حوار حول التغير فى دور وهياكل الشركات فى أمريكا اللاتينية

اجرى هذا الحوار مع سيزار سوزا نائب رئيس شركة اوديبرخت امريكا Odebrecht of America ويشرح سيزار سوزا فى هذا الحوار الدور المتغير للشركات فى امريكا اللاتينية وفى ذلك تقييم يتم على مستوى عالم اليوم.  يرجع السيد سوزا هذه التغيرات الى العولمة والخصخصة والتقدم التكنولوجى.  فعلى حد قوله حتى تتمكن الشركات من المنافسة فى السوق العالمى، يجب عليها ان تراجع استراتيجياتها وان تبدل عملية صناعة القرار لديها مع اعطاء اهمية خاصة للقضايا المرتبطة باسلوب الادارة المثلى corporate governance كما يجب على تلك الشركات التى ترغب فى المنافسة الدولية اعادة هيكلة عمليات التشغيل الداخلى لديها.

شركة اوديبرخا هى شركة كبرى تعمل فى مجال البناء والتشييد فى 14 دولة وهى من اكبر الشركات فى البرازيل.  بدأت الشركة نشاطها منذ اكثر من 50 عاما ويعمل بها اكثر من 40 الف فرد على مستوى العالم.  يتمثل نشاطها الاساسى فى المقاولات والبتروكيماويات وتطوير البنية الاساسية الخاصة.

يحاضر السيد/ سوزا بشكل منتظم فى كلية وارتن ببرنامج الإدارة العليا وتتركز محاضراته حول الاقتصاد و الأعمال فى أمريكا اللاتينية.  قام المنتدى الاقتصادى العالمى عام 1992 ليكون واحدا من "200 قائد عالمى للغد"

الاصلاح الاقتصادى اليوم: تحدثت فى احد مقالاتك عن ضرورة رسم "خريطة جديدة للاعمال" فى امريكا اللاتينية، فلماذا تقوم الشركات فى الاقليم باعادة النظر فى هياكلها الرئيسية؟

السيد/ سوزا:     تتغير خريطة الاعمال فى امريكا اللاتينية بشكل جذرى ويرجع السبب فى ذلك الى وجود عدة قوى كبرى، أولها الخصخصة.  فعلى مدار السنوات الخمس الماضية ادت الخصخصة الى تقليص دور الحكومة فى عدد  من دول امريكا اللاتينية مثل البرازيل والارجنتين والمكسيك وبيرو وتشيلى.  وفى جميع تلك الدول تتجه الحكومات نحو وضع القواعد التنظيمية بدلا من القيام بدور المالك الذى كانت تلعبه فى الماضى.

بالاضافة الى ذلك يقوم القطاع الخاص (وليس القطاع العام) بتمويل عدة مشروعات رئيسية فى مجال  البنية التحتية.  وتم تحويل بعض الأصول الكبرى فى البرازيل الى الملكية الخاصة مثل معظم مصانع البتروكيماويات ومصانع الصلب و شركة CVRD وهى اكبر مصدر لخام الحديد فى العالم.  كما تم كسر الاحتكار فى مجال البترول والغاز وهناك مفاوضات جارية لمنح شركات القطاع الخاص مزايا للتنقيب عن حقول جديدة.  وقد قامت الارجنتين وتشيلى بتحويل معظم الشركات التى كانت تملكها الحكومة الى شركات خاصة بينما تتقدم البرازيل والمكسيك فى هذا المجال تقدما كبيرا.  وانى متفائل جدا بالمستقبل، فعلى سبيل المثال ستقوم البرازيل خلال الشهور القليلة القادمة بخصخصة العديد من الاصول التى تقدر قيمتها بحوالى 42 بليون دولار بما فى ذلك بنك بانيسبا وهو بنك تملكه الحكومة فى ساوباولو وكذلك خصخصة عدة شركات لتوزيع الكهرباء والعشرات من مشروعات المياه.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: ما وهى بعض العناصر الاخرى غير ذلك؟

