اصلاح منظمة التجارة العالمية
هل يمكن اصلاح
المنظمة لتعادل بين الأعضاء؟
اندريه ارندارسكى
Andrej Arendarski
هو رئيس غرفة التجارة والصناعة فى بولندا
ماريا كتاوى
Maria Cattaui
هى الأمين العام لغرفة التجارة الدولية
تارون داس
Tarun Das
هو المدير العام لاتحاد الصناعات الهندى
خوسيه فرنانديز
Jose Augusto Caelho Fernandes
هو المدير التنفيذى
للاتحاد
الوطنى للصناعات فى البرازيل
ويلارد ووركمان Willard A. Workman
هو نائب رئيس غرفة التجارة الأمريكية للشئون الدولية ونائب رئيس مركز
المشروعات الدولية الخاصة.
يدور جدل ساخن
بين اطراف متعددة حول مردود العولمة ويشارك فى هذا الجدل صانعى السياسة
والاكاديميين وقيادات المجتمع المدنى فى انحاء متفرقة من العالم. واذا
رجعنا الى المظاهرات التى قامت فى مدينة سياتل خلال اجتماعات منظمة التجارة
العالمية فى ديسمبر 1999، سندرك أنه على الرغم من الاجماع بشأن ضرورة زيادة
تحرير التجارة فأن هناك قلقا متزايدا من أن تؤدى العولمة الى التأثير سلبا
على
الاقتصاديات النامية و
التى
تمر بمرحلة تحول نحو اقتصاد السوق الحر.
ويدافع أنصار
العولمة ومنظمة التجارة العالمية عن رأيهم قائلين بأن تحرير التجارة قد نتج
عنه مزايا كثيرة دوليا مثل الاستخدام الأكفأ للموارد والمعدلات الأكبر
للنمو ونقل التكنولوجيا وزيادة الفرص الاقتصادية. أما الفئة المعارضة
للعولمة فترى أن منظمة التجارة العالمية هى منظمة غير ديمقراطية ومؤسسة
سرية تعمل على زيادة ثروات الدول الصناعية على حساب الدول النامية. بل ترى
تلك الفئة أن الدول النامية لم تستفد من تحرير التجارة بل على العكس من ذلك
تعانى الدول التى حررت اسواقها من مساوئ العولمة مقارنة بوضعها فى الماضى.
وقد أدت هذه المعارضة الى زيادة درجة السخط العام تجاه العولمة والاصلاح
الاقتصادى فى بعض الدول النامية.
وفى هذا العصر
الذى تنتشر فيه مفاهيم الديمقراطية والسوق الحر حول العالم لما تؤدى اليه
من اتاحة الفرصة أمام المواطنين للمشاركة السياسية والاقتصادية، فأننا نرى
أنه قد آن الآوان لبحث دور منظمة التجارة العالمية وهى أحد الأعمدة
الرئيسية للعولمة. هل تقوم منظمة التجارة العالمية بمساندة أم عرقلة هذه
الاتجاهات الايجابية. ومن اجل هذا الهدف قامت مجلة الاصلاح الاقتصادى
اليوم بمقابلة العديد من قيادات جمعيات الأعمال فى مناطق مختلفة من العالم
ليتعرف القارئ على ارائهم حول موضوع العولمة ومردودها على الاقتصاديات
النامية وعلى احتمالات نجاح النظام العالمى للتجارة الحرة.
بعض
القيادات فى بعض الدول ينتقدون العولمة بشكل صريح لأنها فى رأيهم ضارة
ببلادهم مادامت أسواق الدول المتقدمة مغلقة.. فكيف ترى ذلك فى ظل ما يجرى
فى البلاد النامية؟
فيرناندز:
قامت البرازيل
بتحرير اسواقها وذلك بمبادرة أحادية منها فى محاولة لتقليل حجم دور الدولة
وبعث الاستقرار الاقتصادى وتحجيم التضخم. واليوم، نجد أن متوسط التعريفة
الجمركية فى البرازيل يتوازى مع المعدلات الدولية. ولكن لن تقوم البرازيل
باتخاذ مزيد من الاجراءات لتحرير الاسواق إلا إذا صاحب ذلك مزيد من التحرير
فى اسواق دول اخرى فى ظل النظام التجارى العالمى.
