تحرير التجارة وفك التحالف بين السلطة والمال فى دول العالم الثالث

 

رأفت سليمان

كاتب المقال محرر متخصص فى الشئون الاقتصادية يعمل نائب رئيس القسم الاقتصادى بصحيفة الاهرام المصرية وهى أكبر الجرائد توزيعا وانتشارا فى منطقة الشرق الاوسط.  يهتم ايضا بالعمل العام وذلك من خلال الانضمام للجمعية المصرية للصحفيين الاقتصاديين التى يشغل بها منصب الأمين العام.  وهو عضو فاعل فى المنتدى الاقتصادى الدولى بمصر.

يحاضر فى معهد الاهرام الاقليمى للصحافة.

مثلما كانت التجارة فى عصور ما قبل التاريخ وما بعده عاملا مؤثرا فى نقل الديانات الجديدة وقت ظهورها ونقل الثقافات أيضا، فستكون التجارة الحرة عاملا حاسما ومؤثرا فى تغيير طبيعة وتركيبة النظم السياسة فى دول العالم الثالث. فلا يمكن القول ان تحرير التجارة سيكون له انعكاسات اقتصادية فقط على النمو الاقتصادي فى تلك الدول بل يمكن الجزم والتأكيد ان هذه الدول من الممكن ان تشهد أيضا نموا ديمقراطيا وذلك فى طريق تعظيم منافع الاستفادة من مناخ الاقتصاد العالمى الذى أهم معالمه حرية التجارة وسيادة مفهوم الديمقراطيات.

والقول ان الاستفادة ستكون اقتصادية فقط يعد قولا مغلوطا، لان المتغيرات الاقتصادية الجمة التى ستعود على بلدان العالم الثالث سوف تمتد الى الجوانب السياسية وخلخلة طبيعة التركيبتين الاجتماعية والسياسية السائدتين فيها مع صعود قوى جديدة تعيد رسم الخريطة السياسية وهو ما سوف ينعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية المتراكمة عبر عشرات السنين فى هذه البلدان التى تأزمت فيها النظم السياسية لسنوات طويلة وظلت تعانى من ديمقراطية مشوهة مصنوعة بفعل علاقات اجتماعية واقتصادية مشوهة أيضا.

ولا يخفى على قارئ هذا المقال ان بلدان العالم الثالث التى نشأت فيها حكومات عسكرية من خلال النظم  الثورية التحررية فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وقادها العسكر كانت ولا يزال الكثير منها تئن تحت وطأة عدم وجود ديمقراطيات حقيقة بفعل ما فعله العسكر فيها من تشويه الشكل المؤسسى لكيان الدولة وإضعافه للدرجة التى كان يستحيل معها قبول مبدأ التغيير الديمقراطى من خلال نمو القوى الوطنية المناهضة لذلك وجماعات الضغط واللوبيات الاجتماعية والسياسية والمنظمات غير الحكومية -لأنها بالطبع كانت ضعيفة - وعدم الأخذ بالكيان الحديث للدولة.  حتى وان كانت بعض الدول قد استطاعت ان تحقق جزء ملموسا من النمو الاقتصادى فانه كان نموا مغلوطا لم يلبث ان ذابت أثاره وذلك بفعل عدم وجود حراك اجتماعى متناسق يأخذ المنظومة الاجتماعية والسياسية الى آفاق الديمقراطية الواسعة.

والتجربة التاريخية فى النصف الثانى من القرن العشرين أثبتت ان اغلب الاقتصاديات الناهضة فى دول العالم الثالث قد وقعت أسيرة للعديد من المشكلات العاصفة الكلية والجزئية لتعانى هذه البلدان من جديد من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية عاصفة. والأمثلة كثيرة فى هذا المجال فقد فشلت العديد من الاقتصاديات الناهضة فىامريكا اللاتينية وفى الشرق الأوسط لاتزال العديد من دوله تعانى من تلك المشاكل نتيجة الغياب الديمقراطى بفعل التركيبة السياسية والمشاكل الطاحنة التى يعانى منها الاقتصاد ألان.