السيد/ سوزا:     ثانى تلك القوى الكبرى تتمثل فى تحرير التجارة.  فى بداية التسعينات تراوح متوسط التعريفة الجمركية من 45 الى 55%.  اليوم تتراوح التعريفة الجمركية فى حدود 14% فى المتوسط.  ومنذ عام 1990 زاد عدد المصدرين من امريكا اللاتينية الى اوربا بنسبة 30% سنويا بينما زاد عدد المصدرين الاوربيين الى امريكا اللاتينية بحوالى 300%.  تحققت هذه الزيادة نتيجة لتحرير التجارة فى امريكا اللاتينية التى كان لها ايضا نتائج ايجابية بالنسبة لكلا من الولايات المتحدة الامريكية واوربا.  فالولايات المتحدة تصدر الى دول المركوسير اكثر مما تصدر الى الصين وروسيا معا.  امريكا اللاتينية هى الاقليم الوحيد الذى يحقق فيه الميزان التجارى الامريكى فائضا مقارنة بالاقاليم الاخرى.

فالاندماج الاقليمى هو عنصر اخر له اهمية كبيرة.  لقد اصبح المركوسير حقيقة واقعية.  فى الماضى لم يكن هناك غير مثال واحد يمكن استخدامه فى مجال التعاون الثنائى وهو مشروع كهرباء ITAIPU الذى تملكه براجواى والبرازيل.  اليوم هناك خط انابيب الغاز البرازيلى البوليفى والطريق السريع لدول المركوسير وطريق يصل بين البرازيل وفنزويلا وعدة خطوط اخرى تصل بين دول مختلفة فى الاقليم.

كما ان الشركات تنظر الأن الى خارج حدودها الجغرافية وتنظر الى اسواقها نظرة اقليمية.  فعلى سبيل المثال قامت 400 شركة برازيلية التوسع فى نشاطها فى الارجنتين وهناك ايضا حوالى 100 شركة ارجنتينية تقوم ببناء مصانع لها فى جنوب البرازيل.  وتقوم شركات امريكا اللاتينية وايضا الشركات الامريكية والاوربية متعددة الجنسية العاملة فى الاقليم بتطوير استراتيجياتها نحو الاندماج الاقليمى للاستفادة من اقتصاد الحجم وتجنب تكرار المنتج ولخلق مكاسب ناجمة عن وصولها الى سوق كبير للمستهلكين يصل حجمه الى 475 مليون مستهلك.  وفى رأيى أن قطاعات الغذاء والمشروبات والسيارات على وجه خاص تمثل فرصة جذب للمستثمرون الاجانب.

وهناك اتجاه آخر يتمثل فى التغير السريع فى تكنولوجيا المعلومات.  هناك عدة شركات فى امريكا اللاتينية تطبق نظم رقمية فى غاية التطور.  وقد غير ذلك من اسولب اتصال هذا الشركات بعملائها من جهة وبالموردين الذين تتعامل معهم من جهة اخرى.

وهناك قوى اخرى لا تقل اهمية وتتمثل تلك القوى فى الجيل الجديد الذى يتحرك لشغل "مقاعد القيادة" فى شركات امريكا اللاتينية.  لقد تم احلال المؤسسين الرئيسيين للشركات البرازيلية الكبرى بمسئولين تنفيذيين يتمتعون بمستويات تعليمية متميزة ويتميزون بصغر السن وبالقدرة على التعامل فى ظل نظم السوق الحديثة.  وينظر هؤلاء القادة الجدد الى البرازيل والعالم نظرة تختلف عن رؤية اسلافهم.

جميع تلك القوى تغير الطريقة التى تعمل بها شركات امريكا اللاتينية.  أن العقلية التى تفكر بطريقة "الميزة النسبية" التى تم توارثها من نموذج احلال الواردات تتلاشى اليوم ليحل محلها استراتيجية "الميزة التنافسية" التى تلعب فيها قضية "دولة المنشأ" دورا اقل اهمية.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: الشركات الكلاسيكية الكبرى فى امريكا اللاتينية والمعروفة باسم "جروبوس" تميزت بالملكية العائلية.  كيف يتغير هذا الهيكل الآن؟

السيد/ سوزا:     يتغير النظام بطريقتين هما الشفافية المالية والادارة.  لقد اصبح هيكل رأس المال اكثر انفتاحا.  فهناك عدد كبير من الشركات فى امريكا اللاتينية فى البرازيل وبيرو والمكسيك على سبيل المثال، التى تتطلع الى مستثمرين دوليين لضخ رؤوس الأموال وبالتالى تتجه تلك الشركات الى الطرح العام لاسهمها من اجل الحصول على رؤوس الاموال تلك.  وحتى تنجح تلك الشركات المحلية، تقوم باعادة هيكلة لتتبع اساليب الادارة المثلى.  كما تتغير ادارة الشركات حيث يقوم الجيل الجديد بتوظيف بدلا من افراد العائلة وترقيتهم فى مناصب عليا.  وهم مضطرين الى ذلك حتى يتمكنون من المنافسة فى اقتصاد اليوم.

