ثورة الاتصالات وتخطى العقبات التقليدية للتنمية

أصبح التقدم الهائل فى وسائل الاتصال عن بعد والتجارة الالكترونية سمة من سمات ما يسمى بالاقتصاد الجديد بما يحقق الامل فى تحقيق عولمة عادلة باسلوب غير تقليدى مخالف للفكر التقليدى القائل بأن هناك مراحل ضرورية لنمو الاقتصاد. فلقد قدم الاقتصادي ألبرت هيرتشمان وآخرين مجموعة من مراحل النمو والاندماج الضرورية لكل النظم الاقتصادية الصاعدة للوصول الى مرحلة النضج الاقتصادي. الأمل الآن معقود علي تخطى بعض هذه المراحل بسرعة أو الاستغناء عنها كلية بفضل التجارة الإلكترونية والإمكانيات الهائلة لشبكة الاتصالات العالمية وكذلك الاتصالات اللاسلكية والتي من شأنها التغلب علي مشاكل عديدة منها مشكلة الوصول إلى مناطق صعبة التضاريس ومراكز التجارة المتناثرة وغياب البنية التحتية أو تخلفها عند مرحلة السكة الحديد والتلغراف وهي حقبة لا شك قد ولت.

العولمة والنمو ووسائل الاتصال عن بعد والتجارة الإلكترونية كلها تمثل بعض من القوي التي تعمل علي تغيير بيئة التجارة اليوم.   وفي كتاب حكمة المسئول التنفيذى الأولWisdom of the CEO   والذي اشترك في تحريره Grady Means وهو شريك في برايس واتر هاوس كوبرز PriceWaterhouse-Coopers قام 29 من قادة الشركات الكبرى بشرح كيفية  التعامل مع هذه القوي.   أما كتاب Grady Means الثاني وهو بعنوان "ما وراء الرأسمالية: ثورة التجارة الإلكترونية وتخطيط شركات وأسواق القرن الواحد والعشرين" Meta-Capitalism:  The e-Business Revolution and the Design of the 21st Century Companies and Markets والذي نشر في يوليو 2000 فيقوم بدراسة التغيرات التي أحدثتها تلك الثورة الإلكترونية في التجارة.

الاصلاح الاقتصادى اليوم:      في كتابك الأول " حكمة المسئول التنفيذى الأول"،  أكدت علي أن الدورات التجارية أصبحت اسرع مما مضى،  ما سبب هذا التغير في رأيك؟

جرادى مينز:   إن دورة التغيير بدأت في زيادة سرعتها خلال العشرين سنة الماضية وهذا بدوره يغير قواعد التجارة.   إن التغير في التجارة في العالم كان يحسب علي فترات طويلة قرن،  خمسون عاما أو عشرون،  أما الآن ففترات التحول تحدث كل سنتين أو ثلاثة وهذا أمر بدوره يغير الطريقة التي يفكر بها صاحب العمل في شركته.   كما أنه يغير الطريقة التي قد تفكر بها في شئون التجارة والمؤسسات العامة في بلدك. 

لقد حدثت تيارات عديدة للتغيير أثناء فترة الثمانينات والتسعينات أدت إلى الوضع الراهن.   فنحن لا نستطيع أن نفهم البيئة الراهنة دون إدراك كيفية نجاح نظم اقتصادية كبري فى إعادة بناء أسواق رأس المال أثناء فترة الثمانينات.   عندما أصبح التضخم تحت السيطرة، عمل الناس علي تعديل أو إصلاح النظام الضريبي والتقليل من الضوابط وتخفيض عجز ميزانية الحكومة.  إن السيطرة على التضخم كان إيجابيا لأنه أدي إلى معدلات فائدة حقيقية علي رأس المال المقترض مما أجبر الشركات علي التأكيد على الإنتاجية وإدارة رأس المـال العامل وهذا بدوره أدي إلى عمليـة إعـادة تصميم العملية الانتاجية وإدارة مراكـز الانتاج.