ولعله فى سياق الكلام يمكن القول بان التحليلات الاقتصادية لطبيعة التنمية فى دول العالم الثالث قد توصلت الى ان هذه البلدان فى أعقاب الحرب العالمية الثانية قد انتهجت المنهج الاشتراكى المنغلق وهو المنهج الذى كان اقرب الى عقول وقلوب العسكر الحاكمين مما تسنى معه اختفاء مؤسسات الدولة الفاعلة.  وعندما فكرت هذه البلدان فى التحول الى المنهج الليبرالي فى الاقتصاد او اقتصاد السوق وجدت نفسها أمام قطاع خاص ضعيف لاوجود له فى مسيرة التنمية التى اعتمدت لسنوات طويلة على منهج الاقتصاد الموجه وكان لابد من بناء القطاع الخاص من جديد كرمز من رموز التنمية الاقتصادية الليبرالية ومن هنا كان لابد من العمل على إيجاد مثل هذا القطاع ولو بصناعته من خلال الأنابيب.

وقد كانت لنظم الحكم السائدة فى بعض دول العالم الثالث ما أرادت فقد خرجت طبقة ورموز القطاع الخاص من رحم الحكومات ونشأوا فى ظل مناخ وبيئة غير ديمقراطية فقد ولدوا من بطون حكومات عسكرية ديكتاتورية عملت على توليد هذه الطبقة كمظهر ومبرر لوجودها فى السلطة ووقف تيارات الانتقادات الدولية لطبيعة نظمها الديكتاتورية.  ولايمكن الإنكار ان القطاع الخاص فى هذه الدول قد قام بالفعل بدور فى محيط التنمية الاقتصادية مع حفاظه على طبيعة علاقاته مع الحكومات وتقوية التحالف مع الماسكين بالسلطة للحفاظ على المصالح المشتركة بين الطرفين فالحكومات العسكرية او الديكتاتورية يهمها ان تظل أطول فترة ممكنة على كرسى القيادة وقابضة على السلطة تقاوم باستمرار التغيير الديمقراطى والسياسى والاجتماعى، ورجال القطاع الخاص أبناء السلطة الحاكمة لا هم لهم سوى اقتناص الفرص المتاحة من خلال بنيان اقتصادى غير متكامل وذلك كله فى ظل تركيبة معقدة وتحالفات متشابكة تقوم بتغليف شعارات الديمقراطية للاستهلاك الشعبى والجماهيرى وهى فى الغالب ديمقراطيات مشوهة وفاسدة.

ان هذه التركيبة المعقدة والتحالفات المتشابكة لن تحل من خلال الثورات او من خلال صندوق الاقتراع فى الانتخابات العامة فلقد أصيب مواطن العالم الثالث بالانكسار نتيجة فشله فى اللحاق بالعالم المتقدم عبر خمسين عاما من التنمية بالشعارات البراقة والديمقراطيات الزائفة التى جرعتها له حكوماته بل ستتكسر التركيبة السائدة بين الحكومات والقطاعات الخاصة من خلال تيارات اقتصادية جامحة وثقافات وافدة تعيد لمواطن دول العالم الثالث هيبته ومكانته وحريته التى فقدها طويلا بين طرفى الحكم.. المال والسلطة.

وستظل العديد من حكومات دول العالم الثالث تقاوم وستقاوم الثقافات الجديدة التى تولدت مع القرية الكونية والاندماج فى الاقتصاد العالمى او ما نحب دائما ان نطلق عليه " العولمة" والتى لها مظاهر عديدة لعل أهمها على الإطلاق حرية التجارة وفتح الحدود أمام تدفقات السلع والخدمات والاستثمار الى الأسواق المحلية وإشعال نار المنافسة بين الأطراف المختلفة فى العملية الإنتاجية وتفكيك لوبيات المصالح الفاسدة الناشئة بين السلطة والمال تحت شعارات ومسميات عديدة مثل حماية المصالح الوطنية والصناعات الوطنية وغلق الاقتصاد للتنمية الوطنية وهى مسميات كانت فى اغلب الأوقات سببا فى تخلف النظم الاقتصادية فى بعض بلدان العالم الثالث عن التطور العالمى الكبير ووقوع هذه الدول فى اسر التخلف التكنولوجى والبطالة والديون.

