نموذج الأعمال في النظام الاقتصادي الجديد
دكتور
تشارلز أومان
هو رئيس شعبة الابحاث فى مركز التطوير
التابع لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية. ينشغل دكتور أومان حاليا فى
بحث اساليب ممارسة سلطات الادارة وصنع القرار. قام بتدريس الاقتصاد فى
جامعة كاليفورنيا ببركلى وفى قسم الدراسات العليا بكلية ادارة الاعمال فى
ليما ببيرو. الأراء التى يعبر عنها هى أرائه الشخصية ولا تعبر عن رأى
المركز.
كان
للعولمة
والتقدم التكنولوجي الجديد أكبر الأثر علي تنظيم قطاع الأعمال والحكومات
والمجتمع. وأهم قوي دافعة لهذه التغيرات هو نموذج الأعمال الجديد . وفي
حوار مع "الإصلاح الاقتصادي اليوم" ناقش تشارلز أومان هذا الاتجاه الجديد
ودلالات تبني الدول النامية وكذلك الدول المتقدمة لهذا النموذج في إطار
النظام الاقتصادى الجديد الحالي.
يدعي العديد من الاقتصاديون ان مصطلح العولمة هو مجرد مصطلح للفت النظر
بينما الحقيقة في نظرهم أن العولمة ما هي إلا امتداد لاتجاهات قئيمة في
الاقتصاد العالمي. إذا كان هذا أمر حقيقي فإن العولمة إذن لا تعني أن هناك
نظام اقتصادي جديد بالفعل. ما هو رأيك في هذا الشأن؟
أومان: إن الإجابة علي هذا
السؤال تنقسم إلي شقين. أولا إن العولمة كظاهرة عامة ليست بالفعل جديدة.
فمنذ القرن التاسع عشر أو ربما قبل ذلك بدأ اتجاه عالمي طويل الأمد لتحرير
الاقتصاد الدولي والاستثمار. كما أننا حتى الآن ما زلنا أبعد ما نكون عن
تحقيق نظام اقتصاد عالمي موحد تماما. فما زال هناك الكثير لتحقيقه في شأن
إيجاد سياسات تعمل علي تحرير التدفق الدولي للتمويل وكذلك للتجارة
والاستثمار الأجنبي المباشر، ذا بالطبع إلى جانب تحرير الشعوب. كل هذا يؤيد
مقولة أن مصطلح العولمة ليس إلا مصطلحا لجذب الانتباه أكثر منه مصطلح يشير
إلي حدوث شيء جديد حقا. لكن مشكلة العديد من الاقتصاديين هي ببساطة أنهم لا
يستطيعون إدراك السمات الخاصة لموجة العولمة الحالية.
ومن المهم جدا
أيضا أن نعي أن عملية العولمة تحدث في موجات. فهناك فترات كانت موجة
العولمة فيها سريعة مكثفة وفترات أخري كانت فيها بطيئة وربما متراجعة
للخلف. كما أن لكل موجة عولمة سماتها الخاصة وقواها الدافعة وبالتالي فإن
لكل موجة مفاهيم ضمنية أساسية خاصة بقطاع الأعمال والحكومة وحتى المواطن
العادي.
لقد شهدت
المائة سنة الأخيرة وحدها ثلاث موجات رئيسية للعولمة. الأولي بدأت في الجزء
الأخير من القرن التاسع عشر واستمرت حتى الحرب العالمية الأولي. والموجه
الثانية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى السبعينيات عندما
انخفض معدل النمو الإنتاجي في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان بشكل
حاد. أما الموجه الحالية فقد بدأت تقريبا في أواخر السبعينيات أو أوائل
الثمانينيات وما زالت مستمرة حتى اليوم.
وهناك أوجه شبه
بين موجة العولمة الحالية والموجات السابقة في بعض الجوانب، منها النمو
الكبير للتجارة الدولية الذي يعتبر السمة المميزة للعولمة بشكل عام. وبينما
تذكرنا موجة العولمة الحالية بالموجة التي سبقت الحرب العالمية الأولي
فأنها تختلف عن تلك التي أعقبت الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق
بالاهتمام بالعولمة المالية. ومع كل ذلك فإن كل موجة عولمة تعتبر موجة
فريدة في جوانب هامة وهذا يعني أن مصطلح العولمة هو أكثر من مجرد مصطلح
للفت الأنظار.