ولقد صحب هذا التغيير تدفق هائل للواردات ولرأس المال من الدول النامية إلى الدول المتقدمة.   فهناك شركات في آسيا وفي أماكن أخري من العالم استطاعت أن تحصل علي حصة في السوق وأن تبني مصانع ومعدات،  واتخذت وضعا هاما وأساسي من حيث رأس المال أثناء الثمانينات وبالتالي أصبحت الشركات متعددة الجنسيات أكثر اهتماما بالاستراتيجية الدولية.   ومثال ذلك أنه في الولايات المتحدة في نهاية الثمانينات انخفضت نسبة الشركات التي تركز علي الأسواق المحلية إلي 50 ٪ بعد أن كانت 80 ٪ فيما قبل. لقد كان هذا تحولا كبيرا يؤكد علي أهمية التجارة الدولية في شكل تبادل تجاري واستثمار مباشر. 

ثم حدث تغير سياسي هائل في بداية التسعينيات عندما بدأت الدول في جميع أنحاء العالم في تبني نفس النموذج الاقتصادي الذي يتمثل في الخصخصة وتدعيم الديمقراطية والتقليل من الحواجز الخاصـة بالتبــادل التجـاري وزوال أسواق رأس المال المدمجة رأسيا وبالتالي حدثت مرونة هائلة في الاقتصاد العالمي في كل مكان في أوروبا الشرقية،  أمريكا اللاتينية، وبالتأكيد في الولايات المتحدة وبريطانيا،  حيث استمر صناع السياسة في الحد من الضوابط وفتح الأسواق وبالتالي ظهرت معاملات تجارية ثنائية ومتعددة الأطراف بغرض جذب الاستثمارات الرأس مالية والحد من القيود التجارية.   وكذلك فقد أصبح رأس المال المتجانس عالميا وكذلك الأسواق التجارية تسمح بتدفق رأس المال عبر الحدود بقيود أقل وبالتالي أصبح لدي الشركات فرصة خلق استراتيجيات وهياكل عالمية. 

ومن عام 1993 وحتى 1996 بدأ الاقتصاد العالمى فى الاندماج وأدى الاندماج الهائل الذى حدث بين الشركات إلي تطبيق استراتيجيات عالمية للمبيعات ووسائل العرض وأنظمة التوزيع.   وهذا بالطبع قد أدي إلى تغير طبيعة الشركات التي كانت تعتمد قبلا علي أسواقها وأصنافها المحلية فأصبحت مضطرة إلي الحصول علي رأس مال أكبر بكثير كي يصبح السوق العالمي في متناول يدها.   لقد زادت التكنولوجيا من سرعة هذا الاتجاه.   فلقد أصبح الناس فجأة قادرين علي شراء تكنولوجية معلومات قوية بأسعار أقل بكثير وبالتالي بدأت الشركات في إعادة تشكيل أنظمتها الموحدة الخاصة بالتوريدات وأصبح هذا متاحا ومطبقا الآن في شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) وكذلك في استراتيجيات تعامل الشركات مع المستهلك.

الاصلاح الاقتصادى اليوم:      كيف يمكنك تعريف الاقتصاد الجديد؟

مينز:   إن الاقتصاد الجديد مبني علي تلك التغييرات التي حدثت في العقدين الماضيين،  تلك التغييرات التي شرحتها آنفا والتي تتسم بالتحسينات التي أدخلت علي أسواق رأس المال وعمليات وأنظمة التوريدات.   والمفاهيم الأساسية لهذا الاقتصاد الجديد تتضمن الاستعانة بمصادر خارجية،  زيادة فعالية رأس المال،  وعدم الاعتماد عليه بشكل رئيسي.   وأخيرا وعلاوة علي ذلك هناك مجمل التحسينات التي أدخلت علي استخدامات التكنولوجيا لإدارة الشركات ولاستخدام شبكة المعلومات العالمية ( الإنترنت ) إلى أقصي حد. 

إن الاقتصاد الجديد يوحد كل هذه العوامل من أجل تحويل كل القطاعات الصناعية.   كما أن الحكومات أيضا تستخدم هذه التقنيات من أجل أن تصل إلى كفاءة أعلي في تقديم الخدمات.   وهذا الاتجاه الجديد يسهم في جعل العديد من أنواع التحسينات تسفر عن منهـج قادر علي تحويل أي مشروع واسع النطاق سواء كان هذا المشروع عاما أم خاصا.    ومن المثير للاهتمام أن الكل مدرك أن لديه حوالي فترة عامان سماح ليتم التحول بنجاح وإذا لم يستطيعوا فإن طرف آخر سوف ينجح عن طريق انهاء عملية التبادر بتكلفة أقل وتطبيق نظم توريدات أكثر كفاءة وطرق أفضل للوصول إلي العملاء.   أما أولئك الذين يسيرون بخطي بطيئة فإنهم فجأة سوف يصبحون بلا فائدة كما ستنتهي العديد من وظائف توفير المعلومات ووظائف السمسرة والوساطة.   وكذلك فلقد تغيرت أيضا طبيعة هوية الصنف تغيرا كليا. 