كتاوى:
لقد تحدثت مع
العديد من قيادات الدول النامية وهناك أراء مختلفة حول هذا الموضوع. ولكن
غالبية هؤلاء يرغبون فى اندماج بلادهم بشكل أفضل فى الاقتصاد العالمى فهم
يرون أن الاقتصاد العالمى يعنى زيادة تدفق المعلومات والتكنولوجيا والسلع
والخدمات ورؤوس الأموال والأفكار. فهم لاينتقدون العولمة وانما قدرتهم على
المشاركة الكاملة فى تلك العملية. ففى بعض الأحيان لاتتمكن تلك الدول من
دخول الأسواق بسهولة. الدول النامية تريد اقتصاد حر تنظمه القواعد
والاجراءات وهذا ما تسانده غرفة التجارة الدولية. واذا نظرنا الى الدول
الصناعية، نجد أن قيادات تلك الدول تنتقد أيضا وجود عوائق تجارية خفية تعوق
الدخول الى الأسواق. وعندما تنتقد القيادات العولمة، فمعظمهم فى حقيقة
الأمر ينتقدون قدرة بلادهم على ادارة عملية الاندماج الدولى. ومن ناحية
أخرى تشعر العديد من الدول النامية أنها قامت باتخاذ خطوات كبيرة نحو تحرير
الأسواق، وعلى الرغم من ذلك لم تحصل على النتائج التى كانت تتوقعها.
وأخيرا أود أن
أشير الى أن كثيرا من النقد الذى وجه الى منظمة التجارة العالمية ليس فى
محله. فمنظمة التجارة العالمية تسعى الى عدم التمييز، والهجوم على المنظمة
بسبب قضايا البيئة هو هجوم غير مدروس. فالمعايير البيئية وضعت من خلال
اتفاقيات دولية ويجب أن تستمر على هذا الوضع. أن انتقاد منظمة التجارة
العالمية بسبب هذه المعايير لايمثل قرارات وأهداف المنظمة بشكل صحيح.
داس:
نحن لاننظر الى العولمة فى ضوء الانتقادات العامة التى وجهت اليها ولكننا
نوافق على أن مزايا العولمة يجب أن تمتد الى جميع الدول. فالعولمة ظاهرة
تميز القرن الواحد وعشرين نرحب بها لأنها تحمل آمالا جديدة. والهدف الأول
من الاصلاح الاقتصادى فى الهند يتمثل فى عولمة الاقتصاد الهندى.
يجب أن تتيح
العولمة فرصا لجميع الدول خاصة الدول النامية. يجب أن يكون هناك عدالة فى
دخول الاسواق وفرصة كافية للحصول على رؤوس الأموال والتكنولوجيا لتتمكن
الدول النامية من الاستفادة من ظاهرة العولمة. وفى رأيى أن المشكلة لاتكمن
فى العولمة فى حد ذاتها. المشكلة تكمن فى أنه من بداية العولمة لجأت الدول
المتقدمة الى سياسات الحماية وحظرت دخول الاسواق على المنتجات من الدول
النامية. ومؤخرا نجد أن أصوات انصار سياسات الحماية فى الدول المتقدمة
أكثر ارتفاعا منها فى الدول النامية وذلك كما رأينا فى سياتل ودافوس
وواشنطن وأخيرا فى كندا. ونحن فى الهند نؤمن بالنظام الاقتصادى العالمى
الذى يوفر فرصا متساوية أمام الجميع ولايمكن تحقيق ذلك بدون العولمة.
ارندارسكى:
يتوقف نجاح الاقتصاديات التى تمر بمرحلة انتقالية فى الارتباط بالاطار
الصناعى العالمى على ثلاث عوامل رئيسية هى: 1) نوعية اصلاح النظم والسياسات
الهيكلية، و2) القدرة على اجتذاب رؤوس الأموال الخارجية، و3) حرية
التعاملات الاقتصادية مع العالم الخارجى. ويتمثل الشرط الأهم لنجاح التحول
الاقتصادى فى قدرة الحكومات على تحقيق درجة من الاستقرار فى الاقتصاد الكلى
قبل أن ينفذ الصبر الاجتماعى. وكذلك نجاحها فى تصميم وتنفيذ سياسات شاملة
تتسم بأكبر درجة ممكنة من الاتساق. ويرجع الاختلاف فى أداء دول شرق ووسط
أوربا الى درجة الاضطراب الاقتصادى فى كل دولة من دول المنطقة قبل مرحلة
التحول نحو السوق الحر والى قدرة قيادات تلك الدول على تنفيذ سياسات
اقتصادية ناجحة.
