ارشادات عملية
للشركات والمقرضين والمستثمرين فى الاسواق الصاعدة
حوار مع جيفرى
هوك
اجرى مركز
المشروعات الدولية الخاصة حوارا مع جيفرى هوك، العضو المنتدب لمؤسسة هوك
وهى شركة تعمل فى مجال بنوك الاستثمار فى فيينا وفرجينيا. عمل السيد/ هوك
مسئولا للاستثمار فى البنك الدولى. كما عمل فى مجال البنوك الاستثمارية مع
اخوان ليهمان وشرويدر ويرتهايم. ألف هوك عدة كتب منها كتاب ارشادات عملية
للشركات والمقرضين والمستثمرين الذى صدر عام 2001 عن دور جون ويلى للنشر.
ذكرت فى كتابك
ان الشركات متعددة الجنسية تنجذب للاسواق الصاعدة لأنها ترى فيهى فرصا
للنمو عند تكلفة انتاج منخفضة.. فما هى السمات التى تدفع الشركات الكبرى
لاختيار موقع دون أخر ودولة نامية دون الاخرى؟ هل يمكن أن تذكر لنا الدول
النامية التى تمكنت من دفع الاستثمار والعوامل التى مكنتها من ذلك؟
من الافضل طرح
السؤال ليكون ذو شقين، الشق الاول يعبر عن الشركات الكبرى التى تهتم بدخول
الاسواق المحلية بسبب فرص النمو المتاحة بها ونعطى هنا مثالا بشركة جنرال
موتورز عندما قررت بيع السيارات فى الصين، والشق الثانى يعبر عن الشركات
الكبرى التى تستخدم اراضى الدول النامية لتكون مسرحا منخفض التكلفة
للعمليات الانتاجية مثل شركة فرى بورت ماك موران التى تستخرج الذهب
الاندونيسى لبيعه خارج اندونيسيا.
فالشركات من
النوع الاول التى تسعى الى الاستفادة من فرص النمو تختار اكبر الاقتصاديات
النامية حيث تتوافر فى تلك الدول عدد كبير من اسر الطبقة المتوسطة والاعمال
المربحة بما يجعل اسواقها قادرة على استيعاب المنتج الغربى. ولنذكر على
سبيل المثال موقف شركة كاتربيلار عندما قررت الاستثمار فى الخارج حيث قررت
وجود فائدة فى دخول السوق الروسى وهو سوق كبير ولكنها تجنبت لفترة طويلة
دخول سوق الكاميرون وهى دولة صغيرة. ونستطيع القول ان 12 من اكبر الاسواق
الصاعدة تمثل 73% من اجمالى النتاج المحلى العالمى وتحصل على القدر الأكبر
من الاستثمار الخارجى.
ويختلف الوضع
بالنسبة للشركات التى تسعى للانتاج منخفض التكلفة فالبدائل هنا تكون أكبر
لأن تلك الشركات لا تنظر الى مدى رفاهية الدولة التى ستتم فيها العملية
الانتاجية. فنجد على سبيل المثال شركات دولية فى قطاع النسيج تقوم
بالعملية الانتاجية فى باكستان وبنجلاديش للاستفادة من رخص العمالة والمادة
الخام. وشركات البترول الكبرى ذهبت الى العديد من الاسواق الصغيرة مثل
اذربيجان وكازاخستان وطاجيكستان حيث يمكن استخراج المعادن بتكلفة منخفضة
نسبيا.
انفقت دول كثيرة أموالا
طائلة لتأسيس وتحسين المؤسسات المحلية لسوق راس المال.. فما مدى أهمية بناء
تلك المؤسسات فى جذب الاستثمار الاجنبى؟
مرت الدول
النامية لفترات طويلة بدورات اقتصادية ترتفع وتنخفض بحدة ويرجع ذلك الى حد
ما لضعف اسواق المال. فتقلب اسواق المال بشكل مضطرب لا يمكن معه التوقع
باتجاه السوق يؤدى الى هروب المستثمر الدولى من الاستثمار طويل المدى بما
يحتويه من التزامات طويلة المدى. ولذلك يجب على الدول أن تقوم بتدعيم
العناصر التالية بنفس الترتيب المبين، أولا تدعيم البنوك المحلية .. ثانيا،
تدعيم اسواق السندات طويلة المدى وثالثا تدعيم البورصة وسوق الأوراق
المالية. فيجب أولا تقوية نظام البنوك باعتبار البنوك اهم المعوقات لأنها
القادرة على توفير الحماية ضد الاضطرابات المالية المخربة لاقتصاديات
الاسواق الصاعدة. وثانيا نقول انه يمكننا حصر عدد الاسواق الصاعدة التى
يتوفر لديها سوق قوى للسندات طويلة المدى ويرجع ذلك الى حد ما الى عدم ثقة
الافراد فى العملة المحلية، فسوق السندات طويلة المدى من العوامل الهامة
بالنسبة لمؤسسات الاعمال والافراد عند قيامهم باتخاذ قرار رشيد خاص
بالاستثمار. أما عن البورصة وسوق الاوراق المالية، فكلما كانت منظمة..
