العولمة
وانفتـاح المكسيـك
تمثل
انتخابات
الحكومة المكسيكية الجديدة في يوليو 2000 نقطة تحول تظهر إلى أي مدي وصلت
المكسيك في جهودها من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي . لقد أكد كل من
الرئيس أرنيستو زيديلو والوزير المالي جوزيه جوريا وذلك في الخطب التي
ألقوها في غرفة التجارة الأمريكية وفي مركز المشروعات الدولية الخاصة علي
نقطتين هامتين . الأمر الأول هو أهمية العولمة والتجارة الحرة بالنسبة لقوة
الاقتصاد المكسيكي . أما الأمر الثاني فهو كيف دفعت العولمة بالمكسيك نحو
التحول الديمقراطي دون اجتياز أزمة اقتصادية مصاحبة لذلك التحول.
وفيما يلي نص كلمة الرئيس زيديلو :
لقد كانت
التجارة الحرة هي القوة الدافعة الأساسية لنمو وتحديث اقتصادنا . لقد أصبحت
اتفاقية التجارة الحرة مع الشمال الامريكى
NAFTA
حقيقة
فعالة مزدهرة أسكتت دون شك كل من كانوا يتشككون فيها ويعارضونها.
لقد تخطت زيادة
التجارة بين الشركاء الثلاثة أكثر التوقعات تفاؤلا . فمن المتوقع ان يتضاعف
حجم التجارة بين المكسيك والولايات المتحدة إلى 200 % تقريبا مع نهاية عام
2000 مقارنة مع حجم التجارة عند بداية تطبيق شروط النافتا. وبالتالي تستطيع
القول بأن المكسيك قد حلت محل اليابان مؤخرا في كونها الشريك التجاري
للولايات المتحدة بعد كندا . إن المكسيك تصدر الآن الكثير للولايات المتحدة
ولكنها أيضا تستورد الكثير فهي تشتري من المنتجات الأمريكية أكثر مما
تشتريه المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا مجتمعين وأكثر من ضعف ما تشتريه
باقي دول أمريكا اللاتينية .
إن سياستنا
للسوق المفتوح ليست قاصرة علي
NAFTA
، فالمكسيك أكثر من أيه دولة أخري قد سعت إلى اتفاقيات تجارة حرة مع شركاء
محتملين آخرين . فنحن رواد اتفاقيات التجارة الحرة في أمريكا اللاتينية ومن
أمثلة ذلك الاتفاقيات التي عقدناها مع شيلي ، كولومبيا ، فنزويلا ، بوليفيا
، كوستاريكا ونيكاراجوا . وسوف يكون لي الشرف أن استقبل في المكسيك رؤساء
جواتيمالا ، هندوراس والسلفادور وذلك من أجل توقيع اتفاقية تجارة حرة مع
تلك الدول .
وعلاوة علي ذلك
فلقد وقعنا اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل كما إننا كنا أول دولة تتفاوض
وبنجاح بشأن اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي . وفي الأول من يوليو
2000 ستصبح المكسيك في وضع متميز بكونها شريك تجارة حرة في أكبر سوقين في
العالم ألا وهما سوق أمريكا الشمالية والسوق الأوروبية .
وفي السنوات
المقبلة ستسمح هذه الاتفاقيات للمكسيك بأن تعزز دورها الريادي القوي بالفعل
بين الاقتصاديات الصاعدة ليس فقط كدولة مصدرة ولكن ايضا كدولة مستقبلة
للاستثمار الأجنبي المباشر وهذا يعني بدوره فرص عمل أفضل بالنسبة للشركات
الأجنبية بل فرص عمالة أكبر ومستوي دخل أفضل لمواطنى المكسيك .
ومثل العديد
منكم فإنني علي قناعة بأن التجارة الحرة والاستثمار يساعدان علي خلق فرص
للتنمية لأي دولة وخاصة الدول النامية ولذلك السبب فإنني أنتهز كل فرصة لكي
أعبر عن اختلافي الشديد مع أولئك الذين يعارضون المزيد من تحرير التجارة
والاستثمار . فإن أولئك–
بوعي أو بدون وعي–
يعملون ضد مصلحة من يزعمون أنهم يدافعون عنهم وهم أكثر الناس حاجة في الدول
النامية .