ولا يمكن نجاح
جهود الالتحاق بالاتجاهات العالمية بدون التفاعل الحر مع الاسواق الدولية.
فعلى سبيل المثال، مشاركة روسيا والدول حديثة الاستقلال فى نظام التجارة
متعدد الاطراف مثل منظمة التجارة العالمية يمكن أن يوفر درجة أكبر من
الاتساق مع اجراءات الاصلاح الاقتصادى للانتقال الى السوق الحر. ويساند
هذا الرأى التجارب الفعلية لبعض الدول فى شرق ووسط أوربا حيث انضمت بعض
الدول الى اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية قبل أن تبدأ فى التحول
نحو الاقتصاد الحر.
ووركمان:
أقول لهؤلاء القادة الذين يعارضون العولمة وتحرير التجارة، ما هو البديل؟
لقد جربنا خلال الثمانين عاما الماضية طريقا آخر من أجل التنمية
الاقتصادية. يسمى هذا الطريق الآخر "الاشتراكية" وأعتقد أن العالم فى
مجمله قد انتهى الى ان الشيوعية وهى أكثر اشكال الاشتراكية تطرفا لم تؤد
الى نتيجة ايجابية. وبنفس المنطق، اعتقد أن كثيرا من الدول فى انحاء
العالم يكون لها وجهة نظر علينا أن نحترمها عندما تقول أن النموذج الانجلو
أمريكى للرأسمالية هو نموذج قاسى وصعب لأنه لم يؤلى اهتماما كافيا
للاحتياجات الاجتماعية المشروعة. وقد أدى هذين الاتجاهين الى ظهور مايسمى
"بالطريق الثالث" وهو اتجاه يقع بين رأسمالية المملكة المتحدة والولايات
المتحدة وبين شيوعية الاتحاد السوفيتى السابق. ولكنى أقول أنه ما من دولة
حتى الآن نجحت فى تطبيق ما يسمى بالطريق الثالث.
وفى رأيى أن
جمال الرأسمالية يتمثل فى قدرتها على التطور والتغير طبقا للأوضاع
القائمة. فنحن نقدر الفردية وقرارات الأفراد ونحاول خلق بيئة يمكن للأفراد
فيها أن يتخذوا قراراتهم الفردية ويكون لهم الحق فى النجاح بحرية أو الفشل
بحرية. وأعتقد أن أى قائد سياسى او رجل أعمال ينادى اليوم بوقف العولمة
والخروج من اطارها هو شخص غير واقعى. لماذ؟ لأن بقية العالم قد انتهى الى
ان هناك فى المنهج الانجلو امريكى (القائم على حرية السوق والعمل الحر
والنظام التجارى الذى تحكمه قواعد متفق عليها وفردية اتخاذ القرار) عناصر
ايجابية أخذ بها الأفراد فى جميع انحاء العالم.
وقد دارت
احاديث كثيرة حول العولمة وكيف انها تشكل تهديدا للكثيرين. ولكن اعتقد أن
من حق الجميع أن يفهموا أن الشركات الكبيرة ليست المستفيد الوحيد من
العولمة وأن هناك استخدام أكثر كفاءة للموارد. ونذكر هنا على وجه الخصوص
الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم. فالسياسيين لايدركون بشكل كاف أن النمو
الواضح فى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التى تشارك فى الاقتصاد الدولى
قد تزامن مع العولمة. وحتى فى الولايات المتحدة الأمريكية كانت الشركات
الصغيرة بعيدة عادة عن السوق العالمى ولكننا نجد أن عدد الشركات الصغيرة
التى لها نشاط تصديرى قد تضاعفت فى الفترة من 1992 إلى 1997 ونتوقع أن يزيد
ذلك العدد ثلاث مرات فى السنوات الخمس القادمة. بل نؤكد هنا أن أكثر من 31%
من قيمة الصادرات الأمريكية يتولد عن طريق الشركات والمشروعات الصغيرة
والمتوسطة الحجم . هذه الاحصاءات لا تنفرد بها الولايات المتحدة الأمريكية
ففى الدول النامية نجد أن تلك النسبة تزيد عن ذلك فمعظم الشركات والمشروعات
الخاصة هى مشروعات صغيرة الحجم. وهذه الشركات الصغيرة هى نفسها التى تنطلق
إلى السوق الدولى.
