التجربة الكورية:  الديمقراطية واسلوب الادارة المثلى للشركات

تأليف ميريديث ووكامينجز

 تعمل ميريديث ووكامينجز فى وظيفة استاذ مشارك للعلوم السياسية فى جامعة نورث ويسترن وتدير فى نفس الوقت مائدة مستديرة للاقتصاد السياسى.  قامت بتأليف كتاب سباق السرعة "Race to the Swift" تحت اسم جانجن وو. 

 خلال الأزمة الاسيوية فى 1997-1998، تهاوى النظام المالى الذى كان له دور فى ربط عناصر الاقتصاد السياسى فى كوريا.  وقد أدت مضاربات العملة والعدوى المرضية من الاوضاع المالية فى باقى دول الاقليم الى اشعال الازمة، ولكن تبقى الجذور العميقة للأزمة جذورا داخلية نابعة من تناقضات هيكل الشركات فى كوريا.

 فأين تكمن تلك التناقضات؟  منذ عام 1960، قامت الحكومة الكورية، بدافع البحث عن الامن القومى والتصنيع السريع، بخلق مجموعة من المؤسسات والسياسات العامة لدفع ظهور طبقة من رجال الاعمال والمستثمرين على المستوى العالمى وتعرف تلك الطبقة باسم "تشيبول".  التشيبول عبارة عن مجموعة من الشركات التى تملكها وتديرها عائلة تسيطر على منتج معين او صناعات معينة بحيث تحتكر تلك الصناعة.  ومقابل المساعدة الحكومية التى تلقاها، تقوم التشيبول بدورها بمساندة الحكومة من خلال توفير فرص العمل والقيام ببعض الوظائف الاجتماعية فى مجتمع كان محروما من خدمات الأمن الاجتماعى.

 القروض المدعومة

 وفى قلب علاقة الاعتماد المتبادل تلك، كانت الحكومة تسيطر على القطاع المالى.  فى الستينات والسبعينات عندما كانت الحكومة تملك وتدير بالكامل النظام المصرفى، كان التشيبول يعتمد اعتمادا تاما على البنوك فى توفير رؤوس الأموال وكانت البنوك تمد التشيبول برؤوس الأموال عند معدلات فائدة منخفضة التكلفة.  ففى السبعينات، كانت البنوك تمنح القروض عند مستوى سلبى من المعدلات الحقيقية (عندما كان معدل التضخم 12% كانت معدلات الفائدة على القروض 6% فقط) للشركات التى على استعداد للتوافق مع الاستراتيجية الصناعية التى تمليها الحكومة الكورية.  ومقابل المعدلات المنخفضة تلك، كانت الحكومة تطلب من التشيبول ان تتبع الاستراتيجيات التى وضعتها الحكومة للتنمية الصناعية القائمة على ترويج الصادرات والتصنيع.

 وبهذه الطريقة، خلقت الحكومة حافزا هيكليا للشركات للاعتماد على البنوك فى توفير التمويل اللازم.  وكانت النتيجة النهائية وجود قطاع من الشركات التى تتحمل مديونيات ضخمة ثقيلة العبء.  وخلال السنوات الثلاثين الماضية، تراوح عبء الديون بالنسبة للتشيبول بين 300%-400% من اصل الدين.

 وحيث أن الشركات كانت تلقى دعما كبيرا من الحكومة يساعدها على النجاح كانت تلك الشركات تخشى من احتمالات تخلى الحكومة عن تلك المساعدات وابسطها تصعيب عمليات منح الائتمان، كان على تلك الشركات العمل على الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الحكومة الكورية.  كان هناك حافز للشركات فى ان تمارس العمل فى القطاعات التى تشجعها الحكومة والتى تتمتع بمزايا ائتمانية خاصة.  وقد تمكنت الحكومة من خلال تلك السياسات من تغيير خريطة الاستثمار وتوجيه النشاط الانتاجى طبقا للقطاعات الاقتصادية التى ترغب فى تشجيعها.