إن الذين
يعارضون تحرير التجارة دائما ما يدعون–
إما بعبارات انسانية أو أخري أبوية
–
أن معارضتهم إنما هي من أجل مصالح الفقراء في الدول الأقل تقدما. وهذا هو
أبعد ما يكون عن الحقيقة . فلم يعد هناك اليوم أي مجال للشك في أن هناك
ارتباطا وثيقا بين انفتاح أي دولة وبين نموها الاقتصادي .
ففي جميع
الحالات التى تمكنت فيها الدول الفقيرة من تجاوز حالة التخلف الاقتصادى
خلال القرن الماضي كان الطريق الى ذلك من خلال الإنتاج لأسواق التصدير
والانفتاح لتدفق البضائع الأجنبية والاستثمار والتكنولوجيا . وربما لهذا
السبب ذاته نجد أن بعض المجموعات تلجأ الى
اعذار واهية خاطئة لتبرير سياسات الحماية
بدلا من
استخدام المزاعم التقليدية التى فقدت مصداقيتها.
التجارة وتحسين
أحوال العمالة
فلنأخذ مثلا
ذريعة حقوق العمال في الدول النامية . إن من يأخذون بهذه الذريعة يدعون إلى
تبني معايير عمالة موحدة على المستوى العالمى مستندين إلي أن أجور العمال
في الدول الفقيرة وكذلك المزايا الاجتماعية التى يحصلون عليها أقل من
مثيلاتها في الدول المتقدمة . بل أن أولئك يودون أيضا الربط بين فرض هذه
المعايير وبين ازالة القيود التجارية. وبالطبع هذا الهدف بأن تصبح أجور
العمال وكذلك أحوال العمالة متعادلة بين الدول في أسرع وقت يعتبر هدفا
مشروعا ولكنه في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن مثل هذا الهدف لا يمكن تحقيقه
في المدى القريب ولا بمجرد التمني وبالقطع لا يمكن تحقيقه بعرقلة التجارة
الحرة والاستثمار .
دعونـا لا ننسي
أبدا أن نظم الاقتصاد
الحر
تتقارب الى حد
كبير بينما لانجد مثل هذا التقارب بين نظم الاقتصاد المغلق. ففي غياب
الحرية المطلقة لانتقال العمالة تصبح التجارة أقوي أداة فى سبيل تقارب ظروف
العمالة بين الدول علي المدى البعيد . بل إن التجارة تتم الأن تحديدا بسبب
اختلاف اوضاع الدول بما فى ذلك احوال العمالة . وإنه لمن السخف أن نقوم
بتقييد التجارة في المستقبل القريب بسبب اختلاف احوال العمالة في مختلف
البلدان .
ودفاعا عن
رأيهم، يقوم المؤيدون لفكرة تجانس معايير العمالة على المستوى العالمى
بالإشارة المتكررة إلي حقيقة أن أجور العمال وظروف العمالة الخاصة بهم ما
زالت منخفضة في الأنشطة ذات الطابع التجاري في الدول النامية . وهم بذلك في
الحقيقة يتجاهلون عن عمد حقيقة أخري ألا وهي أن البديل الآخر لهؤلاء العمال
هو الفقر الشديد فى المناطق الريفية او الحصول على اعمال هامشية فى القطاع
غير الرسمى فى المناطق الحضرية فى ظل الغياب الكامل لجميع حقوق العمالة.
كما أنهم يتجاهلون أيضا حقيقة أخري مؤداها أن معظم الافراد الذين يعملون فى
أنشطة مرتبطة بالتجارة في الدول النامية يعتبرون عملهم هذا أفضل من الوظائف
التى كانوا يشغلونها من قبل. وفي أغلب الأحيان تكون تلك الاعمال التجارية
الخاصة خطوة هامة في طريق اتاحة فرص أفضل .
وبالطبع ينبغي
علي الحكومات الوطنية وكذلك المؤسسات متعددة الاطراف–
مثل منظمة العمل الدولية
–
أن تقوم بحماية حقوق العمال عن طرق سن التشريعات العادلة والحديثة وعقد
اتفاقيات مناسبة وتنفيذ شروط الاتفاقيات بافضل طريقة. وأنا شخصيا ملتزم
بهذا الاتجاه تماما . وما أعترض عليه هو استخدام حقوق العمالة كذريعة
لتدمير فرص توسع التجارة وبالتالي تقليل فرص العمل بالنسبة للعمال في بلدان
مثل بلدي .