أما عن العمالة
فالمشروعات الصغيرة تخلق غالبية فرص العمالة فى الدول النامية والصناعية
ايضاً: فى الولايات المتحدة لدينا 19 مليون مشروع 99.9% منها يقع فى نطاق
المشروعات الصغيرة واليوم يعمل الاقتصاد الأمريكى بمعدل تشغيل كامل. خلال
السنوات الثمانى الماضية نجد ان صافى معدل الزيادة فى الوظائف الجديدة فى
الاقتصاد الأمريكى قد نتج عن الشركات الصغيرة أما الشركات الكبيرة فقد
أنخفض عدد فرص العمالة بها.
هل هناك أهمية لوجود نظام تجارى مبنى على
قواعد متفق عليها؟
فرنانديز:
أن وجود نظام
تجارى تحكمه قواعد متفق عليها هو مسألة ضرورية بالنسبة لتوسع التجارة
العالمية. أن تلك القواعد تفيد المصدرين من خلال خلق حالة من الامان
والاستقرار فبدون قواعد واضحة لا يكون هناك حافز للالتزام طويل المدى
بالتجارة. وبالنسبة للبرازيل تحتل منظمة التجارة العالمية اولوية مطلقة فى
استراتيجية التجارة.
ارندارسكى:
سياسات التجارة المبنية على قواعد متفق عليها والتى تتسم بالشفافية
مسألة ضرورية لتشجيع الارتباط بين الاقتصاديات النامية والاقتصاديات
الصناعية العالمية. هذه المشاركة يجب أن تتأسس على القبول الكامل للقواعد
والمعايير ولكننا لايجب أن نستبعد فى نفس الوقت الاستثناءات المؤقته
وترتيبات المرحلة الانتقالية بحيث يتم التفاوض بشأنها بشكل دقيق وحريص.
كتاوى:
أوافق على
أهمية وجود هذا النظام لأن بدونه ستتعرض التجارة لسيطرة الاقتصاديات القوية
مما قد يؤول إلى نتائج وخيمة مثل العزلة التى حدثت فى الثلاثينيات من القرن
العشرين.
داس:
أوافق ايضا على أهمية وجود النظام ولذلك فنحن ملتزمون بنجاح منظمة التجارة
العالمية.
ووركمان:
اذا رجعنا إلى
الوراء نجد ان النزاعات التجارية فى الماضى كان يتم حلها بأسلوب عنيف يؤدى
إلى انقسام الامبراطوريات والحرب المسلحة. وبعد الحرب العالمية الثانية
اراد الحلفاء تقليص احتمالات الصراع فى المستقبل ومن هنا كانت نشأة مؤسسات
بريتون وودذ ومنها الجات. فقد ساد الاعتقاد بأنه اذا اتبع جميع الاطراف نفس
قواعد اللعبة سيقل عدد الصراعات التجارية وفى حالة حدوثها يمكن حلها بشكل
سلمى.
هل تعتقد ان الاطار المؤسسى الحالى لمنظمة
التجارة العالمية يكفى لتطبيق نظام تجارى تحكمه قواعد متفق عليها؟
ارندارسكى:
يوفر النظام
الحالى لمنظمة التجارة العالمية اطار واسع مساند للتجارة الدولية. ولكن هذا
النظام لا يزال تسيطر عليه القواعد التى نشأت اساسا فى ظل بيئة اصغر كانت
العلاقات الدولية التجارية أكثر محدودية وأقل كونية. وبالتالى فالنظام الآن
يحتاج إلى بعض التكييف للتطورات الجديدة مثل خطط التجارة الاقليمية وتزايد
ديناميكية تدفقات رؤوس الأموال الدولية واندماج الشركات عبر الحدود وتزايد
قوة الشركات متعددة الجنسيات والتجارة الالكترونية وبعض الممارسات الحديثة
الأخرى فى مجال الاعمال.