ويري هذا التحول بشكل واضح في الولايات المتحدة لأننا أكثر الدول تقدما فيما يتعلق بتكنولوجيا شبكة المعلومات وكذلك في معظم الاتجاهات التي ذكرتها سلفا لكن التغيير يحدث في كل العالم أيضا بسرعة هائلة. 

الاصلاح الاقتصادى اليوم:      لقد أثير الكثير حول استراتيجيات التجارة بين الشركات بعضها البعض وكيف أنها سوف تشكل نظام الاقتصاد الجديد.   هل يمكن أن توضح لنا هذا ؟

ج :    إن استراتيجيات نظام التجارة بين الشركات بعضها البعض تخلق فرصا مثيرة للاهتمام وذلك لأنها تختلف بشكل كبير عن التعاملات في تجارة التجزئة المحدودة التي يتسم بها نظام التعامل بين الشركات والمستهلك.  إن نظام التعامل بين الشركات بعضها البعض يعني أن المغامرين الكبار في كل قطاع صناعي يحاولون إيجاد طريق ما لتحويل مؤسساتهم الصناعية الكبرى إلي مؤسسات ذات رأس مال أصغر وذلك يتأتي بالاستعانة بمصادر خارجية وبيع قطاعات منها وذلك عن طريق الشبكات التي ينشئونها تماما كما فعلت أنظمة سيسكو.  إن شركة سيسكو CISCO هي أكبر الشركات في العالم وأكثرها قيمة فلقد حققت كل هذا النجاح في عامين فقط وذلك لأنها لا تعتمد إطلاقا علي رأس المال وهي نفسها لا تقوم إلا بتصنيع القليل ومع ذلك فهي شركة صناعية تنتج منتجا صناعيا مححدا فى مجال الشبكات الالكترونية والمحولات الخاصة بشركات خدمة توفير الانترنت. 

إن شركة سيسكو تستطيع وبسرعة تصميم منتجات جديدة وتشغيل من يقوم بتنفيذها بسرعة وكذلك التحكم في الشبكات الخارجية هذا مع الحفاظ علي جودة النوعية التي تنتجها.   يستطيع العملاء الشراء مباشرة من CISCO وهم يكونون علي علم بتاريخ الطلب وتاريخ التسليم وهذا بالطبع يقلل إلى حد كبير تكلفة المعاملة التجارية.   ويرجع نجاح هذه الشركة إلى هذا القدر من المرونة،  هذا إلى جانب قدرتها علي تصميم منتجات جديدة وطرحها بسرعة في السوق. 

إن هذه المرونة تتيح الفرصة لمغامرين آخرين للحصول على عقود تصنيع منتجات سيسكو.  وحتى 1999 كانت مراكز التوريد بالفعل داخل جدران هذه الشركة،  أما الآن فهي خارجها.   إن سيسكو تبحث عن مغامرين أصغر ليسهموا في بعض مراكزها للتوريد.  إن هذه الاستعانة الخارجية للموردين يمكن أن تمتد لتشمل وظائف أخري مثل المحاسبة المالية.   ويستطيع الموردون أن يكونوا الدعامة الخلفية لشركتك. 

إن شبكة المعلومات العالمية ( الانترنت ) وكذلك عدم الاعتماد بشكل أساسي علي رأس المال في الشركات الكبرى وخلق شبكة للتعامل بين الشركات بعضها البعض قد غير من طبيعة اللعبة المغلقة وحولها الى لعبة مكشوفة.