 وفى الستينات، تأسست الشركات التى تعرف باسم التشيبول لتكون منتجة لسلع التصدير فى مجال الصناعات الخفيفة.  وفى منتصف السبعينات، وصلت تلك الشركات الى هياكلها الحالية وهى هياكل كبيرة ومتنوعة بفضل الدخول فى مجال الصناعات الثقيلة بما فى ذلك صناعة الصلب والكيماويات والمعدات والسيارات وبناء السفن وتوليد الكهرباء.  لقد توسعت تلك الشركات توسعا كبيرا.  ففى الفترة من 1970 الى 1975 حققت شركات التشيبول الثلاث الكبرى (هيونداى ودايو وسانجيونج) معدل نمو سنوى بلغ 33% و 35% و34% على التوالى.  وقد شجع معدل النمو المرتفع الذى يصاحبه الاعتماد على مزايا الاقتراض المخفض لاغراض سياسية على تحمل مزيد من المخاطرة والتنافس فى ضخ مزيد من الاستثمارات الكبيرة.

واذا نظرنا اليوم الى كوريا نجد ان النشاط الاقتصادى مركز تركيزا عاليا بين التشيبول.  ففى عام 1990 مثلا، بلغ اجمالى مبيعات اكبر 30 تشيبول ما مقداره 35% من قطاع التصنيع.  وساهمت نفس الشركات ساهمت بمقدار 16% من العمالة فى مجال التصنيع.  وللتشيبول ايضا عدد كبير من الشركات التابعة ففى عام 1994 بلغ عدد الشركات التابعة لاكبر خمسة تشيبول 210 شركة بينما بلغ عدد الشركات التابعة لاكبر 30 تشيبول 616 شركة تابعة.

تحقق هذا التنوع غير المعتاد من خلال انشاء شركات فرعية جديدة.     أن الهيكل العملاق والمتنوع للتشيبول الذى يصاحبه سهولة الحصول على مزايا ائتمانية من خلال العلاقة القائمة مع الحكومة كان ضروريا لنجاح كوريا فى الحصول على نصيب من السوق العالمى لأن الخسارة فى احدى الشركات الفرعية يمكن ان تغطيها الارباح المتحققة فى شركة فرعية اخرى.

وعشية الازمة المالية التى حدثت عام 1997 اتضح بشكل ليس فى جدل ان التشيبول الذى تديره العائلة لا يحقق مكاسب مالية.  فنشاط التشيبول لم يكن قائما، إلا فيما ندر، على اساس قوى السوق المتمثلة فى العرض والطلب والسعر، بل أن التشيبول كان يسعى دائما الى الحصول على نصيب فى السوق حتى وان ادت الاستراتيجية المتبعة الى تحمل خسائر مالية او الوقوف على حافة الافلاس,

واذا قمنا بقياس الربحية على اساس العائد الحقيقى على الأصول بالعملة المحلية، نجد أنه فى الفترة من 1988 الى 1996، سجلت الربحية فى كوريا أدنى ربحية مقارنه بدول شرق اسيا التسعة، واقل من متوسط ربحية الشركات مقارنة بالمانيا والولايات المتحدة.  ونفس الشئ إذا قمنا بقياس العائد على الاصول بالعملة الامريكية، نجد انه خلال نفس الفترة سجلت كوريا معدلا منخفضا نسبيا بلغ 9.2% مقارنة بالفلبين التى بلغ معدل الربحية فيها 17.2% وتايلاند (14.7%) وإن كان المعدل الكورى يفوق المعدل فى اليابان (6.6%).