إن مفتاح لفهم
العولمة لا يكمن في سياسات تحرير التجارة وتدفق رأس المال كما أنه لا يكمن
في سرعة التغير التكنولوجي فهذه العناصر كانت متواجدة في كل موجات العولمة.
وإنما المفتاح يكمن في طبيعة نموذج الأعمال الذي يدفع المنافسة إلى الأمام
في النظم الاقتصادية الرئيسية. ولتوضيح هذا الأمر دعنا نقارن بين نموذج
الأعمال الذي دفع بالعولمة إلى الأمام في فترة مابعد الحرب العالمية
الثانية وبين النموذج الذي يدفع موجة العولمة اليوم.
إن النموذج
الذي دفع وشكل موجة العولمة بعد الحرب العالمية الثانية كان التنمية
المستمرة والانتشار الدولي لنموذج الأعمال الأمريكي والمعروف "بالإدارة
العلمية" أو "الإنتاج علي نطاق واسع" . ويتسم هذا النموذج بثلاثة ملامح
أساسية.
الملمح الأول
هو النزوع في تنظيم الإنتاج إلى الفصل بين "التفكير" و "الفعل" أي بين
الإدارة والمتخصصين من جهة وبين الإدارة والعمال غير المهرة من جهة أخري.
إن هذا الاتجاه التنظيمي يسهل عملية التحكم الإداري كما انه يساعد علي
تنظيم مجموعة كبيرة من الناس
–
قد لا تتحدث نفس اللغة أو قد لا تجيد حتى القراءة والكتابة
–
داخل مصنع واحد.
الملمح الثاني
هو النزوع إلى التحديد الضيق لمسئوليات وظيفة عمال الإنتاج ودفع التخصص
الوظيفي إلى أبعد مدي ممكن من أجل زيادة إمكانية اقتصاديات الحجم إلى أقصي
حد.
الملمح الثالث
هو اعتقاد عززه فريدريك و. تايلور
Frederick W. Taylor
والقائل بأنه في أي وقت معين ليس هناك إلا طريقة واحدة مثلي لتنظيم العمل
والإنتاج. ولهذا فقد أطلق علي نموذج العمل هذا طريقة "الإدارة العلمية" في
تنظيم الإنتاج علي نطاق واسع. هذه الإدارة العلمية انتشرت في جميع أرجاء
الكرة الأرضية وبالتالي كانت هي الدافعة لموجة العولمة التي تلت الحرب
العالمية الثانية. إن هذا النظام قد تأصل وانتشر في أوروبا الغربية بفضل
خطة مارشال إلى حد كبير. وإحدى إسهامات هذه الخطة فى إعادة البناء بعد
الحرب تمثلت فى إرسال العديد من المديرين وكبيري العمال إلى الولايات
المتحدة وجلب آخرين من الولايات المتحدة إلى أوروبا حتى يشاركوا نظرائهم في
خبراتهم ومعلوماتهم. ويمكن القول بأن "طرق الإدارة الستالينية" التي انتشرت
خلف الستار الحديدي في نفس الفترة في نظم الاقتصاد التي اعتمدت علي التخطيط
المركزي في وسط وشرق أوروبا لم تكن إلا صورة كاريكاتيرية من الإدارة
العلمية.
لقد أدخلت
المشروعات المتعددة الجنسية وكذلك الشركات المحلية الصغرى طرق الإدارة
العلمية في دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. في هذه البلدان كانت
"الإدارة العلمية" تستخدم في أسواق محلية مقفلة ومحمية لدرجة كبيرة وفي
إطار برامج تصنيع لاحلال الواردات تقودها الحكومة.
ومن هذا يتضح
أن العمل في وزارات الحكومة وإداراتها في الدول النامية والتي في طريقها
إلي التنمية وكذلك في المنظمات الدولية في جميع أنحاء العالم أصبح ينظم
طبقا لقواعد "الإدارة العلمية" التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية.
وينبغي أن نؤكد
هنا أن موجة العولمة في هذه الفترة
–
والتي دفعتها التنمية المستمرة والانتشار السريع للإدارة العلمية
–
قد أدت إلى رفع مستويات الإنتاجية والمعيشة لمدة تزيد عن عشرين عاما. إلا
أنها ساهمت أيضا فى تزايد البيروقراطية بشكل ملحوظ في القطاعين الخاص
والعام وخاصة في الدول ذات النظم الاقتصادية الرائدة حيث استخدام "الإدارة
العلمية" علي أوسع نطاق. ولكن فى السبعينات أدى تزايد البيروقارطية الى
تباطؤ النمو الإنتاجي طويل المدى.