لقد اعتادت تلك الشركات على العمل فى بيئة اعمال لم تعد موجودة الأن.  ولذلك فهى تتجه نحو الانفتاح وتقوم بتوظيف المتخصصين لقيادة ادارة تلك الشركات.  وهذا التغير يحدث على مستوى مجالس الادارة فى جميع الصناعات فى امريكا الاتينية.  ونتيجة لذلك اصبحت الشركات اكثر دقة فى النواحى المالية واساليب التسويق والنواحى الادارية وغيرها.  لقد اصبح عليها العمل فى ظل بيئة تتسم بالمنافسة الشديدة وان تحيا فى بيئة الرأسمالية المتقلبة بدلا من نمط المنافسة الذى تتسم به رأسمالية الدولة. والصناعة الوحيدة التى تختلفت عن هذا النمط من التغير هى الزراعة.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: هل اصبحت هذه الشركات اكثر قابلية للنمو فى ظل السوق العالمى شديد التنافس؟

السيد/ سوزا:     اعتقد ذلك.  نتيجة للاتجاهات التى وصفتها فيما سبق زادت عدد الشركات التى تعمل عبر الحدود المحلية.  وحتى وقت قريب كانت عملية صناعة القرار فى كثير من الشركات تتسم بالمركزية الشديدة.  اليوم يتغير ذلك فالمنافسة فى السوق العالمى لا تتسق مع هذا النمط من هيكل القوة.  فهذا نتيجة مباشرة لزيادة التخصص والمهنية ونتيجة لذلك تتراجع السيطرة العائلية على تلك الاعمال او الشركات.

لقد تحولت عدة صناعات مثل البنوك والاتصالات والمستحضرات الطبية والتأمين والصناعات الغذائية والتشييد والبناء والبترول والغاز والصناعات الكهربائية، بموجب القواعد الجديدة والمنافسة التى طرأت من منتجين جدد دخلوا سوق تلك الصناعات.  فتلك الصناعات اصبحت تواجه مستهلكين تتزايد مطالبهم ويتزايد ادراكهم بجودة المنتج كما طرأ تغير فى العلاقة بين المنتجين والموردين والمجتمعات المحلية التى تعمل تلك الصناعات بها.  فعلى سبيل المثال تواجه صناعة التشييد والبناء منافسة شديدة فى جميع دول امريكا اللاتينية.  فبعد ان كانت معظم العقود لتنفيذ اشغال عامة اصبحت العقود تتجه لتنفيذ اعمال خاصة والقطاع الخاص يتسم بالحساسية تجاه التكلفة ويهتم بدرجة اكبر بمستويات الجودة كما ان مطالبه تفوق مطالب القطاع العام.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: ما هى الاهداف الرئيسية التى يجب ان تتبناها شركات امريكا اللاتينية من اجل عبور تلك المرحلة الانتقالية؟

السيد/ سوزا:     الشركات المحلية فى امريكا اللاتينية لها عدة استجابات استراتيجية.  فبعض الشركات حاولت ببساطة شديدة ان تبعث من جديد السياسات الحمائية وحاولت ان تؤثر فى الحكومات للعودة الى "الايام الذهبية".  فهم لا يعرفون كيف يتنافسون، هم خائفون، ويحاولون العمل من اجل العودة الى قواعد الماضى التى يعرفونها والتى اعتادوا على العمل فى ظلها.