زادت درجة ثقة المستثمر الاجنبى فيها وضمان معاملته معاملة عادلة وزادت
درجة الثقة فى أن الحكومة جادة بشأن المشاركة الاجنبية فى الاقتصاد المحلى.
ما هى اهم ثلاث سياسات محلية يجب ان يركز عليها صانعو القرار فى الاسواق
الصاعدة لتحسين المركز التنافسى لدولهم بالنسبة للاستثمار الأجنبى؟
اذا تحدثنا عن
المدى القصير، يجب ان يركز صانعو القرار على ثلاث أشياء يمكن من خلالها
توليد مردود مباشر هى:
أولا، الاهتمام
بقطاع البنية الأساسية.. فخلال العشرين عاما الماضية حدثت طفرات كبيرة فى
تحديث البنية الاساسية ولكن يمكن الوصول الى درجة أكبر من التقدم فى هذا
المجال. يجب استمرار جهود الخصخصة وعلى الحكومات بذل اقصى الجهد لازالة
المعوقات البيروقراطية والقواعد المقيدة للاستثمار فى مشروعات البنية
الاساسية.
ثانيا، توفير
الضمانات من قبل طرق ثالث.. فكثير من الشركات المتعددة الجنسية تشعر بالقلق
من دخول اسواق الدول النامية بسبب عدم قدرتها على تنفيذ احكام العقود
المبرمة مع الشركاء المحليين. وللتخفيف من حدة تلك المشكلة، يجب ان تقوم
حكومات الاسواق الصاعدة بتشجيع مؤسسات دولية لتلعب دور الطرف الثالث الضامن
لتنفيذ العقد والمشاركة فى عقود المشروعات الكبيرة ومن أمثلة تلك المؤسسات
البنك الدولى وشركات التأمين الدولية وبنوك التصدير والاستيراد.
وثالث تلك
العناصر اصلاح العملة.. فقد استخدمت الدول النامية سياسات متعددة فى
محاولة منها للاحتفاظ بقيمة عملاتها المحلية مقابل الدولار الامريكى، وقد
فشلت جميع تلك السياسات. وباستثناء عدد قليل جدا من الاسواق الصاعدة
الكبرى، يجب ان تنظر معظم الدول بعين الاعتبار الى الغاء عملتها المحلية
لصالح الدولار الامريكى أو اليورو أو الين اليابانى. فمثل تلك الخطوة من
شأنها الغاء عنصر المخاطرة والخوف من انخفاض قيمة العملة لدى المستثمر
الأجنبى.
أما على المدى
القصير، فيجب أن يوجه صانعو القرار اهتمامهم الى حل ثلاث مشاكل هيكلية:
أولها مشكلة
الفساد.. فارتفاع مستوى الفساد على المستوى الرسمى فى دول العالم النامى
من العناصر الاساسية فى اعاقة الشركات متعددة الجنسية والبنوك الاجنبية
والمستثمرين الذين يرغبون فى استثمار اموالهم فى سوق الاوراق المالية. لقد
استقرت مشكلة الفساد عبر سنوات طويلة ولذلك يحتاج صانعو القرار فى الدول
النامية الى بعض الوقت للتخلص منها.
وثانى تلك
المشاكل مشكلة الاحتكارات.. حيث يحد انتشار الاحتكارات فى الدول النامية من
المنافسة والابتكار، وعلى الحكومات المحلية العمل على تحجيم القوة
الاقتصادية لتلك الاحتكارات.
وثالثا، مشكلة
التعليم.. فكلما حصلت القوة البشرية العاملة على فرصا أفضل للتعليم، كلما
زادت فرصة اجتذاب المزيد من الاستثمار الأجنبى.
هل يمكنك الربط
بين العولمة وبين دفع عملية تحسين الاطار القانونى وبيئة الاعمال فى
الاسواق الصاعدة؟
من خلال
العولمة، يمكن للقيادات فى الدول النامية أن يتعرفوا بشكل عملى على كيفية
قيام وادارة المشروعات والاعمال فى الدول الغنية. وأضيف هنا أن الشركات فى
الاسواق الصاعدة تستفيد عادة من بيئة الاعمال والبيئة القانونية القائمة
ولذلك فهى عادة لا ترحب بتغيير الاوضاع فى المدى القصير مما يؤدى الى
التقدم بصورة بطيئة.
