مواجهة التحديات الجديدة: التنمية فى جمهوريات الاتحاد السوفيتى سابقا

مقابلة مع : آندرز آسلوند Anders Aslund

أتيحت الفرصة مؤخرا للسيد/ آندرو ويلسون مسئول برامج مركز المشروعات الدولية الخاصة لمنطقة أوروبا الوسطى وأوراسيا لاجراء مقابلة مع السيد/ آندرز آسلوند الخبير المعروف فى شئون روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتى سابقا وأحد كبار أعضاء مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى. السيد/ آندرز آسلوند هو مؤلف كتاب جديد عنوانه : بناء الرأسمالية: تحول الكتلة السوفيتية سابقا (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 2001)، ودار بينهما الحوار التالى:

لم تتطرق كثيرا فى كتاباتك إلى موضوع العلاقة بين الديموقراطية والأسواق الحرة، فإلى أى مدى ترى أن الديموقراطية تساعد على تنمية اقتصاد السوق؟ ومن جهة أخرى، هل تساعد تنمية اقتصاد السوق على تعزيز الديموقراطية؟

السيد / آسلوند : القاعدة العامة هى أن توجد الأسواق الحرة والملكية الخاصة جنبا إلى جنب مع الديموقراطية ، ولكن ذلك لا يخلو من بعض الاستثناءات وخاصة فى شرق آسيا حيث لم تكن الأنظمة هناك قمعية جدا، وكذلك فى شيلى تحت حكم بينوشيه. أما فى المنطقة التى تحولت عن الشيوعية فكانت هناك ظروف خاصة تجعل وجود الديموقراطية شرطا أساسيا لضمان وجود اقتصاديات السوق. والعنصر الأول هو أن سيطرة الدولة فى تلك البلدان كانت قوية جدا حتى أصبح من الضرورى أن تكون هناك سيطرة ديموقراطية على الدولة لكى تمنعها من التدخل فى السوق.

ولقيام اقتصاد السوق لا بد فى المقام الأول من خصخصة مؤسسات الدولة ، إلا أن الانتهازيين السياسيين والمديرين الشيوعيين السابقين هم الذين استأثروا بجميع المزايا فباعوا لأنفسهم الشركات التى كانت مملوكة للدولة بثمن رخيص، ولا شك أن الديموقراطية هى الطريق الذى يحول دون تمكين هذه الفئة من الاستحواذ على كل شئ. وهناك علاقة تبادلية قوية جدا بين إصلاح اقتصاد السوق، والخصخصة، والديموقراطية، وهى ذات الأشياء التى نفذتها دول أوروبا الوسطى ودول البلطيق بالكامل، فقد أصبحت دولا ديموقراطية تماما وقامت بخصخصة حوالى ثلاثة أرباع مؤسساتها ثم اتجهت مؤخرا نحو اقتصاديات السوق الحرة. وعلى الجانب الآخر تجد بعض البلدان التى ما تزال واقعة تماما تحت سيطرة الدولة، وما تزال مؤسساتها مملوكة بالكامل للدولة، وخاضعة لنظم شديدة الديكتاتورية وهى على وجه التحديد روسيا البيضاء وتركمنستان وأوزباكستان.

لقد تعرضت فى كتاباتك إلى دول لم تنفذ الاصلاحات الاقتصادية إلا بصفة جزئية وقارنت فيما بينها وبين دول تنفذ الاصلاحات الاقتصادية برمتها فى وسط وشرق أوروبا، فما هو تأثير الاصلاحات الجزئية؟

السيد / آسلوند: الأوضاع جيدة جدا فى دول أوروبا الوسطى ودول البلطيق التى تطبق الاصلاحات الكاملة. ولكن الوضع الذى ما يزال مثيرا للاهتمام هو وضع الدول التى تطبق الاصلاحات بصورة جزئية مثل روسيا وأوكرانيا وذلك بالمقارنة مع دول أخرى لم تطبق أية إصلاحات مثل روسيا البيضاء وتركمنستان وأوزباكستان.