فإذا القينا نظرة الى مستويات التعريفات الجمركية فى عدد من دول العالم الثالث خلال الأربعين عاما الماضية لوجدنا ان هذه المستويات تجاوزت فى كثير من الأحيان نسبة 100% تحت مسمى حماية الصناعة الوطنية وكانت هذه التعريفات مثل الجسور العالية التى عزلت أسواقها عن الأسواق الدولية فتخلف اقتصادها من كافة الوجوه وحرمت هذه الدول من طفرات النمو الكبيرة فى حقبات التنمية المفتوحة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية كما إنها حرمت أيضا من التكنولوجيا وسهولة الحصول عليها إبان فترات عدم فاعلية القوانين الدولية وطفرتها فى تلك الحقبات فكانت النتيجة صناعة مشوهة ومتخلفة ونظم مصرفية متهاوية وفساد مؤسسى كريه الرائحة ومؤسسات ضعيفة ووهنة فى هذه البلدان كانت نتيجتها عدم القدرة على المنافسة فى الأسواق الدولية، وكما سبق القول، فقر وديون وبطالة وتخلف تكنولوجي .. والتجربة أثبتت ان هناك العديد من دول العالم الثالث قد استفادت من فتح أسواقها وتخفيض التعريفات الجمركية مثل بعض دول جنوب شرق أسيا التى استطاعت ان تكون صناعات وتبنى اقتصادا قويا مثل كوريا الجنوبية التى قبلت بمبدأ الانفتاح على التجارة العالمية فكان لها نصيبا وافرا من التقدم الصناعى والتكنولوجى وضعها الان فى مصاف الدول الصناعية الأولى وتتبنى كوريا الجنوبية الان تجربة ديمقراطية واعدة وبنيان مؤسسى قوى وهى الان قابلة للتطور اكثر وقادرة على التعامل مع الكثير من المتغيرات الاقتصادية فى العالم بكفاءة عالية.

ان انحباس دول العالم الثالث فى أسر التخلف التكنولوجى وعدم إدراكها لما يحدث فى العالم واضح فى ظل الانغلاق الاقتصادى الداخلى وغياب التوجه التسويقى الخارجي وتقوقعها فى الأسواق الداخلية واقتصار صناعاتها على البيع فى الأسواق الداخلية كانت نتيجته تراجع الاقتصاد وتأخر نمو الديمقراطية.  ان متوسطات التعريفات الجمركية التى أقرتها جولة ارواجواى فى اتفاقية منظمة التجارة العالمية والجارى تطبيقها الان قد فرضت على هذه البلدان تخفيضات عالية وبصورة كبيرة وعندما تكون اتفاقية منظمة التجارة العالمية مطبقة بالكامل فى كافة بنودها وملحقاتها ستكون العديد من دول العالم الثالث قد تنازلت عن نسب تزيد 70 فى المائة من التعريفات التى كانت سائدة قبل عام 1986 وقت ان بدأت مفاوضات جولة اروجواى فى إطار اتفاقية الجات وهنا سيبدأ وقت الحساب فى هذه الدول التى ستتعرض لتيارات تجارية ومنافسة مفروضة قصرا عليها من خلال آليات التجارة الجديدة بما يعنى إحداث هزات اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة فى محيط العلاقات المتشابكة بين السلطة والمال فيها وسيكون أولوية إعادة بناء الاقتصاد بناء على ذلك التغيير هو الأهم فى مسيرة هذه الدول واعادة صياغة العلاقة بين كافة الأطراف فى المجتمع.