بعض تلك الشركات تبيع اصولها فى مواجهة المنافسة الخارجية بينما تقوم شركات اخرى بالاستغناء عن بعض العمليات الانتاجية التى تقوم بها من اجل التركيز على المنتج الرئيسى لديها.  ونضرب مثالا بصانعى لعب الاطفال فى امريكا اللاتينية فهم يحاولون الضغط على الحكومة من اجل فرض تعريفة جمركية اعلى لأنهم لا يستطيعون منافسة المنتجين الأسيويين.  أما صانعى قطع غيار السيارات فى البرازيل، فيقومون ببيع شركاتهم لشركات اجنبية.  الشركات الكبيرة التى تصنع منتجات متنوعة تقوم اليوم بتحديد انتاجها فى المنتج الرئيسى وتستغنى عن انتاج المنتج الفرعى.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: تعلمون ان هناك نوعين من الاستراتيجيات، استراتيجات من اجل الاستجابة لظروف معينة واستراتيجيات اخرى تتسم بالمبادرة وتلك الاخيرة لا تقوم على الاستجابة للظروف.  فما هى الاستراتيجيات المبادرة التى يستخدمها قطاع الاعمال فى امريكا اللاتينية؟

السيد/ سوزا:     هناك نوعين من الاستراتيجيات المبادرة.  النوع الأول، تقوم بعض الشركات بالتحالف الاستراتيجى مع شركاء اجانب سواء كانوا موردين او عملاء اقليميين او منافسين من اجل استكمال قوتهم وقدراتهم الداخلية.  وقد تبنت اوديبرخت تلك الاستراتيجية منذ عام 1983 ولدينا اليوم شبكة علاقات تضم اكثر من 50 حليف استراتيجى من بينهم شركات امريكية مثل شركة فلور دانيالز وشركة ج. أ. جونز وشركات اخرى فى فلوريدا.  كما أن لدينا تحالفات مع شركات أوربية كبرى وعدة شركات فى امريكا اللاتينية مثل شركة روجيو فى الارجنتين وشركة كوسابى فى بيرو وغيرها.  ان قدرتنا على التحالف مع منتجين محليين ودوليين تعطى اوديبرخت ميزة نتافسية كبرى.

واخيرا، هناك تطورات كبرى فى عدد محدود، وان كان متزايد، من الشركات التى تعبر الحدود وفى طريقها الى ان تكون شركات لاتينية متعددة الجنسية.  نجد اليوم حوالى 70 شركة متعددة الجنسية فى بيرو وفنزويلا والمكسيك والارجنتين وتشيلى وكولومبيا والبرازيل.  خذ على سبيل المثال شركة PDVSA فى فنزويلا.  أن تلك الشركة تملك CITGO وهى اكبر موزع للغاز فى الولايات المتحدة حيث تملك17 الف محطة بنزين.  وانظر الى Modelo وهى الشركة المكسيكية التى تنتج Corona التى تحقق اعلى استهلاك فى الولايات المتحدة على مستوى مشروب البيرة الاجنبية.  بل انظر الى شركة BIMBO وهى من اكبر منتجى الخبز فى الولايات المتحدة.  هناك ايضا Carvajal فى كولومبيا التى تقوم بطباعة معظم البطاقات الصادرة عن Hallmark.  وهناك فى البرازيل نجد شركات Brasmotor, SADIA, CVRD, Odebrecht وغيرها.  تلك علامة من العلامات الهامة على حيوية اقتصاديات دول امريكا اللاتينية.  ونحن نحتاج الى المزيد من الشركات متعددة الجنسية فى امريكا اللاتينية.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: يعتبر تغيير الهياكل الداخلية للشركات من المسائل الضرورية وذلك على مستوى الادارة والشفافية وسلامة الادارة المؤسسية من اجل امكانية الاستمرار فى الطريق الذى وصفته فيما سبق.  فكيف يتمكن تغيير تلك الهياكل؟