ويرى البعض أن الاصلاح الجزئي أسوأ من عدم إدخال الاصلاح، لأنهم يرون أن فشل الاصلاح الجزئى يعنى أن أوضاع البلاد ستصبح أسوأ مما كانت عليه من ذى قبل، ولكننى لا أتفق مع أصحاب هذا الرأى. فقد رأينا خلال الأعوام الثلاثة الماضية أن الإصلاحات الجزئية التى تمت على وجه الخصوص فى روسيا وأوكرانيا وقازاخستان أصبحت متماسكة، حيث بلغ متوسط معدل النمو فى روسيا  6% خلال السنوات الثلاثة الماضية، ورغم أن هذه الدول تحولت الى مجتمعات تبحث عن الريع rent-seeking  فقط إلا أن ذلك كان لفترة محدودة.

هل تسمح بتعريف معنى المصطلح "باحثة عن الريع rent-seeking " وأن تشرح لنا معنى "السلوك الباحث عن الريع" ؟

السيد / آسلوند: المقصود بالبحث عن الريع هنا هو الحصول على أرباح أعلى من أرباح السوق التنافسية المتوازنة. والسلوك الباحث عن الريع هو المحاولة للحصول على مركز متميز فى السوق من خلال الدعم الحكومى أو القوانين واللوائح.

والحقيقة أن الأزمة المالية التى مرت بها روسيا سنة 1998 هى التى وضعت حدا للمجتمع الباحث عن الريع الذى كان يرسى قواعده آنذاك، وأصبحنا الآن نلمس تنمية حقيقية فى روسيا وقد يصل معدل النمو هذا العام إلى 6%، أما فى أوكرانيا وكازاخستان فقد تصل هذه النسبة إلــى 10%. ومعنى ذلك بداية تمكين مجموعات جديدة فى تلك المجتمعات، وأن هذه المجموعات لن تسمح بعودة النظام الريعى القديم. وقد تبين لنا خلال السنوات الثلاثة الماضية أن إدخال بعض الاصلاحات خير من عدم إدخال الاصلاحات على الاطلاق، وأن أية إصلاحات تتم الآن تعتبر استثمارا فى المستقبل.

ورغم ذلك، هناك احتمالات السقوط فى شرك الاصلاح. ومعنى ذلك على الصعيد السياسى أن عدم القيام بالاصلاحات السياسية الكافية سيؤدى الى استياء الشعب لأن الأداء الاقتصادى سيكون منخفضا، وبالتالى سيحصل الشيوعيون على تأييد أكثر. وعندما تقوى شوكة الشيوعيين سيتعذر القيام بأى اصلاحات لأنهم لا يريدون التحرك تجاه اقتصاد السوق.

وعلى الصعيد الاقتصادى هناك مشكلة الخصخصة، حيث سيسعى المستثمرون فى بداية الأمر إلى شراء ممتلكات الدولة بثمن رخيص ثم تصفيتها، فهم لا يهتمون بالاستثمار فى تلك المؤسسات أو بإعادة هيكلتها. وبالتالى ستظل معدلات التنمية والاستثمارات فى الشركات الخاصة محدودة إلى أن تتم خصخصة حوالى 60% من الشركات المملوكة للدولة.

وهناك مشكلة أخرى تتمثل فى تخفيف القوانين.  ففى حالة وجود آلية باحثة عن الريع مثل الدعم الحكومى أو وجود لوائح أخرى تمكن الباحثين عن الريع من تحقيق مبالغ كبيرة من الريع (الربح) ، سيتمكن هؤلاء الناس من شراء القوة السياسية. وسوف تجد تحفظا من الآلية الباحثة عن الريع التى تتمتع بمقاومة كبيرة. ولكى نحطم هذه المقاومة فإننا نحتاج إلى صدمة مثل تلك التى تأتى عندما يظل العجز فى ميزانية الدولة كبيرا جدا ويستمر لمدة طويلة ويصبح عبء الديون باهظا جدا كما كان الحال فى بلغاريا سنة 1996 وفى روسيا سنة 1998. إن هذا النوع من الأزمات المالية هو الذى يحدث التغيير.