كتاوى:
تملك
منظمة التجارة العالمية قوة أكبر من الجات بشأن تسوية النزاعات التجارية
ويمثل ذلك عنصر هام من عناصر اهميتها أى أنها اصبحت ضحية لتجاحها. ولكن
هناك مساحة لاصلاح المنظمة لتكون أكثر قدرة على تحمل المسئولية السياسية
بما فى ذلك ابتكار طرق افضل لتقديم المشورة للدول النامية وبناء حالة من
الاجماع او الانفاق بين اعضاء المنظمة الذين تتباين مصالحهم تبايناً
كبيراً.
داس:
ان ما
حدث فى سياتل يوضح لنا ان منظمة التجارة العالمية يجب تدعيمها بشكل كبير
وأنه يجب تبنى مقاييس تضمن قيام المنظمة بتعزيز التجارة الحرة والعادلة. ان
انشاء منظمة التجارة العالمية يعد خطوة هامة ومؤثرة فى اتجاه نظام عادل
للتجارة. ولكن يجب الاحجام عن محاولة توسيع نطاق تلك المنظمة ليشمل جميع
القضايا غير التجارية.
ووركمان:
هناك اجابتين لهذا السؤال: الأول، ان منظمة التجارة العالمية تعمل
على أساس قواعد وضعت منذ ست أو سبع سنوات فى دورة أورجواى وحتى الان لعبت
تلك القواعد وظيفة كبيرة فى ضمان التوافق. وبالنسبة لقطاع الأعمال الأمريكى
كانت تلك القواعد مناسبة حيث تم معالجة بعض الأزمات والشكاوى من خلال
الهيئة المسئولة عن فض النزاعات وقد كسبت الولايات المتحدة معظم القضايا
لأنها لعبت طبقاً للقواعد وليس لأنها الولايات المتحدة. القواعد هنا هى
قواعد مطبقة على الجميع على حد سواء الدول الصناعية الكبرى والدول النامية
الصغيرة.
وفى حقيقة
الأمر ان القواعد تكون فى غالب الاوقات اكثر أهمية بالنسبة للدول الصغيرة
الاقل تقدما منها بالنسبة للدول الصناعية الكبرى لأنه فى حالة فشل القواعد
أو عدم ملاءمتها يمكن لتلك الدول الاعتماد على قوتها الاقتصادية لدعم وجهة
نظرها. ولكن بالنسبة للاسواق الصاعدة التى لم تحقق قوة اقتصادية بعد فأنها
تعتمد على تلك القواعد بشكل اساسى. ولذلك نقول ان منظمة التجارة العالمية
تقوم بوظيفة هامة فيما يتعلق بقواعد التجارة الحالية.
والسؤال الثانى
يتعلق بقدرة منظمة التجارة العالمية كمؤسسة على التعامل بشكل أكبر مع الدول
النامية وليس الدول المتقدمة فقط؟ بعد الاجتماع الوزارى فى سياتل اعتقد ان
هذا السؤال يبقى بلا اجابة قاطعة. فهناك من يقول بأنه من الصعب الوصول إلى
اتفاقيات لغرض تنفيذ المقاييس اللازمة فى نظام التجارة العالمى وذلك لان
المنظمة تقوم على ضرورة الاجماع على القرارات. وهؤلاء يعتقدون أننا نحتاج
إلى منظمة تجارة عالمية خارقة القوة لفرض درجة اكبر من تحرير التجارة
بالنسبة للدول الصناعية والدول اعضاء منظمة التجارة. وعلى العكس من هؤلاء
هناك من يرى امكانية القيام باصلاح من الداخل ويريد هؤلاء خلق هيئة أو
مؤسسة مشابهة لمجلس الامن التابع للامم المتحدة ليكون الاداة المحركة
لتحسين النظام التجارى. اليوم ليس هناك اجماع على كيفية اصلاح منظمة
التجارة العالمية.
هل تعتقد أنه سيكون هناك دورة أخرى لمنظمة
التجارة العالمية؟ وهل ترى انها ضرورية وهامة؟
فرنانديز:
منذ سياتل
وهناك حالة من الاجهاد فى منظمة التجارة العالمية فهناك حالة من غياب أو
افتقاد القيادة. واذا نجحنا فى استغلال هذا الوقت لاعادة التفكير فى
الاستراتيجيات وفى تحليل اسباب الفشل قد تكون النتيجة النهائية نتيجة
ايجابية. واذا لم يكن لدينا جدول زمنى محدد للخطوات القادمة لمنظمة التجارة
العالمية فلن يكون ذلك فى صالح نظام التجارة العالمى أو فى صالح نمو
الاقتصاد العالمى. فمن الضرورة انعقاد دورة جديدة لمنظمة التجارة العالمية
ولكن يجب ان يكون جدول الاعمال متوازنا يلبى مصالح جميع الدول الاعضاء
ويناقش قضاياها على قدم المساواة.
