبية احتياجاتها المحددة فأن هناك بعض معايير الافصاح التى يجب وضعها فى اطار الزامى.  فقبل الطرح الأولى للاسهم يجب أن توفر الجهة المصدرة  للاسهم حدا أدنى من المعلومات للمستثمرين طبقا لما يفرضه القانون او القواعد المنظمة للسوق.  وبعد ان تنتهى الشركة من عملية البيع الأولية، يجب أن تضع اطار للافصاح الدورى يتم فيه مراعاة ان يتمكن اصحاب المصالح من تقييم استثماراتهم او فهم جدوى هذا الاستثمار.  كما يجب ان تفرض اسواق رأس المال على الشركات المسجلة حد أدنى من الافصاح للحفاظ على سلامة الاسواق.  وفى نفس الوقت يجب ان يكون على الشركات واجب الافصاح للعامة عن المعلومات غير المتاحة فى الوقت الراهن قبل القيام بالمتاجرة فى الاوراق المالية للشركة.  واخيرا، اذا قامت الشركة باصدار بيان لم يكن دقيقا فى حينه، يكون عليها واجب تصحيحه فور اكتشفاها أن المعلومة التى صرحت بها غير صحيحة.

الافصاح الطوعى

فى حين يفرض الاطار الالزامى حدا أدنى من متطلبات الافصاح، فأن اصحاب المصلحة كثيرا ما يسعون الى الحصول على معلومات اكثر كثيرا من المعلومات التى يتطلبها اطار الافصاح الالزامى.  وتشمل المعلومات الطوعية التوقعات والتقديرات وهى فى كثير من الأحيان أهم من الافصاح الالزامى عن معلومات تاريخية.  غير أن المعلومات التى تتوفر حول التوقعات والتقديرات تؤدى فى كثير من الاحيان الى التضليل.

فى الولايات المتحدة الأمريكية، يوفر المشرعين اطار آمن للتصريحات والبيانات حول المستقبل وذلك لتشجيع الشركات على توفير تلك المعلومات حول نشاطها دون خوف من التشريع، حيث يجب ان توضح الشركة مثلا أن هذه البيانات تخص المستقبل كما يجب ان تحدد بعض العناصر الهامة التى من شأنها تغيير النتائج الفعلية بالنسبة للنتائج المتوقعة فى البيان.

وقد يكون لبعض الافراد او الكيانات مثل المحللين الماليين أو المؤسسات الاستثمارية او حاملى الاسهم الرئيسيين علاقة بادارة الشركة وبسبب هذه العلاقة كثيرا ما يتمكنون من الحصول على معلومات غير متاحة للعامة.  وكثيرا ما يكون الاجتماع مع تلك الاطراف اجتماعا خاصا قد يبدو فيه تمييزا عن العلاقة مع اصحاب المصالح الآخرين.  ومن الضرورى أن تدرس جميع نظم الافصاح هذه المشكلة الخاصة "بالافصاح الانتقائى".

إلا أن كثيرا ما يتطلب الامر ان تقوم الشركات بالافصاح لجهات حكومية متعددة عن بعض المعلومات.  وهذه المعلومات التى يتم الافصاح عنها مثل المعلومات فى مجال المؤسسات المالية، تكون فى كثير من الاحيان هامة لمتابعة الأداء الصحى لصناعة معينة. وطالما ظلت تلك المعلومات سرية، تكون الشركات اكثر صراحة فى التقييم الذى تقدمه للجهات الرقابية. 

حدود الشفافية

ساد اتجاه كبير لدى العامة خلال السنوات القليلة الماضية يطالب بدرجة اكبر من الافصاح.  ومن اسباب النمو الكبير فى الاقتصاد العالمى فى السنوات السابقة قدرة الشركات والكيانات الاخرى على إتاحة المعلومات عبر الحدود فى ومن قصير جدا من خلال التقنيات الحديثة المتعددة.  وهذه القدرة المضافة على الاتصال لها ايضا سلبياتها حيث يجب على الشركات الحذر وتقليل المخاطر التى قد تنتج عن الافصاح عن المعلومات بشكل غير متعمد أو غير مرغوب فيه.  ففى هذا العصر الجديد، يجب أن تقوم الشركة واصحاب المصالح فيها بفحص المعلومات وتحديد الدقيق والخاطئ منها.

وبينما تتحرك اقتصاديات الاسواق الصاعدة بشكل عام نحو زيادة درجة الشفافية المطلوبة من الشركات، يكون من الضرورى وجد حدود لذلك من اجل حماية الشركة من الافصاح غير اللازم والافصاح الذى قد يسلب قدرتها التنافسية من خلال التكلفة الاضافية.