ولقد أدي هذا
التباطؤ الحاد للنمو الإنتاجي بالعديد من مديري الشركات الي نقل بعض قطاعات
الإنتاج التى تتسم بكثافة العمالة إلى الدول النامية حيث العمالة الرخيصة
والأكثر مرونة. إن ما فعله هؤلاء المديرين في الواقع كان استجابة لتلك
القيود البيروقراطية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من منطق الإدارة العلمية
والتي تفسر ظهور حالة من التضخم مصحوبة بركود اقتصادى في السبعينيات.
لقد شهدت أواخر
السبعينيات وأوائل الثمانينيات بدورها ظهور ما يمكن تسميته بنموذج الأعمال
الجديد الذي تدفع قدرته التنافسية موجة العولمة الحالية إلي الأمام. إن هذا
الاتجاه الجديد قد قلب مبادئ الإدارة العلمية رأسا علي عقب في مناحي هامة
خاصة:
-
اندماج الفكر الانتاجى والعملية الانتاجية بشكل لاينفصل حتى يتسنى
الاستفادة من الذكاء البشري لدى العمالة وقدراتهم علي حل المشكلات.
-
التأكيد علي أهمية العمل الجماعي إلى جانب الاهتمام بالتخصص واقتصاديات
الحجم . إن هـذا النظام الجديد مصمم من أجل الاستفادة من إمكانية انصهار
الطاقات الانتاجية التي يحققها العمل فى شكل مجوعات من 10 أو 15 أو 20
فردا. في هذه الحالة لا يكون الاهتمام بالتخصص علي حساب العمل الجماعي.
-
بدل الاعتقاد بأن هناك طريقة واحدة مثلي للعمل في زمن محدد، يؤكد الاتجاه
الحديث علي أهمية الاستمرار في التجديد، ليس فقط فيما يتعلق بالسلعة
المنتجة والقدرة على تغييرها لتلبية الطلب المتغير عليها ولكن بكيفية انتاج
تلك السلعة (ويشمل ذلك تنظيم العمل والانتاج) مستخدما التكنولوجيا الحديثة
وطرق جديدة لتنظيم وحفز الافراد.
ومن المدهش أن الشركات التي تعمل طبقا للنموذج الجديد قد حققت بالفعل
مستويات عالية جدا من إنتاجية رأس المال والعمالة تفوق ما حققته شركات
كبرى تتبع نموذج الإدارة العلمية. إن هذ التفاوت الكبير فى الإنتاجية يشكل
ضغطا هائلا علي كل أنواع الشركات سواء كانت شركات مصنعة أو موردة للخدمات
من أجل تبني نموذج العمل الجديد ويشار إلى هذا النموذج في بعض الصناعات
ينموذج "في الوقت المناسب تماما
just in time".
وبالرغم من الضغوط التنافسية الهائلة من أجل تبني هذا النموذج الجديد إلا
أنه تظل هناك مقاومة كبيرة للتغيير. إن هذه المقاومة في التحول من
"القديـــم" إلى "الجديد" تفسر إلى حد بعيد زيادة معدلات البطالة وارتفاعها
النسبى في أوروبا وكذلك زيادة أعداد الفقراء العاملين في الولايات المتحدة
خلال العشرين سنة الماضية. وبينما يلقي باللوم اليوم علي العولمة في خلق
هذه المشكلات
نجد
أن المتهم الحقيقي هو الصعوبة التي تلاقيها العديد من الشركات والعديد من
الأفراد أيضا في التحول إلى النموذج الجديد في العمل. وتزداد صعوبة التحول
نتيجة لمقاومة التغيير التى تواجة العديد من الشركات.