كتاوى:
من الضرورى
وجود دورة جديدة لمنظمة التجارة العالمية لان الدول عندما تتفاوض فى اطار
متعدد الاطراف تضطر لتبادل المصالح وتبادل التنازلات وهذا شىء مستحيل فى
اطار المحادثات الثنائية.
داس:
الهند لا تعارض
فكرة القيام بدورة جديدة ولكن قبل البدء فى الدورة الجديدة يجب بحث قضايا
تطبيق القواعد بما يرضى جميع الدول الأعضاء. فمن الاهمية تطبيق الاتفاقيات
القائمة تطبيقا سليما وتصحيح التراجع فى تطبيق الاتفاقيات قبل البدء فى
دورة جديدة. ونحن سعداء بقرار المجلس العام الذى صدر بالموافقة على مناقشة
القضايا المرتبطة بتطبيق القواعد من خلال جلسات خاصة.
ووركمان:
هناك دورة
داخلية مستمرة منذ شهور تركز على الخدمات المالية ويشمل ذلك (البنوك وخدمات
التأمين) والزراعة. يجب ان تعمل المنظمة على عقد دورة أخرى واعتقد ان
الدورة القادمة ستكون أكثر تحديدا وتركيزا على القضايا المتفجرة الخاصة
بسياسات التجارة مثل المعونات الزراعية. الدورة القادمة يجب ان تبدأ قبل
2003 بسبب ما يسمى "بفقرة السلام" وتنص هذه الفقرة على الاتفاق بين اعضاء
منظمة التجارة العالمية على عدم رفع قضايا بشأن المعونات الزراعية قبل عام
2003.
لقد اصبحت
الحاجة ملحة للبحث عن حل قابل للتطبيق بالنسبة لمسألة المعونات الزراعية.
لقد أصبحت تلك المسألة مسألة باهظة التكلفة فحتى الدول الصناعية مثل دول
الاتحاد الأوروبى اصبحت غير قادرة على تحمل المعونات المدرجة فى برامجها.
فإذا استمرت السياسة الزراعية للاتحاد الاوربى على نفس معدلها الحالى فإنها
ستستهلك 100% من ميزانية اللجنة الاوربية بعام 2009. ولذلك هناك فهم عام
حتى فى الدول الاغنى بأن على اعضاء منظمة التجارة العالمية التعامل مع قضية
الزراعة. وهذه القضية هى ايضاً اكثر القضايا السياسية صعوبة بالنسبة للدول
الصناعية والنامية وان كانت اكثر صعوبة بالنسبة للدول الصناعية.
كانت الطريقة
التقليدية المتبعة لدفع الدول على الاتفاق بشأن التخلى عن الدعم وتكييف
السياسات الزراعية بها هى وضع مجموعة كبيرة من القضايا والموضوعات على
مائدة التفاوض. وفى ذلك الوقت كان يمكن لرجل السياسة ان يقول "لقد تخليت عن
دعم المزارعين ولكن نجحت فى فتح أسواق جديدة للعاملين فى صناعة الكيماويات
وفى صناعة الادوية ومنتجى الملابس الجاهزة".
وبينما اعتقد
بضرورة انعقاد دورة أخرى لاننا يجب ان نتناول موضوع الزراعة الا ان هذه
الدورة لن تقتصر على الزراعة بل ستشمل على الاقل قطاعيين أخرين ولن تكون
على النطاق الواسع الذى اقترحته الولايات المتحدة أو اليابان أو الاتحاد
الاوروبى فى سياتل.
هل هناك طريقة لان تكون عملية صناعة القرار
بمنظمة التجارة العالمية عملية اكثر ديمقراطية؟
ووركمان:
أنى اتعجب
عندما يشكو الناس من عدم ديمقراطية عمليات منظمة التجارة العالمية. فجميع
ممثلى منظمة التجارة العالمية يتم اختيارهم من قبل قياداتهم الحكومية الذين
يتم انتخابهم بطريقة ديمقراطية.