الاصلاح الاقتصادى اليوم:       كيف يمكن للدول النامية أو تلك التي في مرحلة انتقالية أن تستفيد من هذه التغييرات ؟

مينز:   إن المغامرين من الدول النامية يستطيعون الآن أن يشاركوا في العديد من الوظائف التصنيعية والخدمية.   فهناك بلدان مثل الهند مثلا تستطيع أن تزدهر بفعل ما لديها من رأس مال بشري قوي للغاية ومدرب تدريبا جيدا.   إن هذه البلدان كانت معوقة في الماضي بفعل ما كانت تحتاجه من بنية تحتية مكلفة مثل الطرق والمواني وكذلك سياسة تجارية سليمة من أجل المشاركة في الأسواق العالمية.   إنك تستطيع في هذه البلدان الآن أن تقيم مبني بسهولة وتعيين الآلاف من الأذكياء للعمل فيه وأن تجد الكهرباء التي تحتاجها لتشغيل الحاسبات الآلية وأن تقوم بتركيب إريال جيد لقمر صناعي وتصبح بذلك عنصر انتاج اساسى لأي شركة في العالم.   لا يهم في هذه الحالة إذا كانت الطرق المؤدية إلي هذا المبني طرقا متسخة.

بهذه الطريقة تستطيع الدول النامية أن تولد دخلا أو إيرادا يمكن تحويله إلكترونيا.  أصبحت القيود المفروضة اليوم على تبادل وتحويل العملات قليلة ويمكن لأصحاب المشروعات المحليين أن يحصلوا علي مالا وفيرا وأن يستثمروا وأن يلعبوا دورا عالميا.   المشروعات لم تعد تحتاج انتظار الخصخصة ولا استخدام أموال الخصخصة لتشييد بنية تحتية وخلق ميزة تنافسية للتصنيع.   وبالتالي فإننا سوف نشهد توسعا اقتصاديا هائلا على مستوى العالم.

الاصلاح الاقتصادى اليوم:       ما هي البيئة السياسية التي ينبغي علي الدول النامية – أو تلك التي في المرحلة الانتقالية – خلقها حتى يتسنى لها أن تستفيد من هذا النظام الاقتصادي الجديد ؟ وكيف لذلك أن يحدد من هو الفائز ومن هو الخاسر ؟

مينز:   ينبغي علي الدول النامية أن تعي حقيقة أن القومية الاقتصادية لم تعد تجديهم في شيء فعليهم إذن أن يعيدوا بناء اقتصادهم بعيدا عن أسواق رأس المال الرأسية حيث يذهب رأس المال إلى شركات لا تكون علي المستوي المطلوب للمنافسة في الأسواق العالمية.   كما ينبغي عليهم أن يقللوا من الحواجز التي تحول دون انتشار شبكة التكنولوجيا والإسراع من الإنشاءات الشبكية وكذلك خصخصة النظم.   كما أن علي هذا النظم أن تضمن للمستثمرين أن يقوموا بتحويل أرباحهم إلى موطنهم.   وأخيرا ينبغي عليهم أن يضمنوا أن تكون قيادة شركاتهم مواكبة بسرعة كافية لكافة التأثيرات التحويلية الدقيقة لشبكة التكنولوجيا وكذلك الفرص الهائلة التي تمثلها لهذه الدول حتى ينبثق منها كبار الرابحون.   وإن لم تقم الدول النامية وتلك التي في المرحلة الانتقالية بإجراء هذه التغييرات فإنها تضر بنفسها لأنها تقاوم الاتجاهات التي لا يمكن أن تقاوم في الاقتصاد العالمي الآن. 

وهناك دول مثل بولندا وجنوب أفريقيا لا تختلف في وضعها عن الهند وروسيا فإن لدي هذه الدول عدد كبير من العمالة ذات مستوي ثقافي جيد وهذا أمر له قيمته في السوق الجديد.   بينما قد تحتاج هذه الدول إلى تحول صناعي إلا أنه إذا ساهمت البنية التحتية لهذه الدول في الشبكة الالكترونية فإن التحول الصناعى سيتم بمعدل اسرع وسوف يحتاج إلي راس مال أقل كما أنه سيزيد من فعالية رأس المال الثقافي والبشري.   لذلك فإنني متفائل إلى حد ما بشأن الوضع في بولندا وجنوب أفريقيا. 

والمفاجأة الحقيقية،  من وجهة نظري،  هي وضع روسيا التي عانت أثناء مرحلة الخصخصة،  فلقد كانت هناك أوجه قصور أثناء هذه المرحلة في محاولة إيجاد طريقة لجمع الاستثمارات الرأسمالية وإقامة صناعة ذات طابع تنافسي.   إني اعتقد أن روسيا ستواجه صعوبات أقل في المستقبل نظرا للسرعة التي يسمح بها نظام الاقتصاد الجديد دخول مغامرين جدد إلى الميدان وكذلك نظرا للطريقة التي يستطيع بها رجال الأعمال تطويق سوق رأس المال والبناية الاستثمارية.