ان الهدف الأسمى المنتظر من تحرير التجارة العالمية ودخول دول العالم الثالث فى منظومة اندماج الاقتصاد العالمى أو العولمة هو تنقية أجواء التحالفات بين الحكومات فى هذه الدول ورجال الأعمال حيث لن تكون هناك مبررات قوية للمصالح المشتركة التى أعاقت نمو اقتصادها لفترات طويلة بل سيتجه الطرفان الى تهيئة الظروف الاقتصادية وخلق المناخ الاقتصادي المواتى لنمو الاقتصاد فسوف ترفع الحكومات يدها عن التعريفات الجمركية العالية والتى ظلت موجودة لفترات طويلة بدعوى حماية الصناعة الوطنية وكذلك لن يكون هناك مبررا من الجانب الأخر بالدفاع عن الحكومات بدعوى إنها تراعى مصالح المواطنين بحماية الصناعة الوطنية وبناء على ذلك ستنتقل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية فى طبيعة العلاقة بين المال والسلطة الى منحى أخر حيث سيتبلور هذا الانتقال من الواقع المصلحى السائد بين الطرفين ورغبتهما المشتركة فى الإبقاء على الواقع الموجود الى الواقع العملى وهو بناء الدولة من جديد.

فرجال الأعمال أو القطاع الخاص ستتركز أعمالهم فى استيعاب مفهوم المنافسة وبناء مؤسساتهم الخاصة بالشكل الذى يقبل تلك المنافسة ويحافظ على وجودها وستتركز مطالبهم من حكوماتهم فى تنقية أجواء الاقتصاد لمواجهة المنافسة ومحاربة الفساد وتطوير النظم الإدارية لعمل الاقتصاد  وهى فى الغالب المشاكل العاصفة التى تواجه دول العالم الثالث.  فى نفس الوقت سيعمل هذا اللوبي كورقة ضغط قوية على الحكومات فى انتشار مفاهيم الليبرالية الاقتصادية وهى المناخ الأفضل والملائم لنمو راس المال بشكل حقيقي.  والنتيجة الأقرب فى هذا الصدد هو نمو قطاع خاص قوى قادر على دخول الساحة الاقتصادية العالمية وفق مفاهيم عالمية وعصرية  فى نفس الوقت فان النتيجة على المستوى الأبعد أو المتوسط هى بداية نمو حقيقي لمؤسسات المجتمع المدني ونمو قوى الدولة الاجتماعية ومؤسساتها الفاعلة وقد نلحظ ان الكثير من هذه الدول من الممكن ان تتحسن بها مستويات التعليم ومستويات السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية والسياسية كما ان النظم المصرفية فيها ستكون اكثر تطورا وبعيدة الى حد ما عن الفساد الذى تغلغل فيه لسنوات طويلة وغيرها من المؤسسات التى يقوم عليها البنيان السليم للمجتمع الليبرالي تلك هى الخطوات الأولى المنظورة من انفتاح اقتصاديات دول العالم الثالث على التجارة العالمية والتى قد تكون سببا مباشرا فى تكسير حلقات الارتباط القبيحة بين السلطة والمال فى هذه  الدول التى غابت وتغيبت عنها الديمقراطية لعقود طويلة.

 وتحرير الأسواق فى دول العالم الثالث وهو الهدف الأكبر والأكثر فاعلية سيكون له مردود ايجابي للغاية على القوة الشرائية فى الأسواق الداخلية وسيحصل المواطنين فى هذه البلدان على السلع والخدمات بالجودة والأسعار الأفضل فى ظل أسواق مفتوحة تتأجج فيها روح المنافسة لكسب ود المستهلكين الى جانب انه سيعظم من مفهوم بناء جماعات قوية لحماية المستهلك وهى فى الأساس صورة من صور النمو الديمقراطى الذى يوازن ويحقق مصالح الإطراف المختلفة وستكون هذه الجماعات عامل ضغط على المنتجين من اجل الأسعار والجودة وفى نفس الوقت سيجعل المنتجين بدورهم يضغطون على الحكومات من اجل ان تعيد هيكلة النظم الاقتصادية بالشكل الأفضل والملائم.

ان دول العالم الثالث تنتظر حقبة قد ينشأ فيها نوع من الصدام السياسى والأجتماعى والاقتصادى بين الفئات المختلفة الا انه سيكون فى النهاية صراعا مبنيا على الوصول الى الهدف الأكبر وهو الديمقراطية الشعبية المفقودة فى دول العالم الثالث.