فرنانديز:
بالنسبة
لديمقراطية منظمة التجارة العالمية نقول ان عملية صناعة القواعد تبدأ فى كل
دولة على حدة وتعتمد على العلاقة القوية بين القطاع الخاص والاجهزة
الحكومية.
كتاوى:
على من يقول ان
عملية صناعة القرار فى منظمة التجارة العالمية تتم بشكل غير ديمقراطى ان
يتوقف لوهلة ويحلل ما يقول. منظمة التجارة العالمية مكونة من حكومات
وبالتالى اذا ادعيت ان الحكومات غير ديمقراطية اذن يجب ان تفعل شيئاً
بالنسبة لحكومتك.. اليس كذلك؟ معظمنا يشعر انه من الضرورى ان يناقش قطاع
الاعمال والجماعات الاخرى وجهات نظرهم مع حكوماتهم حتى تقوم تلك الحكومات
بتمثيلهم بشكل سليم وكاف خلال المفاوضات.
أما إدعاء بأن
منظمة التجارة العالمية تمثل فى الاساس مصالح الحكومات الكبرى والشركات
الكبرى فهو ادعاء خاطئ. أن بعض المعارضين يدعون ان حكوماتهم لا تقوم
بوظائفها بشكل سليم على الرغم من ان بعض هؤلاء يلقون دعما حكوميا وهذا شىء
مثير للسخرية. ونتيجة لذلك يعتقدون أنه من الضرورى انشاء منظمة لا تتسم
بالقومية من أجل تمثيل وجهات نظر "الديمقراطية العالمية". ولكنهم بذلك
يكونون قد اهدروا قيمة الدولة والوطن الذى ينتمون اليه ومعها آلية التمثيل
والمساءلة. الا انه من الجدير بالذكر ان نؤكد ان سياتل كانت غير ناجحة لان
الحكومات لم تتفق على جدول اعمال وليس بسبب المتظاهرين والمعارضين.
ان لدى شعور
يتزايد يوما بعد يوم بالحاجة لحكومات قوية فعالة كفء حرة وغير فاسدة يمكنها
الاستماع إلى رأى شعوبها وليس العكس فالحكومات القوية الفعالة الكفء هى فقط
القادرة على تسوية الامور. فمن واجبنا جميعا تقديم ممثلين ديمقراطيين
مناسبين إلى حكوماتنا. وهؤلاء هم الذين يتخذون القرار فى المجلس العام ويجب
علينا ان نقوم بذلك من خلال اسلوب يشجع المشاركة المدنية ويساند الهياكل
المدنية وليس من خلال وسائل تجهض رأى تلك الجماعات.
هل ترى طريقة لجعل عمليات منظمة التجارة
العالمية اكثر شفافية وما مدى أهمية هذه المسألة؟
فرنانديز:
خلال الاعوام
الماضية زاد تدفق المعلومات من منظمة التجارة العالمية وهذه خطوة هامة فى
اتجاه الشفافية. ان المعلومات والتعليم الخاص بالتجارة من المسائل الحيوية
الاساسية ويجب أن يكون لمنظمة التجارة العالمية دور حيوى فى هذه المسائل.
ومن اسباب ذلك ان وضع قواعد التجارة يعتبر عملية معقدة تحتاج إلى استخدام
عناصر بشرية مؤهلة من القطاعين العام والخاص.
وبالنسبة
لديمقراطية منظمة التجارة العالمية فإن عملية صناعة القواعد ووضعها تبدأ فى
كل دولة على حدة وتعتمد على العلاقة القوية بين القطاعين العام والخاص.
والخطوة التالية تتعلق بأسلوب ممارسة سلطات الإدارة واتخاذ القرار فى منظمة
التجارة العالمية ودور دول الاعضاء. القضية الهامة هنا تتمثل فى وجود عملية
لصناعة القرار تؤدى إلى وجود جدول اعمال متوازن.