وتدل هذه الارقام على انه بينما كانت المبيعات الحقيقية فى زيادة، كانت ارباح التشيبول فى انخفاض.  ومع عام 1996، كانت معدلات الربحية فى كوريا من اقل المعدلات بالنسبة لشرق أسيا على الرغم من تفوقها على دول المنطقة من حيث معدل الاستثمار الرأسمالى.  ومن اجل التغلب على المشاكل الناتجة عن انخفاض العوائد،  تطلب الأمر الاعتماد على تمويل خارجى هائل الحجم.  ففى خلال الفترة من 1988 الى 1996، كانت مديونية الشركات الكورية اكبر من معظم الشركات الاخرى فى العالم.  ففى تلك الفترة بلغت الرافعة التمويلية (نسبة الديون الى حقوق الملكية) بين الشركات الكورية 348% وهو أعلى معدل على الاطلاق قياسا على 50 دولة اخرى.

 وترجع هذه الاوضاع المالية الى الطريقة التى تقوم بها البنوك الكورية بتخصيص الائتمان للشركات الكبيرة.  فقد اعتمدت البنوك على وجود أصول حقيقية تغطى قيمة الائتمان وعلى نظام معقد للضمانات من الشركات الفرعية والتابعة لمجموعة التشيبول وعلى ضمانات الشخصية من رئيس مجلس ادارة المجموعة ومديريها.  لم تنظر البنوك الى احتمالات الربحية والتدفقات المالية بالنسبة للمقترضين.

 وفى اواخر عام 1997 ادى الارتفاع الحاد فى معدلات الفائدة (وهى سياسة تستخدم للدفاع عن المكاسب المتحققة) الى دفع التشيبول للوقوف على حافة الهاوية.  وطبقا لأراء بعض المحللين، كان ارتفاع معدل الفائدة المصاحب لاضطرابات العملة، سببا فى  عدم توافر السيولة لدى 49% من الشركات الكورية وفى افلاس 40% منها.  كانت خمس شركات كبرى من بين التشيبول (يبلغ عدد العمالة فيها 100 الف عامل وتبلغ اصولها مجتمعة 26.7 تريليون) غير قادرة على تسديد ديونها ووصلت الى حالة الافلاس بسرعة كبيرة.  وواجه اكثر من نصف الثلاثين تشيبول الكبرى (التى يبلغ حجم العمالة فيها 250 الف عامل ويبلغ حجم مديونياتها 130 بليون دولار) احتمال الوصول الى حالة الافلاس.

 الديمقراطية واسلوب الادارة المثلى

ادت الازمة المالية الى دفع الاصلاح الاقتصادى بما فيه اعادة هيكلة الشركات.  وكان لبرنامج الاصلاح فعالية ملموسة بسبب احتشاد ثلاثة عوامل.  أول تلك العوامل ان حجم الازمة المالية قد دفع بمشاركة المؤسسات المالية الدولية للمشاركة فى عملية الاصلاح، وثانيها، أن القيادات السياسية الجديدة اصبحت ملتزمة بعملية الاصلاح متوجهة للتعامل بصرامة مع الرابطة السياسية القائمة بين الحكومة والبنوك والتشيبول كما انها ملتزمة باحكام القانون التى تخضع لها الشركات والحكومة الكورية.  ويتمثل ثالث تلك العوامل فى استمرار الحكومة فى الاعتماد على السياسة الصناعية من اجل الوصول الى نظام اقتصادى حر.

 ان الاصلاح الاقتصادى لم يدفع الحكومة الى الانسحاب من السوق بل على العكس من ذلك فأن الاصلاح الاقتصادى كان يعنى التدخل الحكومى الكبير باستخدام اسلوب اعتمدت عليه الحكومة الكورية فى الماضى وهو المقايضة او الاندماجات الصناعية التى يتم إملاؤها من أعلى.  وهذا المزيج من السياسات الصناعية التى تساندها قوة كبيرة ووضع اجتماعى متميز ناتج عن الارتباط بالحكومة المركزية يعطى دفعة قوية لاجراءات الاصلاح الحالية فى كوريا.