ففى الاقتصاديات الحرة، يفرض على الشركات الافصاح عن المعلومات المادية فقط واعتبرت المحاكم الامريكية أن المعلومات تكون مادية "إذا كان احتمال كبير بان الافصاح عن حقيقة تم اغفالها كان يمكن ان يغير من ناتج اجمالى المعلومات المتاحة من وجهة نظر المستثمر العاقل".  وعلى سبيل المثال تكون الحقيقة مادية اذا كان يمكن للمستثمر ان يأخذها فى اعتباره عند اتخاذ قرارا بالشراء او البيع او تجميد السندات.

الملكية الفكرية

حماية الملكية الفكرية مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية وحقوق النشر والاسرار التجارية واكواد المصدر تعتبر هى من المجالات التى تلقى اهتماما عند الحديث عن الافصاح.  وعلى الرغم من عدم وجود اتفاق موحد فيما يتعلق بمعاملة او حماية مثل هذه الملكية الفكرية إلا أن مفهوم الملكية الفكرية يلاقى فهما على المستوى الدولى.  فالملكية الفكرية هى فى الاساس أمر غير ملموس والموقف من الملكية الفكرية هو عكس الموقف من التصنيع.  ففى حين يسعى التصنيع الى أقل تكلفة انتاج عبر الحدود، نجد ا ن الدول تسعى لتحديد حركة الملكية الفكرية بدعوى الحاجة لقوانين تحمى المصالح المالية فى العمل الخلاق لأن هذه الحماية تشجع وتعزز المزيد من الابداع واخلق بما يؤدى الى خلق المزيد من الفرص.  إلا أن هناك اقلية من اصحاب المصالح الذين ينظرون الى حماية الملكية الفكرية باعتبارها عائق لسوق تبادل الافكار.

ولكن الشركات ستستمر فى السعى لحماية حقوق الملكية الفكرية بشكل عام للحفاظ على مزاياها التنافسية.  وعلى العكس من قوانين الافصاح الالزامى، تقوم قوانين الملكية الفكرية بتحديد مستوى الافصاح وتوفر حماية لملكية اصبحت عامة بالفعل.  ويجب أن يكون لأى اطار من أطر حماية الملكية الفكرية معايير للحماية او معاقبة المخالفين بما فى ذلك عقوبات مالية وجنائية.

ومن الامور الجدلية فى قانون الملكية الفكرية الاسرار التجارية.  وكقاعدة عامة السر التجارى قد يكون اى معلومة غير معروفة بشكل عام فى صناعة ما ويتم استخدامها فى علاقة عمل للحصول على ميزة تنافسية وأن تكون المعلومة سرية ومحددة ومثبتة.  ولأنه ليس هناك قانون عالمى للاسرار التجارية او حتى تعريف لمكونات السر التجارى، فيمكن أن تعتبر المعلومة سرا تجاريا محميا فى بلد ما ولكنها تعتبر معلومة عامة فى بلد أخر.  ولذلك، ستسعى الشركات الى تحديد درجة الافصاح عن الاسرار التجارية فعليا ومن خلال العقود.  وتسعى الشركات الى فرض المزيد من الحماية القانونية بدعوى أن الافصاح عن تلك الاسرار يوفر للمنافسين ميزة غير عادلة والحصول على عوائد نتجت عن ابحاث استغرقت الكثير من المال والوقت دون صرف مقابل للشركة التى قامت بتلك الابحاث.  والحماية الفعالة لمثل تلك الملكية تؤدى فى كثير من الاحيان الى الفرق بين النجاح والفشل.

يجب أن تقوم الشركات بتقييم التكلفة الناتجة عن التوافق مع قوانين البيئة ويشمل ذلك التكلفة الناتجة عن الاجراءات القانونية الفعلية او المحتملة الناتجة عن عدم التوافق والمردود المادى الذى قد ينتج عن الاتجاهات الجديدة فى القواعد البيئية.  وتعزف الشركات عن الافصاح عن المشاكل البيئية المحتملة خوفا من التكلفة القانونية المرتفعة واضطراب المجتمع.  إلا ان اصحاب المصالح المهتمين بمصالح المجتمع سيستمرون فى السعى نحو مزيد  من الافصاح فى مجال الانشطة المؤثرة على البيئة مثل الاراضى الملوثة واستخدام الموارد والنفايات السامة.  ويجب ان يتناول اطار معايير الافصاح فى هذا المجال الاضرار البيئية المحتملة.