السيد/ سوزا:     سيتعين على الشركات مواجهة تغيرات كبرى ولا يقتصر ذلك على خلق ادارة جديدة او التوسع فى النشاط خارج الحدود الجغرافية وانما سيكون على الشركات اعادة التفكير فى عملية صناعة القرار اذا كان لها ان تنجح فى الخارج.  فالنمط القديم التى تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات التقليدية اصبح لاغيا.  الآن يجب ان تستجيب للاحتياجات المحلية.  يجب ان تكون لاعبا محليا مع لاعبين محليين فى وجود سلطة محلية لصناعة القرار.  ويتطلب ذلك ثورة فى تنظيم الشركات.  فعالم اليوم يتجه نحو مزيد من الاندماج ولكنه فى نفس الوقت يتجه نحو مزيد من التجزئة.  وهذا هو اللغز الذى يواجهنا اليوم، فكيف تكون مؤثرا على المستوى الدولى وفى نفس الوقت كفء على المستوى المحلى.  يتطلب ذلك اسلوب ادارة جديد لم يتم تشكيل ملامحه بعد.  واعتقد ان  اقصى مرحلة للشركات متعددة الجنسية هى المرحلة التى تفقد فيها جنسيتها الاصلية وتصبح شركة محلية فى المكان الذى تعمل به.  وتعتبر شركة نستله مثالا نموذجيا لذلك.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: فى احد كتاباتك، ذكرت انه على الرغم من ان التكتلات بين الشركات اليابانية والكورية قد يكون لها اثر فى تعزيز القدرة التنافسية للدولتين على مستوى العالم، إلا انك تعتقد ان على الشركات فى امريكا اللاتينية تجنب تركيز جهودها فى عدد قليل من التكتلات الكبرى وان هناك احتياج لمنح الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم فرصة اكبر.  فهل تحدثنا اكثر عن مساوئ الاعتماد على التكتلات الكبرى من اجل التنمية السريعة؟

السيد/ سوزا:     اذا قمنا بتحليل هيكل الاقتصاد البرازيلى والارجنتينى والمكسيكى، سنجد ان عدد الشركات متوسطة الحجم يتفوق عدديا كما انه اكثر قدرة على خلق فرص عمل وحجم انتاجيته مرتفع نسبيا.  فالعمل خارج الحدود او خروج المنتجين الى السوق الدولى او الاقليمى لا يجب ان يكون ميزة تتمتع بها التكتلات الكبرى.  فالشركات متوسطة الحجم يمكن ان تنظم نفسها من خلال التعاون وجمعيات التجارة وان تركز على قطاع او منتج لها فيه ميزة تنافسية.

فالاقتصاد الذى يتركز فيه النشاط فى عدد محدود من الشركات يكون عرضة للتقلبات الاقتصادية فى تلك القطاعات المعدودة.  ان الشركات فى حاجة الى ان تكون اقل اعتمادا على اسواقها المحلية.  وبشكل عام اعتقد ان الشركة التى تحقق اقل من 30% من عوائدها من الخارج، تكون معرضة للخطر لأنها تعتمد بشكل يكاد يكون كامل على سوق معين، وينطبق ذلك على اى شرطة تعمل فى اى مكان فى العالم.  عندما تحدث ازمة فى سوق معين، تتكاتف الشركات المتأثرة سلبا من تلك الازمة من اجل فرض سياسات الحماية وتخفيض قيمة العملة ووضع بعض المعايير الزائفة للمنافسة.  التوسع الدولى هو وسيلة لتقليل حجم المخاطرة فى الاسواق المحلية، على الرغم من ان المخاطرة تزيد بطبيعة الحال اذا قامت الشركة بالعمل فى سوق خارجى غير مناسب.  اعتقد ان دخول السوق الدولى بنفس المنتج يشكل خطورة اقل مقارنة بانتاج منتجات شديدة التنوع حيث تفتقد الشركة فى تلك الحالة الاخيرة خبرة العمل فى مجال تلك الاعمال المتنوعة.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: كيف يمكن ان يساعد صانعو القرار فى حكومات الدول على دفع هذه العملية؟

السيد/ سوزا:     أولا، يجب ان يتحكموا فى العجز المالى لخلق بيئة مواتية للمستثمرين والانتاج بشكل عام.  فمن المستحيل الاحتفاظ بمعدلات صرف مستقرة او الاحتفاظ بمعدلات فائدة منخفضة فى ظل وجود عجز كبير فى الميزانية.  ففى البرازيل مثلا نجد ان معدل الفائدة يقترب من 40% وبالطبع لا يمكنك ان تستثمر اموالك او ان تبدأ مشروعا جديدا فى ظل مثل هذا المعدل للفائدة.