 لقد دفعت أزمة عام 1997-1998 الحكومة الكورية الى محاولة حل مشكلة القروض المتراكمة.  لقد كانت الأزمة ومحاولات الانقاذ التالية لها لانقاذ المؤسسات من المأزق المالى الذى تمر به دافعا لدور المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى عملية الاصلاح.  وكان تداخل تلك المؤسسات يمثل انباء سارة بالنسبة لصانعى القرار الكوريين حيث تتحمل تلك المؤسسات اللوم الذى يوجهه الشعب الكورى الى السياسات والنتائج التى ليس لها شعبية كافية مثل تسريح العمالة والبطالة المرتفعة وافلاس العديد من الشركات.  وبذلك أدى وجود تلك المؤسسات المالية الدولية الى تقليل المخاطر السياسية لعملية الاصلاح وتوفير درع واق للنظام الكورى.

 ان التزام القيادة الجديدة فى كوريا بالاصلاح الاقتصادى لم يأت فى يوم وليلة ولكن الديمقراطيين الكوريين كانوا يؤمنون بان الديمقراطية والتحرير المالى هما عنصران مترابطان ترابطا وثيقا.  وكان الرئيس الكورى كيم داى جونج من ابرز الديمقراطيين فى كوريا وقد دافع عن التحرير المالى على مدار ثلاثين عاما لأنه فى رأية اكثر الوسائل فعالية فى فك الرباط الوثيق القائم بين الحكومة والتشيبول.

 وقد برز خلال محاكمات رئيسى كوريا السابقين فى منتصف التسعينات ما يدل على وجود هذا الرباط.  فقد شهدت قيادات التشيبول خلال تلك المحاكمات أنهم كانوا يملأون جيوب بعض المسئولين الحكوميين منذ اعوام الستينات حتى يضمنوا الحصول على قروض بشروط ائتمانية ميسرة وكانت الشركات التى تتجاهل المشاركة السياسية تخشى من عدم الحصول على الائتمان او الوصول الى حالة الافلاس.  لقد لوثت علاقات الفساد صورة الشركات الكورية العملاقة التى صنعت المعجزة الكورية كما كانت مقدمة للديمقراطية التى طال انتظارها.  فالعملية الديمقراطية كانت وحدها كفيلة بفك الرباط القائم بين التشيبول والحكومة المركزية فى كوريا.

 وقد قامت حكومة كيم داى جونج باتخاذ عدة اجراءات لفرض عملية اصلاح هياكل الشركات، كما طالب الرئيس الكورى مجموعات التشيبول الكبرى بمقايضة الشركات الفرعية الكبرى لتندمج تلك الشركات فى كيانات كبرى كل منها فى المجال الذى تحقق فيه قدرة تنافسية كبيرة.  ويؤدى ذلك الى الحد من تداخل او تشابك الاستثمارات والحد من فائض الطاقة الانتاجية بمرور الزمن.

 أن اجراءات الاصلاح تركزت فى قطاع الشركات والبنوك.  لقد كانت البنوك فى كوريا تخصص نسبة كبيرة من قروضها  لمجموعات معينة من التشيبول، وبذلك كان عندها من الاسباب ما يدفعها الى تقديم مزيد من القروض لتلك المجموعات بدلا من ان تتركها للانهيار والتقلص حيث ان تلك الحالة الاخيرة ستؤدى الى انهيار البنوك ايضا.  ما معنى هذا الوضع؟ معنى هذا الوضع ان البنوك كانت فى واقع الأمر، سواء كان ذلك بشكل شرعى او غير شرعى،صاحبة أسهم فى تلك الشركات.  ولذلك ارتبطت اعادة هيكلة الشركات ارتباطا وثيقا باعادة هيكلة البنوك واعادة هيكلة رؤوس الأموال بالاضافة الى حل المشاكل المتعلقة بالقروض المتعثرة فى قطاع البنوك.  وتتم اجراءات الاصلاح فى تزامن مع محاولات زيادة اسهم التشيبول وتدفقاتها المالية واعادة جدولة ديونها على فترات استحقاق ممتدة على مدى زمنى أطول.