كما أن الافصاح المبكر حول المفاوضات التى تقوم بها الشركات يمكن أن يحمل ضررا للشركات التى تسعى نحو الاندماج او ما شابه ذلك.  فاذا تسربت المعلومات قبل اتمام الصفقة او قبل الاتفاق على شروطها الاساسية، يمكن ان يفقد أى من طرفى الصفقة قوته التفاوضية مع التغير الذى سيحدث فى سعر سهم الشركتين نتيجة للافصاح عن هذه المعلومات.  وعلى الرغم من ان الشركات يجب ان تقوم بمفاوضاتها فى سرية من اجل الحصول على افضل الشروط فهناك بعض الظروف التى تحتم على الشركات الافصاح عن بعض المعلومات مثل ضرورة افصاح الشركة عن تلك الصفقات فى حال قيامها بالمتاجرة فى أوراقها المالية.

كما قد يؤدى اغلاق مصنع او الاستغناء عن العمالة الى ردود فعل تؤدى فى بعض الاحيان الى الاضطرابات وعلى الرغم من أن الشركات تسعى دائما لإدارة نشاطها باسلوب كفء فأنها تضطر فى بعض الاحيان الى اتخاذ مثل تلك القرارات.  وهناك تشريعات جديدة فى بعض الدول تحتم على الشركات اعطاء اخطار مسبق فيما يتعلق بقراراتها المؤثرة على مجتمع معين حتى وان كان ذلك القرار غير مادى فيما يتعلق بالنشاط الكلى للشركة.  ويوفر هذا الاخطار فرصة للعاملين المتضررين او ممثليهم او المجتمع او الحكومة المحلية للاستجابة للقرار او محاولة تعطيله سواء بالقانون او بالتفاوض.  وعلى الرغم من ان مصالح الاطراف الاخرى تختلف عن مصلحة الشركات فأنه يتعين على الحكومات ان تكون حريصة على عدم اعاقة قدرة الشركة على اتخاذ قرارات عاقلة فيما يخص اعمالها.

وقد ادى تفعيل نشاط المساهمين والمجتمع الى قيام مجالس ادارات الشركات فى بعض الاحيان ببحث القضايا الاجتماعية والاخلاقية التى كانت فى وقت سابق محل اهتمام الدولة فقط.  وهناك أيضا أمور تتزايد المطالبة بالافصاح فيها مثل حقوق الانسان والعمالة والنصب والفساد.  هذه الأمور يجب أن تظل طوعية بشكل اساسى.

تنفيذ العقوبات والالتزام بالقانون

وسيكون اطار الافصاح غير فعال إلا اذا كان هناك آلية لإلزام الشركات بالتوافق وضمان الفرصة المتساوية لجميع المستثمرين فى الحصول على المعلومات التى تم الافصاح عنها.  وعندما يحدث ما من شأنه التأثير على نشاط السوق او على سعر الأوراق المالية للشركة، يكون على المخولين بادارة الشركة مسئولية ضمان سرية هذه المعلومات حتى يتم الاعلان عنها بشكل رسمى.  ويجب أن يكون المبدأ العام هو "التزم بالافصاح او توقف عن المتاجرة".  والعقوبات المدنية والجنائية من شأنها أن تدعم تحريم مثل هذه العمليات.

ولضمان دقة المعلومات واصدارها فى الوقت المناسب، يجب ان توفر جميع انظمة الافصاح للمستثمرين اطار للتخلص من الاضرار الناتجة عن مخالفة هذه القوانين. ولذلك يكون من العدل اعطاء المستثمر الحق فى ابداء معارضته اذا تصور أن الشركة والقائمين على ادارتها مسئولين عن عدم دقة المعلومات او عن الافصاح بمعلومات مضللة.  وعندما يتوفر اطار تقوم الحكومة بمقتضاه بتنفيذ العقوبات، فأن المعارضة من قبل المستثمر ستكون ضمانا لقيام الشركة بالافصاح الكافى.

ان العولمة والتكنولوجيا والابتكار لهم تأثير بالغ فى تغيير الاسواق والتنظيمات والمؤسسات.  وعلى الرغم من الصعوبة فى تحديد معالم الافصاح الذى ستقوم به الشركات إلا ان هناك شئ بديهى وهو ان المعلومات الدقيقة الصادرة فى الوقت المناسب والتى يمكن الاعتماد عليها هى من اساسيات السوق كما ان العولمة تدفع نحو التوفيق بين المعايير المختلفة.  وكذلك تلعب التكنولوجيا دورا هاما حيث تتجاوز الحدود القانونية والجغرافية وتفرض التوافيق بين الانظمة والقواعد المتعددة.

ففى مجتمع المعلومات، انتهت أيام السرية الكاملة والمعلومات المبهمة واصبح الافصاح ضرورة.  إلا ان على الحكومات الاستمرار فى معرفة مصالح مختلف الاطراف والموازنة بين تلبية تلك المصالح من خلال الافصاح وبين التكلفة المترتبة على الافصاح على مستوى الشركة وعلى مستوى الاقتصاد الكلى مع الاحتفاظ باطار اقتصاد السوق الحر.