التصدير والحد من فرص العمل الملوثة للبيئة
كما إنني متشكك
فيما يثار حول التجارة الحرة وآثارها علي البيئة. فأنا من أشد المؤيدين
لحماية البيئة ولكنني أيضا اعتقد بشدة أن الاندماج الاقتصادي يعمل علي
تحسين البيئة وليس العكس . فبما أن التجارة تؤدى إلي النمو الاقتصادي فإن
عليها بالتالي أن تؤمن علي الأقل جزء من المصادر الضرورية للحفاظ علي
البيئة وعلاجها . كما أن العائد المرتفع من النمو الاقتصادي المتعلق
بالتجارة يساعد ويعزز المطلب الخاص بضرورة تحسين البيئة. وعلاوة علي ذلك
فإن فرص العمل والأنشطة المتعلقة بالتصدير تشجع الناس علي عدم الاشتغال
بأعمال هامشية ملوثة بقدر كبير للبيئة .
إن تجربة
المكسيك مثال جيد علي هذا . فبعد أن انفتح اقتصادنا أصبح هناك تشدد فى
معايير الحفاظ على البيئة وتطبيق تلك المعايير. فإن الصناعات الوطنية او
الاجنبية اصبحت أ:ثر تواءما مع الحفاظ على البيئة مقارنة بالماضى حين كانت
المكسيك تطبق نظام اقتصادي مغلق . وأثناء تطبيق اتفاقية النافتا لم تشهد
المكسيك أى حالة لنقل اى مصنع الى المنطقة الجنوبية من اجل تجنب تلك
المعايير البيئية المتشددة . بل علي العكس هناك العديد من الأمثلة علي تحول
الكثير من الأنشطة الملوثة للبيئة إلي أخري صديقة للبيئة والفضل في ذلك
يرجع إلي الفرص التي أتاحتها التجارة الدولية للمواطنين .
التشدد فى الضوابط البيئية
إن أولئك الذين
يعارضون تحرير التجارة ويستخدمون البيئة ذريعة لهم في ذلك ينبغي أن يتبينوا
أن الحل في التعامل مع الأنشطة الاقتصادية الملوثة للبيئة لا يتأتى بمنع
التجارة وإنما يتأتى بوضع ضوابط أكثر تشددا علي البيئة والعمل علي تنفيذها
وإجبار من يلوثها بتحمل التكلفة الناتجة عن ذلك.
ولا يتسع لى
الوقت هنا لتناول كل الأراء الجدلية التى أثيرت ضد التجارة الحرة . ولكنني
ببساطة أؤكد لكم أن بعض هذا الجدل يستند إلي قلق مشروع ولكنه ومن وجهة نظري
جدل لا يتعلق بتحرير التجارة ومن ثم فأن هذا ليس مكانه الصحيح.
دعوني أؤكد هنا
أننى لا أدعى (وأرجة ألا يدعى أخرون) أن حرية التجارة والاستثمار أمر كاف
من أجل تحقيق التنمية المتواصلة والتغلب علي الفقر . فإننا نحتاج إلي أكثر
من ذلك بكثير. وبمعني آخر نحتاج إلي سياسات اقتصاد كلى رشيدة، وإلي تحرير
التجارة المحلية، وزيادة مستمرة فى الاستثمـار الموجه للتعليم والصحة
وتنمية الموارد البشرية. كما نحتاج الى دعم المؤسسات الديموقراطية بما فى
ذلك المؤسسات التى تضمن سيادة القانون .
ومن المسلم به
أن الأسواق الحرة في حد ذاتها ل تضمن وصول عائد النمو الاقتصادي الي
الفقراء فى المناطق الريفية والحضرية . فبدون سياسات فعالة يظل هناك احتمال
كبير فى عدم وصول هذا العائد إلي أكثر الفئات احتياجا. وقد يقول البعض أن
استبعاد الفقراء من عائد النمو الاقتصادى هو جزء لا يتجزأ من عولمة التجارة
بل أنهم يذهبون إلي أبعد من ذلك حينما يلقون باللوم علي العولمة في تفشي
الفقر والظلم الاجتماعي في أرجاء العالم . ومرة أخري أنا أختلف معهم في هذا
الزعم تمام الاختلاف .
لا يستبعد
البعض من مردود التنمية بسبب العولمة ، وإنما بسبب عدم الكفاية فى توفير
التعليم أو الرعاية الصحية أو التغذية أو بعض الخدمات الأخري الضرورية لا
يتحقق للبعض فرصة المشاركة في الفرص التي يتيحها النظام الاقتصادي الحر
الفعال. وليس للأسواق الحرة دورا يذكر في تصحيح هذا الوضع الظالم . لأن
هذا في الواقع ليس دورا تلعبـه الأسواق ولا تستطيع أن تلعبه . إن تصـحيح
هذا الوضع يتطلب تدخل حكومى قوى من خلال وضع وتنفيذ سياسات اجتماعية نشيطة
ومتناسقة وفعالة .