إن الجماعات التي تقاوم التغيير والتحول إلى النموذج الجديد عادة يكونوا من
بين هؤلاء الذين يؤيدون العمل طبقا لمبادئ الإدارة العلمية. وتشمل جماعات
المقاومة العمالة المنظمة وكثيرا ما تشمل ايضا المديرين فى مستويات الادارة
العليا والمتوسطة فى المؤسسات التى تعمل بنظام التدرج الهرمى حيث يمكن
الاستغناء عن تلك الوظائف أو الذين يتعاملون مع المشكلات التي تواجههم بشكل
غير فعال في ظل نظام العمل الجديد. ونجد فى نموذج شركة جنرال موتورز مثالا
على ذلك حيث فقدت الشركة نسبة كبيرة من حصتها فى السوق فى الثمانينيات
وواجهت صعوبات كبيرة فى اعادة التنظيم. أن هذا المثال يصور نموذج الادارة
العليا التى اثبتت عدم قدرتها على رؤية العالم بمنظور غير منظور الادارة
العلمية مما أدى الى ضرورة استبدال تلك الادارة العليا.
ما الفرق الذي تحدثه العولمة على مستوى
الشركات؟ وهل يتغير نموذج العمل الأساسي؟
أومان:
إن نموذج العمل الجديد كما أفهمه يشير إلى مجموعة كبيرة مختلفة ومتنوعة
الأعمال. فمن ناحية، هناك شركات كبري مثل تويوتا أيقنت في أواخر الخمسينيات
أنها لا تستطيع أن تكرر ما فعلته شركات فورد وكرايسلر وجنرال موتورز في
الولايات المتحدة. واستطاعت تويوتا وبالتدريج أن تتغلب علي بعض معوقات
الإنتاج بوضع طـرق انتاج مرنة أدت عبر سنوات عديدة إلى ما أصبح معروفا الآن
بنظام "في الوقت المناسب تماما". وهذا ما هو إلا نوع واحد فرعي من نموذج
العمل الجديد. كما أن هناك العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة فى مجال
صناعة النسيج والأثاث في أجزاء من إيطاليا وجنوب ألمانيا استطاعت أن تتحد
فى تجمعات صناعية تعمل طبقا لنموذج العمل الجديد واستطاعت بذلك أن تشكل قوة
ضغط تنافسية في هذه الصناعات.
ولأن الولايات المتحدة كانت رائدة نموذج الإنتاج علي نطاق واسع، لم تكن من
بين أوائل الدول التي أخرجت إلى الوجود شركات تعمل طبقا لنموذج العمل
الجديد. ولكن بسبب المرونة النسبية التى يتمتع بها المجتمع والاقتصاد
والأعمال فى الولايات المتحدة، فقد استطاعات العديد من الشركات الأمريكية
في الثمانينيات وخاصة منذ ركود بداية التسعينيات اعادة تنظيم العملية
الانتاجية بشكل سريع على اساس العديد من مبادئ نموذج العمل الجديد. وهذا لا
ينطبق فقط علي الشركات الجديدة التى تتعامل بمنطق الشبكات الالكترونية ولكن
هناك العديد من الشركات التى قامت قبل عصر تكنولوجيا المعلومات الالكترونية
والتى بدأت في الاتجاه نحو استخدام النموذج الجديد ومنها شركة جنرال
موتورز. لقد بدأت شركة جنرال موتورز في إدخال ملامح نموذج العمل الجديد
عنــدما أنشأت خط انتاج يعتمد على نظام "في الوقت المناسب تماما".
ونضيف هنا إن نموذج العمل الجديد يعد فلسفة للتنظيم البشري على أساس العمل
الجماعي الواعي واستمرار الاتصال بين افراد المجموعة وبينها وبين الاخرين
وحفز الأفراد وتقليل الفاقد بما فى ذلك عدم الاستخدام الكامل للقدرات
البشرية والاحتفاظ بالمخزون. ولا أرى سببا جوهريا فى عدم تبنى الشركات
القديمة لنموذج العمل الجديد مادام القائمون علي الأمر يدركون ويفهمون
المبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا النموذج. ولكن لايمكن لأحدنا أن
يقول أن هذا أمرا يسيرا.