إن ما حدث فى روسيا سنة 1998 كان نمطيا للغاية، فمن الناحية الاستراتيجية تعرضت ثلاث مجموعات إلى الضرر الشديد. المجموعة الأولى هى الطبقة التى تكونت من المديرين الشيوعيين السابقين المسيطرين على المؤسسات المملوكة للدولة وغيرهم من أعضاء الحزب الذين استغلوا مراكزهم للاستفادة من الخصخصة. وقد ضعفت هذه الطبقة عندما استردت الدولة قوتها. وغيرت تلك المجموعة جلدها فلم تعد تصف نفسها بأنها الأقلية المسيطرة بل أصبحت تطلق على نفسها اسم "مجموعة رجال الأعمال"، ولم تعد قادرة على شراء السلطة السياسية بعد أن فقدت الكثير من أموالها فى الانهيار المالى.

أما المجموعة المتضررة الثانية فكانت مجموعة حكام الأقاليم التى تبوأت قمة الفساد الحكومى فى روسيا سنة 1998، حيث كانت أسوأ صور الفساد هى تلك الموجودة على مستوى الأقاليم، وكان معظم الدعم الحكومى موجها إلى الشركات العاملة على ذلك المستوى. وبعد الانهيار المالى ضعفت شوكة هؤلاء الحكام سياسيا مما مكن الحكومة الاتحادية من السيطرة على حصيلة الضرائب وإدارة ديون الدولة وتحسين الموازنة.

ومن العجيب أن المجموعة الثالثة التى أصابها الضعف كانت مجموعة الشيوعيين. لقد أظهر الانهيار المالى أن أنصاف الاصلاحات ليست مجدية. ونحن نميل إلى الحديث عن أنصاف الإصلاحات وكأنها وثيقة الصلة بالرأسمالية وأنها تؤكد على الرأسمالية مع أنها فى واقع الأمر تعتبر فى منتصف طريق الشيوعية. وقد أدرك الجميع فى نهاية المطاف فشل النظام القديم، وأنه من الضرورى التوجه إلى الرأسمالية الحقيقية، حتى أن الحزب الشيوعى الروسى نفسه قام قبل الانتخابات البرلمانية فى ديسمبر 1999 بتغيير برنامجه الاقتصادى لكى يبدو مؤيدا للإصلاح.

ولكن ذلك لم يحدث فى الحال، بينما كان رد الفعل الفورى فى كل مكان هو الشعور بأن الحزب الشيوعى هو المستفيد من هذا التغيير. والحقيقة أن الحكومة ضمت العديد من كبار الشيوعيين.  لكن بعد ذلك بسنة واحدة، وبعد التفكير المتأنى، تبين أنها مجرد أنصاف إصلاحات وأنها غير ناجحة، وأنه لا يوجد من يؤيد عودة الروح إلى الاقتصاد الشيوعى الموجه مرة أخرى.

ونتيجة لذلك، أصبح فى روسيا الآن نظام هائل لاقتصاد السوق خال من الفساد وعلى درجة قد تفوق - فى رأيى - ما تراه فى أى مكان آخر فى الغرب، لأن الشعب الروسى أصبح أكثر إدراكا لمبادئ اقتصاد السوق. لقد أصبحت درجة الوعى باقتصاد السوق وبأهمية وجود اقتصاد السوق مرتفعة بدرجة تفوق ما هو موجود فى أى مكان آخر.

فى دولة مترامية الأطراف مثل روسيا، هل من الممكن أن تقوم الحكومة المركزية وحدها بتحقيق الاصلاح؟ وفيما يتعلق بالأقاليم الروسية، ما هو رأيكم فى انتشار الاصلاح الاقتصادى فى تلك الأقاليم؟

