المسئولية الاجتماعية لمؤسسات الأعمال فى بولندا

بقلم:  إعداد : ميسزيسلو باك

( ميسزيسلو باك هو رئيس معهد المشروعات الخاصة والديمقراطية ، وهى مؤسسة غير هادفة للربح مقرها وارسو ، وتقوم بإجراء الأبحاث وطرح الآراء فى القضايا المختلفة نيابة عن الشركات البولندية) .

صار لدى الشركات فى بعض الدول الغربية تاريخ طويل من الإسهام فى تنمية المجتمعات المحلية لتلك الشركات . وواقع الأمر ، أنه بوسع تلك الشركات تحقيق الازدهار للمجتمعات التى تتواجد بها من خلال طرق عديدة . ويتحقق هذا حينما تضطلع مؤسسات الأعمال بوظائفها الاقتصادية التقليدية والتى تتمثل فى السعى لتحقيق الأرباح ، وتوسيع نطاق فرص التوظف ، وإعادة الاستثمار بغرض تحقيق التوسع مستقبلاً . كما عملت تلك الشركات على تنمية مجتمعاتها من خلال تحسين جوانب البيئة التى تمارس أنشطتها خلالها

وتلقى المقالة التالية الضوء على الكيفية التى تنتهجها مؤسسات الأعمال للمساعدة على تحسين مجتمعاتها المحلية فى بولندا ، وهى دولة تمر بمرحلة انتقال إلى اقتصاد السوق ، حيث تواجه الشركات ضغوطاً تنافسية حادة . وربما يكون العدد الفعلى للشركات العاملة فى بولندا ، والتى تستثمر فى مجتمعاتها المحلية قليلاً بالنسبة للدول الأكثر ثراء . إلا أن بولندا تظل ممثلة لدراسة حالة مفيدة وواضحة بشأن توسيع نطاق دور الشركات فى مختلف أرجاء العالم ، نظراً لأنها تشير إلى أن القطاع الخاص قد صار يدرك – بصورة متزايدة – الحقيقة المتمثلة فى أن مبدأ الصالح الذاتى يمكن اتباعه من خلال مجموعة متنوعة من الأساليب المبتكرة .

المسئولية الاجتماعية

لا تزال هناك حاجة لتوسعة نطاق الإدراك للمسئولية الاجتماعية الواقعة على مؤسسات الأعمال فى بولندا . ففى ضوء الأحوال الاقتصادية فى الدولة ، وكذا فى ضوء المستوى المحدود للأرباح الذى تحققه معظم الشركات ، فإن عدداً صغيراً نسبياً من الشركات هو الذى يدرك المنافع أو حتى إمكانية تحقيق تلك المنافع ، من خلال التركيز على القضايا الاجتماعية .

فمن بين الشركات المسجلة فى بولندا ، والبالغ عددها 2 مليون شركة ، لا يمارس النشاط فعلياً سوى أقل من 1.4 مليون شركة ، كما أن عدد الشركات التى تتجاوز مبيعاتها 500 ألف دولار لا يزيد عن 50 ألف شركة . ومن بين هذه الشركات الأخيرة ، يتوافر لدى 1000 شركة التفهم لفكرة مواطنة الشركة وممارسة هذه الفكرة ومحاولة تطبيقها داخل مجتمعات تلك الشركات . وتضم مجموعة هذه الشركات الرائدة شركات متعددة الجنسيات وأخرى بولندية بأحجام مختلفة .

وثمة نطاق واسع وطموح لمشاركة الشركات داخل المجتمع . فعلى الرغم من أن عملية المشاركة داخل المجتمع قد تتسم بارتفاع العبء من حيث الوقت والتكلفة ، فإن كثير من الشركات تعتبرها بمثابة دور هام يتعين الاضطلاع به . ويتوافر الواقع لهذا – جزئياً – لدى الشركات نتيجة للرغبة فى تدعيم الصورة العامة للشركة . ففى سوق بولندا ، التى يتسم بارتفاع درجة التنافسية ، تتوافر لدى الشركات الرغبة فى الظهور بصورة الجهات التى تستهدف المزيد من الربح ، وكذا الرغبة فى تحسين أوضاع الخدمات البلدية فى المناطق التى تتواجد بها ، بالإضافة إلى تطوير المؤسسات العلمية ، وتحسين أحوال الأطفال والمجتمع بشكل عام .

المؤسسات الخيرية

تمثل المؤسسات الخيرية واحدة من الآليات التى ظهرت ونمت خلال العامين الأخيرين . ووفقاً لهذه الآلية تقوم الشركة بإنشاء مؤسسة تعد مسئولة عن الاضطلاع بالأنشطة السليمة من الوجهة الاجتماعية ، وذلك بدلاً من قيام الشركات بأداء هذه الدور بشكل مباشر . وبينما تتفاوت أهداف المؤسسات الخيرية المختلفة ، فإن النمط العام هو ذلك الذى يتمثل فى مساندة وتدعيم المستشفيات ، والمنظمات غير الهادفة للربح ، والمشروعات التى تستهدف رعاية الأطفال ، والمطبوعات ، والأبحاث .