ما هى العقبات الأساسية التى تواجه
المستثمرين الاجانب عند العمل فى معظم الدول النامية؟
تختلف اجابات
هذا السؤال باختلاف نوايا المستثمر الاجنبى.. هل يريد المستثمر الاجنبى
الاستثمار وبيع منتجه او خدماته فى السوق المحلى أم يرغب فى استخدام اراضى
الدولة النامية كقاعدة للتصدير يصدر منها سلعه وخدماته الى الدول الأغنى؟
فى العادة تكون البيئة المحلية أكثر مودة تجاه المستثمر الذى ينتج من أجل
التصدير لأنه لا يمثل تهديدا ينافس المنتج المحلى.
ولكن المستثمر الاجنبى الذى يرغب فى بيع
سلعته على المستوى المحلى يواجه ثلاث عقبات رئيسية هى:
انغلاق السوق:
يلجأ رجال الأعمال المحليين من أجل حماية مصالحهم وارزاقهم الى اقناع
حكومات الدول النامية بفرض قوانين وقواعد معوقة لدخول المستثمر الاجنبى..
وتتراوح تلك المعوقات بين فرض تعريفة جمركية مرتفعة على السلع المستوردة
وبين قواعد حكومية اخرى منهكة للمستثمر الاجنبى. وعادة يلجأ المستثمر
الاجنبى لحل تلك المشكلة عن طريق اتخاذ شريك محلى مما يؤدى الى اختفاء هذه
المشكلة عن طريق وضع الشريك المحلى فى المجتمع.
احتمالات
انخفاض العملة:
يستخدم المستثمر الاجنبى العملة الصعبة مثل الدولار الامريكى لتأسيس منشأته
فى الدولة النامية سواء كانت تلك المنشأة مصنع أو مركز توزيع على سبيل
المثال. وبالطبع يأمل المستثمر فى تحقيق عائد على استثماراته كما يرغب فى
تحويل جزء من تلك العوائد الى الدولار الأمريكى مرة اخرى. إلا ان تاريخ
تلك الدول يبين أن العملة المحلية تنخفض سريعا مقابل الدولار وفى بعض
الأوقات الصعبة، تلجأ الحكومات الى تقييد صرف العملة أو تحويلها. وبما أنه
ليس من بين الدول النامية من لديها سوق للعملة قابل للنمو فى المستقبل، فأن
المستثمر الاجنبى يتغلب على تلك العقبة باقامة مشروعات ذات عائد سريع او
مشروعات سريعة النمو.
عدم توفر
المعلومات:
على العكس من الوضع فى الولايات المتحدة أو اوروبا او اليابان، تفتقد الدول
النامية الى المعلومات الدقيقة بالنسبة لحجم الاستهلاك أو حجم الطلب
التجارى او أذواق المستهلكين او الاسعار. ولذلك تكون معظم عناصر الخطة
التى يضعها المستثمر الاجنبى خاضعة للتكهنات.
وعلى الرغم من
أن المستثمر الأجنبى الذى يستثمر أمواله للانتاج من اجل التصدير يلاقى
بالترحيب أكثر من المستثمر الأجنبى الذى يرغب فى البيع للسوق المحلى، إلا
أنه يواجه ايضا بعقبات من نوع آخر يمكن تلخيصها فيما يلى:
انخفاض مهارة
القوى العاملة:
على الرغم من انخفاض اجور العمالة المحلية فى الدول النامية مقارنة باجور
العمالة الغربية، ففى اغلب الاحيان تفتقد تلك العمالة فى الدول النامية الى
المهارات اللازمة للعمل بكفاءة فى بيئة اعمال حديثة. ويمكن التغلب على تلك
المشكلة بالتعليم والتدريب والصبر ولكن كثير من المستثمرين لا يفضلون
استثمار الوقت والأموال اللازمة لذلك.
ضعف البنية
الأساسية:
تفتقد معظم الدول النامية الى العناصر الاساسية للتجارة الغربية ومنها شبكة
اتصالات حديثة وخدمات الكهرباء المنتظمة والمياه النظيفة ووسائل النقل
المنتظمة. ونتيجة لذلك يضطر المستثمر الذى يرغب فى انتاج سلعة وتصديرها
الى اقامة تلك البنية على نفقته الخاصة.
المشاكل
الحكومية:
معظم الوزارات والهيئات الاقتصادية تحمل مشاعر متناقضة بالنسبة للاستثمار
الاجنبى. فمن ناحية، تقوم تلك الوزارات بتشجيع الشركات متعددة الجنسية
لأنها تحمل معها فرصا للتقدم وتوفير فرص العمل ومن ناحية اخرى تنظر كثير من
الوزارات الى المستثمر الاجنبى باعتباره المستعمر الثرى الجديد الذى يجب أن
اثقال كاهلة بالضرائب المرتفعة والرشاوى. ومن هنا يقوم المستثمرون الاجانب
الأكثر دراية بمجريات الأمور بالتعاون مع شريك محلى قادر على احتواء هذا
الشعور السلبى وقادر على التعامل مع القلق الحكومى.