السيد / آسلوند: أعتقد أن النقطة الأولى التى ينبغى ذكرها هى أن الاتحاد أصبح أضعف بكثير بالنسبة لحكومات الأقاليم. فمن الناحية الاقتصادية كانت الأقاليم الروسية حتى سنة  1998 تحصل على حوالى 15% من إجمالى الناتج المحلى بينما كانت الحكومة الاتحادية تحصل على حوالى 9%. أما فى الولايات المتحدة الأمريكية فإن الحكومة الاتحادية تحصل على حوالى 20% من إجمالى الناتج المحلى بينما تحصل الولايات على ما يزيد قليلا عن 10%. أى أن المعدل فى الولايات المتحدة هو 2 إلى 1، أما فى روسيا فهو 1 إلى 2. ويصل الدخل الاتحادى فى روسيا الآن إلى حوالى 17% بينما يتراوح دخل الأقاليم بين 8% و 9% من إجمالى الناتج المحلى، وأعتقد أن هذه المعدلات أفضل إلى حد كبير مما كانت عليه، وأنها قد أصبحت راسخة من الناحية الاقتصادية، كما أصبحت الحكومة الاتحادية أكثر شفافية من الحكومات الاقليمية. كان هذا على الصعيد الاقتصادى.

أما على الصعيد السياسى، فإن ما حدث فى صيف سنة 1998 هو أن حكام الأقاليم حالوا دون تحقيق موازنة الميزانية الاتحادية ومنعوا تدفق المزيد من الأموال إلى الحكومة الاتحادية، وهكذا كان حكام الأقاليم مسئولين عن الانهيار المالى. وأعتقد أنهم لو كانوا قد قبلوا بتعديل النظام الضريبى لأمكن تفادى الانهيار المالى الذى حدث فى يوليو 1998.

وهناك نقطة سياسية أخرى وهى أن الأقاليم أقل مساءلة وأقل شفافية من الاتحاد، ففى موسكو وحدها تصدر 20 إلى 25 جريدة يومية، أما فى الأقاليم فلا تكاد تجد إلا صحيفة مهيمنة واحدة خاضعة لسلطة الحكومة. ولذلك، عندما تتحدث مع نشطاء الديموقراطية فى روسيا ستجد أنهم فى موسكو ينتابهم القلق حول قوة بوتين، أما فى الأقاليم فإن نشطاء الديموقراطية ينظرون إلى قوة بوتين وكأنها محاولة لفرض سيطرته على الحكومة الاقليمية التى تفتقر تماما إلى الديموقراطية.

 وهكذا تجد فى الواقع أن هناك ضغطا ديموقراطيا لصالح سلطة اتحادية أقوى لأن الاتحاد أكثر ديموقراطية من الأقاليم.  وأعتقد أن استمرار هذا الوضع بعض الوقت سيجعل الأقاليم تتحسن من الناحية السياسية بعد أن بدأت فى الوقت الحالى تفقد شرعيتها لكونها غير ديموقراطية ولكونها أكثر فسادا من الحكومة الاتحادية.

 وبناء على ذلك لا ينتابنى القلق بشأن سياسة بوتين حول العلاقات الاتحادية – الاقليمية، ولكننى أعتقد أنه لكى يتم إخراج حكام الأقاليم من سياسة الاتحاد فلا بد من وجود كيان يشبه مجلس الشيوخ يقوم بتمثيل مصالح الاقاليم دون أن يشترك فيه نفس أولئك الحكام. ويكاد الهيكل الحالى لمجلس الاتحاد أن يكون كذلك، وإننى لأرجح أن يكون مجلس الاتحاد الألمانى هو النموذج الذى يتطلع إليه بوتين. كما أننى أزعم أن بوتين قد أدخل الكثير من التحسينات على العلاقات القائمة بين الاتحاد والأقاليم الروسية وأنه أدى إلى تحسين مستويات الشفافية والديموقراطية.

 أما الخوف على بوتين فإنه يأتى من كون الاصلاح يتم من القمة إلى القاعدة، ولعله من الأفضل أن يتم الإصلاح على مستوى القواعد والجذور. وتتبع أوكرانيا هذا النوع من الاصلاح لأن الإجماع على النخبة قد انهار بكل بساطة، وأصبح الإجماع الآن يتركز على قضايا الفساد والديون وبالتالى لم يعد بوسع قادة النخبة التواطؤ لجمع الأموال على حساب الدولة. ونتيجة لذلك أخذ نفوذهم وسلطانهم فى الانخفاض، وبدأت الدولة تستفيد من ذلك حيث أصبح من الممكن قيام شركات جديدة دون اعتماد على أى شكل من أشكال الدعم الحكومى.