ما هي مدلولات التحول إلى النموذج الجديد
بالنسبة للدول النامية؟ وهل المخاوف التي طرحت في إجتماعات منظمة التجارة
الدولية في سياتل وغيرها لها ما يبررها باعتبار أن تلك الدول يمكن أن تتخلف
عن المسيرة؟
أومان:
لقد تصادف وجودى فى سياتل أثناء اجتماعات عام 1999. وفي اعتقادي أن معظم
المتظاهرين كانوا من الأمريكيين الذين يعبرون عن عدم ثقتهم في حكومتهم وفي
كثير من الأحيان عدم ثقتهم فى الشركات الأمريكية الكبرى وكان بعض
المتظاهرين الأمريكيين يتظاهر نيابة عن الدول النامية. وأنا هنا لا أتشكك
فى صدقهم ونواياهم الحسنة ولكني لا أعتقد أنهم يستطيعون بالفعل التحدث
نيابة عن تلك الدول. فالمكسيك علي سبيل المثال دولة نامية أصيلة ولكن
لايبدو أنها تشارك المتظاهرين فى سياتل عناصر قلقهم التى عبروا عنها فى
الشوارع. وبالتالي فأنا لا أفترض أن هذا العدد من المتظاهرين في سياتل
وغيرها يمثل بالفعل وجهة نظر واضحة لدول العالم الثالث.
ومع ذلك يمكن
القول بأن الطريقة التي سوف تستجيب بها الدول النامية إلي القوى الدافعة
بالعولمة إلي الأمام سوف يكون لها أكبر الأثر علي مستوى المعيشة بها وعلي
معدلات النمو ونوعية الحياة فيها وكذلك علي عملية التنمية بها في العقود
القادمة. ولن تلاقى عملية التحول مقاومة شديدة فى الدول التي ليس بها
مؤسسات ذات جذور عميقة مقارنة بالدول التي بها مؤسسات قوية عريقة. كما أن
الدول التى تتسم بجمود اساليب ممارسة السلطات السياسية وجمود اساليب ممارسة
سلطات الادارة فى الشركات غالبا ستواجه صعوبات كبيرة فى التحول الى نموذج
الأعمال الجديد. ونتيجة لذلك فإن هذه الدول قد تتخلف عن موجة العولمة
الحالية بدرجة أكبر من تخلفها خلال الموجة السابقة. وتتسم بعض الدول
النامية بمرونة أكبر من غيرها وبقدرة على التكيف السريع ولكنها قد تواجه
عقبات في إنشاء مؤسسات قابلة على ادارة هذا التغيير. وبشكل موجز يبقى
السؤال حول مدي استفادة أو خسارة تلك الدول من نموذج العمل الجديد ومدى
استفادة تلك الدول من مزاياها التنافسية سؤالا بلا اجابة محددة حيث تبقى
الاجابة معلقة على كيفية استجابة حكومات تلك الدول.
وهناك تساؤلان
مثيران للاهتمام. الأول هو هل ينبغي علي بعض الدول مثل الصين والبرازيل
وإندونيسيا والهند تبني نموذج العمل الجديد؟ والثاني هو ما الدور الذي
ينبغي علي شركات الولايات المتحدة أن تلعبه إذا ما فكرت في الاستثمار في
هذه الدول؟ وأنا هنا لا أزعم أن العالم لم يعد مهتما بالإنتاج واسع النطاق
الذي يعتمد علي العمالة الرخيصة. فهناك العديد من الشركات التي ما زالت
تقيم مثل هذه الأنشطة في الصين أوالهند أوإندونيسيا وتقوم بالتصدير من تلك
الدول. ما أقوله هو أن نمط السبعينيات في أن يقوم المستثمر بالانتاج خارج
بلده من اجل التصدير الى الى اسواق بلده لن يكون هو نمط المستقبل.
فالشركات تضع اليوم استثماراتها فى الدول النامية من اجل انتاج سلع يتم
بيعها فى الاسواق الاقليمية المحيطة بالدولة التى تستضيف تلك الاستثمارات.
إن الاتجاه
المستقبلي يتمثل فى مرونة الانتاج ومرونة المؤسسات. وفي هذا الصدد ينبغي
علي العديد من الدول النامية القيام بتحسين نظمها التعليمية وبنيتها
التحتية خصة وسائل الاتصال والمواصلات مما سيؤهلها للتنافس في الأسواق
المحلية والاقليمية بل والعالمية بالنسبة لبعض الصناعات.
وفي رأيي أن
التزايد فى تدويل العملية الانتاجية يتم ما بين دول الاقليم أكثر مما يتم
مابين الأقاليم الرئيسية وأقصد هنا بالأقاليم الرئيسية أوروبا الكبرى أو
أمريكا الشمالية أو حتى نصف الكرة الغربي وآسيا. وبالرغم من الكارثة
المالية فى أسيا عام 1997 فإن الاستثمارات بدأ فى التدفق في آسيا ومعظمها
يتجه لخدمة السوق الآسيوي الأكبر. ونفس الشيء ينطبق علي الاستثمار في
أوروبا ونصف الكرة الغربي وبمعني آخر ما زال للجغرافيا دورها. وكذلك فإن
قرب المسافة بين الشركات وعملائها من ناحية وبين الشركات ومورديها (فى حالة
مدخلات الانتاج المادية خاصة) من ناحية أخري، يمكن أن يشكل ميزة تنافسية
هامة لا ينبغي التقليل من قدرها.
