الأرجنتين ومشاكل الرأسمالية

هل يكون الحل فى المزيد من الرأسمالية؟

فى مقال كتبته آنا إرياس خبيرة تحليل سياسات امريكا اللاتينية فى مركز الاقتصاد والتجارة الدولى بمؤسسة هاريتاج، أثارت الجدل حول علاج المشاكل الناتجة عن الرأسمالية ونظام السوق الحر.

تقول آنا إرياس أن الارجنتين كانت منذ قرن مضى واحدة من أغنى دول العالم.  ولكن ذلك كان فى الماضى قبل أن تغطيها سحب الكساد الطويل ومعدلات البطالة المتزايدة.  وقد رأينا قبل اعياد الميلاد كيف اندلعت المظاهرات فى شوارع الارجنتين واجبرت الرئيس الارجنتينى على الاستقالة.  أما عن القادة الجدد اعضاء حزب بيرو السياسى فيقولون انهم يعرفون لمن يوجهون اللوم.  يدعى القادة الجدد ان الرأسمالية التى تدعمها الولايات المتحدة والتى فرضت على العالم النامى خلال سنوات التسعينيات قد فشلت.  ولكننا نقول ان الرأسمالية لا يمكن أن تكون قد فشلت فى الارجنتين لأن الأرجنتين لم تحاول أبدا تطبيق الرأسمالية.

واذا رجعنا عشر سنوات الى الوراء نجد أن الأمور كانت تبدو أفضل مما هى عليه الآن عندما تولى الرئيس كارلوس منعم رئاسة الارجنتين.  فقد تبنت حكومة الرئيس منعم فلسفة السوق الحر وقامت بتنفيذ خطة تحرير اقتصادى واسعة حيث تم خصخصة المشروعات المملوكة للدولة والتخلى عن تحديد الاسعار وتم تخفيف القواعد عن النظام المصرفى كما تم ازالة العقبات المعوقة للاستثمار الخارجى.  كل هذه الخطوات ادت الى زيادة معدلات النمو الاقتصادى وساعدت على تخفيض عدد الأسر التى تعيش تحت خط الفقر من 38% عام 1989 الى 13% عام 1994.  ولكن على الرغم من تنفيذ تلك الاصلاحات بما تحتوى عليه من مزايا فأنها لا يمكن أن تؤدى بمفردها الى خلق بيئة مواتية لنمو الرأسمالية فى الارجنتين.  فمن أجل تحقيق الرفاهية فى المدى الطويل، كان يجب أن تقوم حكومة كارلوس منعم أولا من تخفيض تكلفة الأعمال فى الارجنتين.  أن معدل البطالة فى الارجنتين الذى لا يقل عن 18% يرجع الى جمود سوق العمل.  واذا نظرنا الى الولايات المتحدة، فأننا نجد أن جميع المزايا قابلة للتفاوض بما فى ذلك العطلات والتأمين الصحى والمكافآت والوضع يختلف تماما فى الارجنتين حيث أن كل تلك المزايا يحددها القانون.  وبالاضافة الى ذلك فان جميع المشروعات فى الارجنتين بدء من الشركات الكبرى الى الاكشاك المنتشرة فى الشوارع تعانى من الضرائب المرتفعة والقوانين الصارمة ثقيلة الاعباء.  وعن طريق الاستمرار فى فرض قيود كبيرة على التجارة فأن الارجنتين تعمل على مساندة صناعات محلية معدودة غير كفء على حساب المستهلك الارجنتينى.

وقد يعلق بعض المراقبين على أن بعض الدول مثل فرنسا والسويد والنرويج تفرض ضرائب وقوانين تتساوى فى العبء مع قوانين الارجنتين إن لم تزد عليها.  وهنا نأتى للحديث عن عنصر رئيسى من عناصر الرأسمالية الحقيقية وهو عنصر حقوق الملكية.  ولنكون أكثر دقة فأن البلاد التى ذكرناها لا تواجه مشكلة على الاطلاق عند حماية هذه الحقوق فى حين تواجه الارجنتين مشاكل جمة فى حماية حقوق الملكية.

طبقا لمقياس الحرية الاقتصادية لعام 2002 الذى تقوم بنشره مؤسسة هريتاج بالاشتراك مع وول ستريت جورنال، فأن الهيئة القضائية فى السويد هيئة مستقلة وتضمن لمواطنيها العدالة فى تطبيق القانون ونفس الشئ ينطبق على فرنسا والنرويج.  ولكن فى حالة الارجنتين، لا يمكن الاعتماد على القضاء فى حماية الملكية الخاصة.  ولذلك فليس هناك ما يدعو الى الاستغراب عندما يقرر المستثمرون توجيه اموالهم فى السويد  والنرويج وفرنسا بدلا من توجيهها نحو الارجنتين.  وعلى الرغم من ذلك لم تقم أى من الحكومات الارجنتينية منذ الثلاثينيات باعتبار موضوع حماية حقوق الملكية موضوعا رئيسيا فى سياسات الاصلاح التى قامت بها.

وهذه المشكلة للأسف الشديد غير قاصرة على الارجنتين فمن بين الدول التى ادرجت فى مقياس عام 2002 وعددها 161 نجد أن 45 دولة فقط مها توفر حماية مرتفعة أو مرتفعة جدا لحقوق الملكية بينما تندرج 116 دولة بين الدول التى توفر حماية ضعيفة جدا لحقوق الملكية.  واذا تحدثنا بشكل نسبى نجد أن النشاط الاقتصادى فى اقل من ثلث دول العالم يمكنه الاستمرار بقوة الدفع الذاتى ولذلك لا نتعجب عندما نعلم ان70% من دول العالم هى دول فقيرة طبقا لتقديرات البنك الدولى.

تشيلى وبولندا توفران مثالا يصور كيف يمكن لدول العالم الثالث ان تحقق نجاحا اقتصاديا وان تحسن من مستويات المعيشة من خلال تدعيم حكم القانون.  ففى اواخر الثمانينات قامت كلا من الدولتين بالبدء فى حماية حقوق الملكية بشكل متواضع تطور فى التسعينيات الى حماية مرتفعة لحقوق الملكية كما يبين مقياس الحرية الاقتصادية الصادر اخيرا.  وفى تلك الفترة زاد متوسط نصيب الفرد من الدخل بشكل مستقر.  واليوم يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلى الاجمالى فى تشيلى أكثر من ضعف ما كان عليه عام 1989 بينما ذاد فى بولندا الى اكثر من 50% مما كان عليه عام 1989.

أن على دول العالم الثالث تبنى الرأسمالية فى مجملها وليس فى اجزاء منها.  أن فتح الاسواق بشكل جزئى استجابة لأزمة ما أو استجابة لضغط من الولايات المتحدة لا يؤدى الى بناء مجتمع رأسمالى ولذلك لا تتوفر أبدا لمثل تلك المجتمعات الرفاهية المنتظرة.  ولنأمل أن تفهم حكومة الارجنتين القادمة ذلك وإلا يكون علينا انتظار المزيد من الاستقالات.