وتوجد فى أوكرانيا الآن حوالى سبعة ملايين مؤسسة مسجلة، مقابل ثلاثة ملايين مؤسسة مسجلة فى روسيا، أى أنه توجد مؤسسة مسجلة واحدة لكل سبعة أشخاص فى أوكرانيا مقابل مؤسسة مسجلة واحدة لكل 50 شخصا فى روسيا. لقد أصبحت روسيا واقعة تحت سيطرة مؤسسات كبيرة جدا ، وأصبحت طغمة الأقلية الحاكمة تمثل مجموعة كبيرة وقوية من رجال الأعمال. وهذا الوضع كبير الشبه بالوضع الذى كان موجودا فى السويد أو فى فنلندا إبان المراحل المبكرة من التنمية الاقتصادية فى الدولتين. وأعتقد أنه من الأفضل جدا أن تقوم التنمية على أساس مؤسسات صغيرة كما هو الحال فى أوكرانيا.

القرار الاقتصادى الحرج الذى يساعد على تنمية المؤسسات الصغيرة هو إدخال نظام ضريبة الدفعة الواحدة التى تظل ثابتة لفترة طويلة بالنسبة للشركات الصغيرة، وبذلك تصبح للشركات الصغيرة مرتبطة بعلاقة واحدة مع الحكومة وهى تسديد ضريبة الدفعة الواحدة مرة كل سنة دون خضوع لعمليات التفتيش أو الشهادات أو التراخيص.

ما هو نوع الاصلاح الذى تطبقه أوكرانيا؟

السيد/ آسلوند: تتميز أوكرانيا بأنها اجتازت واحدة من أكثر تجارب التحول إثارة للاهتمام، ولعل السبب فى حدوث هذا التحول هو أن أوكرانيا كانت على وشك الانهيار، حيث كانت تواجه صدمة خارجية حقيقية. فبالرغم من أن ديون أوكرانيا الخارجية لم تكن كبيرة جدا  إلا أنها كانت تفتقر إلى الثقة التى تمكنها من تدبير التمويل. وفى مثل هذا الموقف الذى يدعو إلى اليأس، كان من الضرورى أن يوجد رجل يتمتع بمصداقية كبيرة على المستويين المحلى والخارجى، وتصادف أن يكون هذا الرجل هو أحد أكبر دعاة الاصلاح وهو فيكتور يوشتشينكو رئيس البنك الوطنى،  فقد تمكن بعد توليه منصب رئيس الوزراء من تحقيق عدد قليل من الاصلاحات الكبرى  فى فترة وجيزة كانت فيها البلاد مهددة بالانهيار.

وكان أول قرار اتخذه هو الإطاحة بمائتين وخمسين منصبا حكوميا وإلغاء العديد من اللوائح التى كانت تقدم امتيازات  لكثير من رجال الأعمال. ثم عين واحدة من طغمة الاقلية هى يليا تيموشينكو نائبا لرئيس الوزراء لشئون الطاقة، وقد وجدت سعادتها فى تعقب مؤيدى حكم الطغمة. لقد كانت هناك حاجة إلى شخصية تعى كيف يتم تدبير المال، وفى تقديرى الشخصى أن سياساتها نجحت فى تقليص الربح السنوى الجارى لتلك الطغمة بما قيمته أربعة بليون دولار وأنها نظفت قطاعات الطاقة وخاصة الكهرباء والغاز من الفساد، وكان ذلك يعادل 13% من اجمالى الناتج المحلى.

وأدت اجراءات الاصلاح الزراعى العميقة إلى عودة نصف الأراضى إلى الملكية الخاصة بالفعل، فزاد إنتاجها بنسبة 50% فى العام الحالى. وكذلك تم تطبيق نظام ضريبة الدفعة الواحدة على المشروعات الصغيرة التى نشأت خلال العامين الماضيين مما أدى إلى  نمو كبير فى كل من الزراعة والصناعة على حد سواء وصلت نسبته إلى 17% حتى الوقت الحالى من هذه السنة.