هذا هو السبب
الجوهري الذي من أجله أعطت الحكومة المكسيكية تحت رئاستى أولوية عظمي لتلك
السياسات، ويشهد علي ذلك الزيادة فى انفاق الحكومة الفيدرالية فى المكسيك
منذ عام 1995 على الخدمات الاجتماعية مع الاحتفاظ بالنظام المالي وسوف
يزداد هذا الإنفاق ليصل إلي أعلي مستوي تاريخي له هذا العام .
وغني عن القول
أنه لا يمكن لحكومة ما أن تقوم بحل المشاكل الاجتماعية في فترة رئاسية
واحدة . فعلى الرغم من سرعة الزيادة السكانية، لقد استطعنا أن نحرز تقدما
هائلا في التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي وخدمات جوهرية أخري في
محاربة الفقر الشديد ويرجع الفضل في هذا إلي زيادة الموارد وتبني سياسات
رشيدة .
وأريد أن أؤكد
هنا أن التقدم الذي حققناه وتحسين المؤشرات الاجتماعية لا يعني بأي حال من
الأحوال أننا قد وصلنا إلي حيث يريد شعبنا أو إلي حيث يستحق أن يكون . فما
زال هناك الكثير الذي ينبغي أن نقوم به حتى نحقق عدالة اجتماعية كاملة .
ولكننا نحن المكسيكيون قد حققنا الكثير في هذه السنوات الماضية وهذا إن دل
علي شيء إنما يدل علي أننا نسير في الاتجاه الصحيح .
اتفاقيات
ثنائية مقابل اتفاقيات عالمية
أجاب
الرئيس المكسيكى زيدليو علي بعض التساؤلات حول تأثير تزايد عدد
الاتفاقيات الثنائية التى عقدتها المكسيك مع العديد من الدول على
التجارة بين المكسيك والولايات المتحدة وكذلك عرض وجهة نظره فى
اتفاقيات التجارة العالمية:
إنني
أعتقد بحق أن رجال الأعمال الأمريكيين سوف يجدون فرصا في اتفاقية
المكسيك مع أوروبا ، فعليهم أن يدققوا النظر في هذه الاتفاقية لأنهم
سوف يجدون فرصا هائلة لزيادة إمكانياتهم التنافسية في الأسواق
الأوروبية وأنا اعتقد أن عرض هذه الاتفاقية في المستقبل القريب عرضا
شاملا وربما يكون ذلك فى غرفة التجارة الأمريكية سيتيح فرصة التعرف
علي تلك الفرص الممكنة.
وإذا
تحدثنا بوجه عام حول المستقبل فيما يتعلق بسياسة التجارة ، فهناك
دوران لابد من دراستهما ولا يحجب أحدهما الآخر . إنني أعتقد
–
وبالرغم مما حدث داخل وخارج قاعات مؤتمر منظمة التجارة العالمية في
سياتل –
أننا لابد أن نعاود في أسرع وقت ممكن المبادرة من أجل جولة جديدة من
المفاوضات الخاصة بالتجارة العالمية .
أنا
أؤمن بصحة الاتفاقيات الثنائية ولكني اعتقد أنه ينبغي إعطاء الأولوية
للوصول وفي اقرب وقت ممكن لنظام عالمي حقيقي لتجارة حرة . وستظل
المكسيك تؤيد تلك الفكرة.
أما
الطريق الآخر فيتعلق بالاتفاقيات الثنائية مع الاتحاد الاوربى. وأنا
أري أن من مصلحة المكسيك أن تستمر في سعيها من أجل هذه الاتفاقيات.
وربما قد أكون انتهيت مما كان ينبغي عمله أثناء فترة رئاستى ولكني
آمل أن تستمر هذه المهمة في المستقبل .
وأنا لا
أحب إعطاء النصائح ولكنني اعتقد أن التجارة الحرة هي أمر جيد لأي شخص
أو أي دولة . بل إنها وفي الحقيقة في بعض الأحيان قامت بتشجيع
المجتمعات علي تبني قيم مختلفة وهامة بالنسبة للحرية . فأنا اعتقد أن
الحرية في المساهمة في الأسواق الدولية تشجع علي الحرية السياسية . |