إن الدول التي تفتقر إلى رأس مال بشري مثقف علي نحو جيد والي المواد الخام والأصول الرئيسية ستظل تواجه مشاكل.   ونحن بحاجة إلى إيجاد حل لهذه الدول،  وهذا كما اعتقد أمر وارد في ظل نظام اقتصاد عالمي يزداد انتشارا يوما بعد يوم.   وإذا وضعنا في الاعتبار فعالية شبكة التكنولوجيا المتوفرة الآن فإن إيجاد الحلول يصبح أكثر يسرا. 

الاصلاح الاقتصادى اليوم:    ما مدي أهمية حماية حقوق الملكية الثقافية في الدول النامية وتلك التي في المرحلة الانتقالية ؟

مينز:   من الصعب جدا التنبؤ بحقوق الملكية الثقافية في شبكـة المعلومات العالميــــة (الإنترنت).   فالأفكار تروح وتجيء فيها بمنتهى السرعة حتى إنك لا تستطيع أن تزعم البراءة لفكرة ما تستطيع أن تستغلها لمدة ثماني إلي عشرة سنوات.   لا يمكن لهذا أن يحدث إلا إذا أنشأت شركة تستمر في التجديد وفي تحسين أفكارها ورفع قيمة عروضها وأن تعمل هذه الشركة كذلك علي زيادة الأصناف التي تنتجها وعلي ملكيتها الثقافية .   فأنت لا يمكنك أن تظل  ساكنا مهما كنت ناجحا.   إن الافتقار إلي حماية لحقوق الملكية الثقافية هو أمر أصبح موضع نقاش الآن أكثر مما كان منذ عقد مضي. 

ومن ناحية أخري إذا استمرت الدول في انتهاك حقوق الملكية الثقافية وقانون التعاقد وكذلك المعايير المتفق عليها فإن المستثمر لن يقبل علي العمل في هذه الدول.   إن الهند علي سبيل المثال قد أحدثت تغيرا ألا وهو أنها تبينت قيمة أن تلعب اللعبة طبقا للقواعد وإنني اعتقد أن المجتمع التجاري علي دراية بأن صناع السياسة في الهند يعملون علي تخليص الاقتصاد من القيود الكابحة وعلي أن المغامرين الرئيسيين في المجال التجاري المحلي علي دراية بضرورة المنافسة دون توقع أيه حماية خاصة والعائد في تصوري من كل هذا هو أنه سوف تصبح هناك فرصة للهند لكي تلعب دورا مؤثرا (قويا) في الاقتصاد العالمي.   فلقد أحدثت تطورات هائلة في العشر سنوات الماضية عن طريق تمويل الاستثمار الرأسمالى وكذلك سياسات التحكم في رأس المال ذلك إلي جانب تغييرات جوهرية في سياستها التجارية.   إن الهند قد حققت إنجازات عديدة في السنوات العديدة الماضية بالرغم من أن الصحافة لم تعطها حقها في الإصلاح الذي قامت به. 

الاصلاح الاقتصادى اليوم:      كيف تتعامل مع القلق الخاص بقضية العولمة ليس فقط من قبل المحتجين في الاجتماعات الأخيرة للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى لكن أيضا من قبل بعض القادة في الدول النامية والتي في المرحلة الانتقالية ؟

مينز:   لو أن النظم الاقتصادية سارت قدما ونمت سوف تتمكن أكثر من التعامل مع قضايا واسعة النطاق.  هذا يتضمن القضايا الخاصة بالعمالة والبيئة وبدون هذا النمو الاقتصادي فإن تلك القضايا تظل قائمة دون أن يستطيع النظام الاقتصادي حلها وتظل الدولة في هذه الحالة صريعة الفقر بلا فرصة لمواجهة هذه المشكلات وأنا لا أتصور أن وضع ضوابط زائدة علي عملية إطلاق حركة رؤوس الأموال هو الحل لهذه المشكلات حتى وان أسفرت تلك الضوابط والقوانين عن بعض فرص للنمو الاقتصادي.  