هل تعتقد أن هذا النجاح الهائل سوف يترجم الى اصلاح سياسى أعظم؟

السيد/ آسلوند: نعم، ويمكنك رؤية ذلك على الفور. فقد كانت طغمة الأقلية تشترى جميع اعلانات الصحف والاذاعات فى الفترة التى سبقت الانتخابات الرئاسية الأخيرة  فى شهرى أكتوبر ونوفمبر 1999 وقد تمكنت من ذلك بفضل المبالغ الكبيرة التى استولت عليها من أموال  الدولة. أما الآن فإن أعضاء هذه المجموعة لا يمتلكون المال وليست لديهم القدرة على ممارسة هذه الدعاية لأن إحدى القنوات التليفزيونية أصبحت مملوكة لواحدة من المجموعات الروسية الأكثر تقدما وقد جعلتها أحسن القنوات التليفزيونية فى أوكرانيا. وحيث أن طغمة الأقلية  لم تعد قادرة على السيطرة على وسائل الاعلام كما كان الحال قبل ذلك فإن الانتخابات المقبلة ستكون أكثر تنافسية من أى وقت مضى.

الآن، وقد أصبح النظام الشيوعى وحكم الأقلية فى المنطقة فى وضع ضعيف، ما هو فى رأي أكبر تهديد لعملية الإصلاح؟

السيد/ آسلوند: بعد وضع حكم الأقلية تحت السيطرة تصبح المشكلة هى جهاز الشرطة وخدمات الأمن وجامعى الضرائب، وتتسم هذه المنظمات الثلاثة باحتوائها على أعلى معدلات الجريمة. ولعل القضية الكبرى الآن هى تحقيق الإصلاح القضائى لضمان مكافحة الفساد فى إنفاذ القوانين. وقد أصدرت روسيا قوانين فيدرالية بشأن الإصلاح القضائى وهى خطوة نحو إحداث تغيير جوهرى فى هذا المجال.

جاء فى مقالاتك أنه يجب ألا تكون الأولوية الكبيرة للاستثمار الأجنبى، وأكدت أهمية أن تكون معظم الاستثمارات محلية.

السيد/ آسلوند: يركز الغرب  تركيزا شديدا على الاستثمار الأجنبى لأنه يحقق مصالح الغرب ذاته، وقد تلقت أذربيجان أعلى نسبة من الاستثمارات الأجنبية التى تراوحت بين  20% و 25% من اجمالى الناتج المحلى فى السنة الماضية. ومع ذلك ليس هناك أى شيء إيجابى يمكن ذكره عن أذربيجان فيما يتعلق بالإدارة الرشيدة للشركات أو حقوق الملكية، أو الحقوق القانونية، أو الليبرالية.ورغم ظهور تحسن ضئيل فى السنوات القليلة الماضية إلا أنه لا يكاد يذكر، و تعتبر أذربيجان - من بين 21 دولة - واحدة من أكثر الدول ديكتاتورية فى هذه المنطقة.

وعلى مستوى أوروبا الوسطى تعتبر بولندا، وجمهورية التشيك والمجر من أقل الدول اعتمادا على الاستثمار الأجنبى . وللمجر قصة نجاح فى هذا المجال، وإن كانت بولندا تفوقها فى معدلات النمو. أما جمهورية التشيك فقد تلقت الكثير من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالنسبة لحجم اقتصادها ولكنها مرت بركود ملحوظ فى النصف الثانى من التسعينات. وفى روسيا، يبلغ الاستثمار الأجنبى المباشر 2% من اجمالى الناتج المحلى بينما يمثل اجمالى الاستثمار حوالى 20% منه، وبالتالى فإنه لا يمثل نسبة هامة بالنسبة لاجمالى الاستثمارات. وهذا لا يعنى أننا نتخذ موقفا ضد الاستثمار الأجنبى، بل يعنى أنه لا يجوز اعتباره الدواء الناجع لكافة المشاكل.