وهذا بدوره
يعني أن مسألة الاندماج الاقليمى سوف تستمر في التصاعد. ومن المهم أن يضمن
صناع السياسة توافق خطط الاندماج الاقليمى (مثل اتفاقية النافتا) مع القوى
الدافعة للعولمة على سمتوى الاقتصاد الجزئى أى مستوى الشركات.
لي أي مدي يعتبر البناء المؤسسى مسألة هامة
للدول التي تود المشاركة في النظام الاقتصادي الجديد، خاصة فيما يتعلق
باستقلال الأنظمة القضائية وقانون التعاقد وحقوق الملكية الخاصة خاصة حماية
العلامات التجارية وحقوق الطبع؟
أومان:
إن تجربة الدول التي لجأت إلي تدويل نظمها الاقتصادية في الثمانينيات
والتسعينيات عن طريق تطبيق سياسات التجارة والاستثمار الحر تظهر بوضوح أن
تطبيق هذه السياسات أمر هام ولكنه غير كاف. فإلي جانب ذلك هناك حاجة إلي
مؤسسات قوية ذات مصداقية تدعم السوق الحر بما يتضمنه ذلك من قوانين وحقوق
الملكية حتى يتسنى لهذه الدول الاستفادة الحقيقية من التحرير الاقتصادي.
وروسيا مثل جيد على أن الأسواق لا تستطيع أن تعمل بكفاءة بدون مؤسسات
فعالة. ففي خلال العشرين سنة الماضية قامت العديد من الدول في أمريكا
اللاتينية وآسيا بتحرير قوي السوق. ونجد أن الدول التي أنشأت مؤسسات لدعم
نظم السوق الحر قد حققت نجاحا أكبر من الدول التي لم تفعل ذلك.
وهناك العديد
من المؤسسات التى يشكل وجودها ضرورة اساسية من أجل اقامة سوق قوى ومن أهم
تلك المؤسسات القضاء القوى المستقل وقوانين منع الاحتكار وحرية المنافسة
فالمؤسسات التى تضمن وجود قواعد مشجعة على المنافسة بدلا من قواعد معوقة
للمنافسة تعتبر مؤسسات هامة جدا لجميع الاقتصاديات القائمة على حرية
الاسواق.
كيف كان انتشار الديموقراطية في العالم
عاملا مساعدا في تقدم النظام الاقتصادي الجديد؟
أومان:
هذا يتوقف إلي حد ما علي رؤيتك للنظام الاقتصادي الجديد. إن انتشار
الديموقراطية أمر في غاية الأهمية بالنسبة للتنمية الاقتصادية. إنني فقط لا
أربطها بنمو النظام الاقتصادي الجديد ولكن بالتنمية الاقتصادية علي وجه
العموم. وإنه من الواضح ضرورة أن تسير التنمية الديموقراطية والتنمية
الاقتصادية جنبا إلي جنب. لقد كانت هناك مناقشات عدة في بداية السبعينيات
حول الآثار الضارة لتحديد حركة رؤوس الأموال علي التنمية الاقتصادية خاصة
في أمريكا اللاتينية ودول أخري من العالم الثالث التى تبنت سياسة احلال
الواردات، وهذه السياسة تعوق نسبيا عملية التنمية وتتسم بالمعوقات التجارة
وتقييد حركة راس المال والتدخل الحكومى فى سياسات الادخار والاستثمار
وكثيرا ما تتسم ايضا بوجود مؤسسات سياسية غير ديمقراطية.
إن تجربة
الثمانينيات توضح لنا أن إنهاء تقييد حرية رؤوس الأموال عن طريق إقامة
أسواق مال حرة يتزامن مع الحاجة إلي إنهاء كبت الحريات السياسية وإنشاء
مؤسسات ديمقراطية تضمن حرية التعبير السياسي. وفى حقيقة الأمر، فأن كلا من
المؤسسات السياسية الديمقراطية وأسواق المال الفعالة تدعم بعضها البعض.