إن النظام الاقتصادي الجديد والعولمة سوف تسمح للدول النامية أن تدخل بخطي خفيفة إلي أسواق جديدة واسعة.   وأنا بصراحة تامة لا أستطيع أن أفهم السبب الذي قد يدعو البعض إلى معارضة العولمة فأنا لا أري إلا أنها تمثل فائدة خالصة لمعظم البلاد. 

الاصلاح الاقتصادى اليوم:      ما علاقة منظمة التجارة العالمية بعملية العولمة هذه ؟

مينز:   أنا أعتقد أنه ليست هناك سوي مؤسسات عامة قليلة هي التي درست مدلولات تحول قطاعات صناعية رئيسية وكذلك النمو الاقتصادي الذي يستتبع ذلك أو فهمت تكامل السوق العالمي وما يمكن أن تحدثه كل هذه التغييرات.   ليست هناك دولة لديها أطر وسياسات تكفى لمواجهة تلك المجموعة من القضايا التي تعتبر جديدة من نوعها.   كما أننا لم نفكر حتى في كيفية التعامل مع إدارة هذا المستوي من إمكانية النمو أو حتى عن المدلولات القومية أو تلك الخاصة بالسياسة الخارجية لتغير ميزان رأس المال والعمالة الذي سينجم عن مثل هذا النوع من التحول الصناعي.   إن النظام الاقتصادي الجديد ليس موجودا علي شاشة رادار السياسة العامة ولكنه سيظهر مع ذلك في خلال العامين أو الثلاثة القادمة.  أما في القطاع الخاص فإن السياسة لن تلحق بركب التغيرات وذلك لأن التغيرات في القطاع الخاص تحدث بسرعة هائلة بينما تسوية المناقشات العامة تسير بصورة أبطأ.

الاصلاح الاقتصادى اليوم:  هل تعتقد أن هناك دور للضوابط ؟

مينز:   بالتأكيد فنظام الأسواق ينبغي أن يكون عادلا فعلي سبيل المثال من الضروري أن تكون المعلومات الخاصة بالأوضاع المالية دقيقة كما ينبغي،  وإذا ظهرت أيه بيانات مالية أو تشغيلية علي شبكة  المعلومات (الإنترنت) ينبغي أن تكون قد تمت مراجعتها وهذا يعني أن المحاسبة المالية ينبغي أن تتحول من الرؤية التاريخية للبيانات إلى رؤية آجلة أي أن تنظر المحاسبة المالية إلى المعلومات في الوقت الحقيقي لها وليس علي نحو ربع سنوي أو سنوي لأن القرارات تتخذ بسرعة فائقة الآن وكذلك استخدام المعلومات.

وبالطبع نحن في حاجة إلى ضوابط جديدة كما نحتاج إلى مستويات جديدة من الانضباط التجاري.   ففي شركة سيسكو وهي من أكبر الشركات يتم إقفال الدفاتر يوميا بدلا من سنويا أو ربع سنويا وهي تفعل ذلك حتى يتسنى لها عقد الصفقات ومعرفة وضعها المالي وأن يكون لديها انضباط يومي فى ادارة الشركة.   إن وجود شركات مثل تلك والتي تدار بكفاءة عالية والتي تتمتع بتقييم عال أمر ليس من قبيل المصادفة بل إنها أفضل الشركات المدارة في العالم. 

الاصلاح الاقتصادى اليوم:      ما الدور الذي يلعبه إرساء النظام الديموقراطي في دفع النظام الاقتصادي الجديد إلي الأمام ؟

مينز:   بدون حرية سياسية لا يكون هناك تحرير اقتصادي.   وهذا يتضمن في الواقع حركة حرة لرأس المال،  تبادل حر للأفكار،  قيام المشروعات الجريئة ذات التحديات وتدفق رأس المال في افضل سبل لاستخدامه.   أما الدول التي تعتقد أنها سوف تتدبر أمر نفسها في هذا النظام الاقتصادي فلن يصبها النجاح. 

إن مثل هذا التحول لن يكون يسيرا في بلد مثل الصين فبالرغم من أنها قد تجد فيه بعض الزوايا التي قد تصلح لها إلا أنها بوجه عام لن تتبين إمكانية أن يصبح مواطنوها قادرين علي القيام بمشروعات أو المشاركة في الأسواق الجديدة.   فمن المستحيل علي الدول أن تحافظ علي نموها في ظل اللعبة الجديدة إلا إذا كانت هناك حرية سياسية تواكب الحرية الاقتصادية.