وعندما تقوم الحكومات فى الاقليم باصلاح وضع معدل الفائدة المرتفع، يكون عليها دفع التكامل والاندماج الاقليمى عن طريق تحسين البنية الاساسية.  فى امريكا اللاتينية، تبلغ تكلفة النقل والامدادات 40% من سعر المنتج النهائى ويعتبر هذا سببا رئيسيا لارتفاع مستوى اسعار المنتجات النهائية.  بل نجد ان شحن حاوية من ساوباولو الى ليفربول (حوالى 9500 كيلومتر) يعد عملية اسهل واقل تكلفة من شحن نفس الحاوية من ساوباولو الى بوينوس ايريس (حوالى 1650 كيلومتر).  بالاضافة الى ذلك، فأنه حتى العام الماضى، كانت جميع تجارة البضائع بين البرازيل والارجنتين (تقدر بحوالى 9 بليون دولار) تمر من خلال معبرين.  ولك ان تتصور الصفوف الطويلة التى تقف فى انتظار دورها للمرور للجهة الاخرى وتكلفة التأمين المرتبطة بذلك.

اعتقد ان الموجة الجديدة من التكامل والاندماج فى امريكا اللاتينية ستنتج عن تحسن البنية الاساسية وليس عن تخفيض التعريفة الجمركية.  فليس هناك مجال كبير لتخفيض التعريفة بين دول امريكا اللاتينية.  وفى المدى الطويل، سيؤدى حل مشكلات النقل بين دول الاقليم من خلال تحسين البنية الاساسية وتبسيط الاجراءات الادارية باهظة التكلفة الى زيادة القدرة التنافسية للشركات العاملة فى تلك الدول.  فالبحث فى التعريفة الجمركية ومعدلات الصرف لا يؤدى الى نفس النتيجة.  وحتى تزيد قدراتنا التنافسية، نحتاج الى تحسين البنية الاساسية وخدمات الموانى والمطارات والطرق والمعابر.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: وماذا ايضا؟

السيد/ سوزا:     امريكا اللاتينية تحتاج الى سياسات توفر حوافز للشركات تدفعها الى العمل خارج الحدود.  ونضرب مثالا بشركات امريكا اللاتينية متعددة الجنسية عندما بدأت تلك الشركات التوسع خارج حدودها والتوجه نحو افريقيا واوربا، كانت السياسات الحكومية تمنع تحويل الاموال للاستثمار فى الخارج.  لقد كان ذلك فى غاية الصعوبة وتكلفته باهظة.  كانت الحكومات خائفة من خروج رؤوس الاموال ولم تميز بين رأس المال المجازف وبين رأس المال المنتج المستثمر.  وفى محاولة لمنع خروج رؤوس الاموال قامت الحكومات بفرض عقوبات على الشركات الراغبة فى التوسع خارج الحدود.  على الحكومات ان تسلك طريقا مخالفا لذلك فعليها منح حوافز للشركات التى ترغب فى التوسع خارج الحدود.  اليوم، لم يعد خروج ودخول رؤوس الاموال من الامور الممنوعة ولكن حتى اليوم لا توجد حوافز على الاطلاق لدفع التوسع خارج الحدود.

ان تسهيل الاجراءات المرتبطة بتوسع الشركات خارج الحدود هى وسيلة فعالة لزيادة الصادرات، حيث ستقوم تلك الشركات بتصدير المنتج غير النهائى من اجل تجميعه فى مكان اخر مما يؤدى الى زيادة الصادرات.  البرازيل مثلا لا تصدر إلا بمقدار 7% من اجمالى ناتجها المحلى ولا يوجد سبب لعدم التصدير بما يساوى 15% مثلا.  يجب ان نقوم بتصدير ما قيمته 150 بليون دولار سنويا ويساوى ذلك ضعف قيمة صادراتنا الحالية.  ومرة اخرى نقول ان السماح للشركات البرازيلية بالانتاج خارج الحدود يؤدى بالتأكيد الى زيادة صادرات البرازيل.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: كيف سيتأثر الميزان التجارى الدولى للبرازيل بالأزمة المالية الأخيرة؟

السيد/ سوزا:     مازلنا نواجه وضعا حساسا ولكن اعتقد أن أسوأ ما فيه قد انقضى.  فالائتمان التجارى سيعود قريبا وقد حدث بالفعل تغيرات هيكلية رئيسية.  معدل الفائدة يعود مرة اخرى لمستوى اكثر عقلانية.  كانت تلك الازمة رد فعل غير عاقل للسوق.  ففى حين كان اكثر المحللين تشاؤما يتصور ان العملة ستنخفض بمقدار 25-30%، انخفضت العملة بفعل قوى السوق الى60-70% ولكنها تعود الآن الى مستوى معقول.