ومن بين المؤسسات الرائدة فى هذا المجال مؤسسة بوشنر Buchner Foundation ، التى أسسها بيوتر ج. بوشنر Piotr J. Buchner فى عام 1989 ، وهو يمتلك عدة شركات تعمل فى بولندا وفى مناطق أخرى من العالم . وتضطلع مؤسسة بوشنر بإعطاء منح دراسية للدراسة فى الداخل أو الخارج ، ومنح الجوائز مقابل الإنجازات العلمية والثقافية ، وشراء الأعمال الفنية لوضعها فى متاحف بولندا .

كما يوجد مثال أخر هو مؤسسة كاتارزينا فرانك نميزيكا Katarzyne Frank Niemezycka التى أسستها فى عام 1995 شركة كورتس الدولية Curtis International وتقوم مؤسسة نميزيكا بتدعيم المستشفيات ، حيث قامت بتمويل مشروع علاج اللوكيميا ، وشراء معدات تشخيص وعلاج الأورام ، ومساندة مشروع للألعاب الأوليمبية للأطفال المعاقين .

كما قامت واحدة من أكبر الشركات البولندية ، شركة بولسات Polsat ، وهى شركة خاصة للبث التليفزيونى ، بإنشاء مؤسسة بولسات . وتركز هذه المؤسسة على المشروعات التعليمية والطبية.

شركات بكافة الأحجام

على الرغم من القلة النسبية لعدد الشركات التى قامت بإنشاء مؤسسات ، فإن فكرة المسئولية الاجتماعية تعد قائمة لدى الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم ، وأيضاً لدى الشركات الكبرى . وبطبيعة الأمر ، فإن الشركات التى يعمل بها عدد يتراوح بين 50 و 100 شخص ليس بإمكانها إقامة مؤسسات خاصة بها ، ولكنها تقدم إسهامات كبيرة من خلال طرق أخرى متعددة .

وبهذا الصدد ، هناك اتجاه شائع بين الشركات الصغيرة والمتوسطة مؤداه تقديم المنح المالية أو العينية . ويتراوح حجم المنحة فيما بين الشركات ، وفقاً لحجم الشركة والموارد المتاحة لديها . وبصفة عامة ، يتراوح حجم المنحة بين بضع فئات قليلة من الدولارات إلى 5000 دولار . كما أن الكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة يمارس نشاطاً فعالاً فى مجال مساندة الأطفال وغالباً ما يكون ذلك استجابة للأسر الفقيرة التى تتقدم بطلبات للحصول على مسئولية محددة . كذلك تضطلع بضع الشركات بالمساعدة فى تمويل العلاج الطبى باهظ التكلفة ، والذى لا يغطيه التأمين الصحى عادة ، مثل عمليات زراعة الأعضاء البشرية . وعلى صعيد آخر ، تسهم العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة فى منظمات غير هادفة للربح تعمل فى مجال رعاية الأطفال . فعلى سبيل المثال ، تقوم مؤسسة انقاد الطفولة SOS Foundation بتمويل الوجبات المدرسية ، والمعسكرات الصيفية للأطفال الفقراء ، بينما تعمل بعض الشركات الأخرى على تدعيم الأنشطة الرياضية بالمدارس . كذلك تقوم بعض الشركات بتقديم التبرعات العينية . فشركة ايكابلاست Ekaplast ، وهى شركة مصنعة لمكونات الحمامات ، تقدم منتجاتها للمدارس التى يجرى تجديدها . كما تقوم شركة أوتوبارت autopart وهى شركة مصنعة للبطاريات ، بتقديم منتجاتها إلى المنظمات غير الهادفة للربح ، والهيئات المحلية ، والكنائس . وتقدم شركة ستراوا Strawa منتجاتها من الأغذية للأشخاص المشردين .

والأمر الذى يفوق حجم وقيمة التبرعات هو الحقيقة المتمثلة فى أن الاتجاه المشار إليه يعبر عن تغير فى فلسفة الشركات الصغيرة . فهذه الشركات لا تركز على الأرباح فحسب . وإنما يتجه تركيزها أيضاً نحو العملاء المرتقبين والرفاهية الاجتماعية لمجتمعاتها .

العمل مع البلديات

عملت الشركات أيضاً على تدعيم علاقاتها مع البلديات المحلية . وهى فى هذا الشأن غالباً ما تضطلع بدور قيادى فى مجال تنمية المجتمع . وتضم كل بلدية بولندية لجاناً تعد مسئولة عن تنمية وتطوير البنية الأساسية المحلية ، مثل الطرق ، وشبكات المواسير ، والكهرباء . ومن الشائع مشاركة الشركات التى لديها شعور بالمسئولية الاجتماعية فى هذه اللجان . وتقوم تلك الشركات بالمساعدة فى اتخاذ القرارات المتصلة بأفضل سبل انفاق الموارد المحدودة على البنية الأساسية ، كما تساعد أيضاً فى تغطية تكاليف تحسين البنية الأساسية .

وبالإضافة إلى ما سبق ، تعمل بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة على مساندة المجتمعات المحلية خلال فترات الكوارث . فخلال الفضيان الأخير ، قامت بعض الشركات الصغيرة بتجميع الأموال ، والأجهزة الطبية ، والغذاء والملابس ، وتقديمها لضحايا الفيضان .

وعلى الرغم من أن عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة البولندية التى تسودها روح المسئولية الاجتماعية يعد صغيراً بشكل نسبى ، فإن تلك الشركات تمثل ظاهرة آخذة فى التزايد .