ارندارسكى:
مسألة الشفافية مسألة هامة جدا حتى لا تشعر الدول الاعضاء الأقل تاثيرا أو
الاصغر حجما أنها مستبعدة من عملية صناعة القرار كما شعروا فى سياتل. فأحدى
الوسائل لجعل عملية القرار عملية اكثر ديمقراطية هى وضع جدول اعمال ذو
قاعدة عريضة بدلا من تناول قطاعات معينة وهى الطريقة المفضلة من الدول
الكبرى. ان بولندا تفضل التفاوض القائم على مناقشة جميع المصالح المشروعة
للدول اعضاء منظمة التجارة العالمية.
كتاوى:
ان فكرة
بيروقراطية منظمة التجارة العالمية فكرة غير مقبولة لأن البيروقراطيون
يتخذون القرار بشكل سرى. فليس هناك بيروقراطيون يتخذون القرار فى منظمة
التجارة العالمية بشأن قضايا التجارة. فالقواعد والقرارات تتقرر فى المجلس
العام الذى يتكون من ممثلين للحكومات يتم اختيارهم من قبل الزعامات الوطنية
التى تولت الزعامة بموجب اصوات الناخبين فى دولها. وهناك بعض الاشياء التى
يجب القيام بها للتأكد من أن الدول النامية هى جزء من عملية صناعة القرار
وأنها تستفيد من تلك العملية، وزعامات تلك الدول يطالبون بهذه المعايير.
داس:
الشفافية فى
اداء منظمة التجارة العالمية لها أهمية حيوية تؤدى إلى مصداقية هذا الكيان،
والشفافية هنا من احد دعائم المنظمة التى لا يجب السماح بالمساس بها. ومن
البديهات ان هناك حاجة إلى آلية واضحة لتسوية النزاعات وإلى عملية صناعة
القرار باسلوب يتسم بالشفافية والمصداقية وإلى نظام استشارى واسع وعريض
الخبرة خاصة عند مناقشة القضايا الرئيسية.
ووركمان:
يبدو انه من
الضرورى وجود آلية فى منظمة التجارة العالمية يكون فيها للمنظمات العامة
وغير الحكومية فرصة عرض رأيها لدى ممثلى الدول اعضاء منظمة التجارة وذلك
قبل الوصول إلى مرحلة تحديد ومناقشة الآليات المختلفة مثل آلية النزاعات
والاستئناف.
ولكن كما هو
الحال بالنسبة لاجراءات المدعى العام التى تكون سرية نجد ان التفاوض بشأن
العقود لايتم يشكل علنى فالطرف الآخر عادة لا يعرف موقفك بشكل مسبق.
وبتعبير عملى هناك درجة من السرية يجب الاحتفاظ بها خلال عملية صناعة
القرار والتفاوض. غير أن الحكومات يمكنها القيام بمهمة افضل من ذلك لصناعة
قرارات منظمة التجارة الدولية وكذلك فى تعريف المتأثرين من تلك القرارات
بمدى تأثيرها عليهم.
ودعونا لا ننسى
ان منظمة التجارة العالمية ليس لها قوة تغيير القوانين فالحكومات وحدها
قادرة على تغيير القوانين ولها حرية الاختيار. فيمكن للحكومات ان تختار عدم
الالتزام بمقترحات منظمة التجارة العالمية لأنها فى نهاية الامر منظمة
تقوم على العضوية الطوعية. وعلى مدار سبع سنوات كان هناك خلاف بين الولايات
المتحدة والاتحاد الاوروبى وقد حكمت المنظمة مرتين لصالح الولايات المتحدة
وطالبت الاتحاد الاوروبى بتغيير نظام
Banana Regime
الا ان الاتحاد الاوروبى رفض تغيير هذا النظام مما أدى إلى قيلم منظمة
التجارة العالمية بالسماح للولايات المتحدة بفرض عقوبات على الصادرات
الاوروبية للولايات المتحدة يساوى فى قيمته حجم الخسارة التى تتكبدها
الولايات المتحدة نتيجة رفض الاتحاد الاوروبى تنفيذ قرار منظمة التجارة
العالمية. ولهذا السبب تفرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية قدرها 100% على
صادرات ايطاليا من احد انواع اللحوم وقد تقوم العام القادم بتحويل هذه
التعريفه الجمركية من هذا النوع من اللحوم الايطالية إلى الجبن الفرنسية
حتى تشارك جميع دول الاتحاد الاوروبى فى تحمل الالم الناتج عن رفض تنفيذ
قرارات منظمة التجارة العالمية.