لقد تم استعادة الثقة.  ان المسئولين عن وضع سياسات الاقتصاد الكلى فى البرازيل هم من الافراد الجادين القادرين على رسم سياسات ناجحة.  وانى لست رجل اقتصاد، فأنا رجل اعمال مدرب على النظر الى الفرص وليس المشاكل.

فما هى الفرص التى خلقتها تلك الازمة؟  أولا، هذا وقت مناسب للاجانب للاستثمار فى البرازيل.  فبسبب تخفيض العملة، تتوافر الاصول ذات القيمة المرتفعة باسعار تقل كثيرا عما مضى.  يمكنك ان تتملك محطة كهرباء فى البرازيل او مصنع بسعر يقل 40% عما كان عليه منذ شهور معدودة.  أن خصخصة الشركات البرازيلية فى مجالات الصناعات الكهربائية والاتصالات والمياه ومياه الصرف سيوفر فرصة جيدة للمستثمرين الاجانب حيث سيحصلون على تلك الشركات بعملة صعبة تقل عما سبق.

بالاضافة الى ذلك، سينتفع المصدرون البرازيليون بالاسعار التنافسية.  الشركات الامريكية متعددة الجنسية القائمة على التصدير والمقامة فى البرازيل ستشهد ارتفاعا كبيرا فى عوائدها الناجمة عن زيادة الصادرات.  فبسبب تخفيض العملة البرازيلية، ستنخفض اسعار السلع البرازيلية بما مقداره 30-40%.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: لقد تم التخلص من بعض معوقات الدخول الى السوق البرازيلى ولكن هل تعتقد ان الحكومة قادرة على الاستمرار فى الغاء ما بقى من معوقات لتحويل الاقتصاد البرازيلى الى اقتصاد اكثر انفتاحا؟

السيد/ سوزا:     ان عملية تحرير التجارة لا تأخذ شكل المنحنى الخطى.  هناك حاجة الى مزيد من المفاوضات ولكن هذا هو ثمن الديمقراطية.  الحكومة الحالية ملتزمة بعملية تحرير التجارة.  بل ان الشركات والقطاعات المنتجة فى البرازيل تتسم بالطموح وتتطلع الى التنافس على المستوى الدولى.  وكما ذكرت سلفا، فأن مستوى التجارة فى الاقتصاد البرازيلى يقف عند مستوى منخفض للغاية.  يجب ان تصدر البرازيل ما يساوى 15% من اجمالى ناتجها المحلى ولا تقف عند المستوى الحالى الذى يتراوح بين 7-8%.  نحن نصدر اليوم بحوالى 50-60 بليون دولار ويجب ان يزيد هذا الرقم الى 150 بليون دولار.  ويجب ايضا ان نستورد اكثر على اساس تبادلى.  فبدلا من ان تقوم اوربا والولايات المتحدة بطلب الغاء معوقات التجارة التى تقف حائلا دون تصدير منتجاتها يجب ان تقوم اوربا وامريكا بالغاء او تخفيف القيود التى تعوق تصدير منتجات وخدمات امريكا اللاتينية.  وسيدفع ذلك بمزيد من التجارة الى الاقليم ككل.  ان بعض من اعرفهم من مؤيدى تحرير التجارة فى الولايات المتحدة يبدون مواقف غير متجانسة فأنهم يحبون التجارة الحرة بشرط ان تطبق قواعد تحرير التجارة على صناعات غيرهم وليس على صناعاتهم.

الاصلاح الاقتصادى اليوم: كيف ستتعامل باقى دول امريكا اللاتينية مع تلك التغيرات؟

السيد/ سوزا:     انا متفائل بالنسبة لمستقبل امريكا اللاتينية.  هناك قوى جديدة تقود الاعمال فى هذا الاقليم.  فالمنطقة فى رأيى تسير فى الطريق السليم، ربما ابطأ مما نريد، ولكننا طبقنا المرحلة الاولى من الاصلاح.  وفى الطريق مجموعة اخرى من التغيرات الجذرية تحتاج الى بعض الوقت والصبر حيث تحتاج الى مفاوضات بين مختلف اللاعبين والمعنيين ولكننا نقول مرة اخرى ان هذه هى الديمقراطية.