 ولتطبيق اجراءات الاصلاح، قامت الحكومة الكورية بتأسيس لجنة اشراف مالى.  وتعد تلك اللجنة هيئة مستقلة ترفع تقاريرها مباشرة الى رئيس الوزراء الكورى وتتولى مهمة اعادة هيكلة قطاع الشركات والمؤسسات المالية.  وقد اتبعت تلك اللجنة منهج التنفيذ المرحلى وبدأت بتجريب منهجها على أكبر 6-64 تشيبول وكانت الشركات المشاركة فى تلك المرحلة تختار الانضمام طوعا الى عملية التجريب تلك.  تحتوى عملية التجريب على عدة عمليات منها تحويل الديون الى اسهم ومد فترات تسديد الدين وتأجيل مدة تسديد اصل القرض وفوائده وتخفيض معدل الفائدة واعدام الديون والتوسع فى منح مزيد من الائتمان والغاء الضمانات الراهنة وبيع الشركات الفرعية واصدار اسهم جديدة.  واذا ثبت نجاح عملية التجريب تلك على مجموعات التشيبول متوسطة الحجم، يتم تطبيق اجراءات مشابهة على اكبر خمس مجموعات تشيبول.

كما قامت الحكومة الكورية سريعا باصدار مجموعة من السياسات والقواعد القانونية الكفيلة باعادة هيكلة اكبر 6-64 تشيبول.  فقامت الحكومة بمنح اعفاءات ضريبية لفترات زمنية معينة من اجل اعادة هيكلة الشركات وقامت بتحرير الاستثمار الخارجى المباشر وسمحت بتمليك الشركات غير الاستراتيجية الى مستثمرين اجانب ورفعت من سقف ملكية الاجانب للسندات.  ومن اجل تسهيل عملية اندماج الشركات تم تسهيل عملية تبادل الاوراق المالية من خلال زيادة حصة الاسهم التى يمكن تملكها دون الحصول على موافقة مجالس الادارة.  كما قامت الحكومة الكورية ايضا بدعم قانون منع الاحتكار وحرية التجارة ومنعت تقديم شركة فرعية كضمان للحصول على قرض لشركة فرعية اخرى  ووعدت بالغاء جميع الضمانات الراهنة مع نهاية عام 2000.

 اصلاح مجموعات التشيبول

 وماذا عن اكبر خمس تشيبول فى كوريا؟  وضعت الحكومة الكورية استراتيجية طويلة المدى تهدف الى تحويل الخمس تشيبول الكبرى الى شركات كبرى تستطيع المنافسة على المستوى الدولى حتى وان اقتضى الأمر اجبار تلك المجموعات على الاندماج.  أن برامج الاصلاح التى تقوم بها الحكومة الكورية تؤكد على فكرة ان الاستمرار فى السوق العالمى يتطلب وجود شركات ضخمة ومتخصصة.  لقد اكد كل نظام جديد فى كوريا على "الترشيد الصناعى" بدعوى معاقبة التشيبول وفى نفس الوقت تدعيمه.  وعلى الرغم من الوعود التى اعطاها التشيبول للحكومة الكورية بأنها ستقوم طوعا باصلاح هياكلها المالية، فأن الحكومة الكورية صممت على تنفيذ سياسة "الصفقة الكبرى" وهى السياسة التى تهدف الى تبسيط هياكل الاعمال والحد من الانتاج الفائض.  ومن خلال التهديد بمنع تلك المجموعات من الحصول على الائتمان، نجحت الحكومة الكورية فى دور الوساطة الذى قامت به لعقد مقايضات بين عدة شركات كبرى.

فعلى سبيل المثال، وافقت شركة دايو على التنازل عن شركات الالكترونيات التى تملكها الى شركة سامسونج مقابل تنازل سامسونج عن ملكية شركات السيارات.  ويعنى ذلك ان سامسونج ستسيطر على سوق الالكترونيات فى كوريا حاصلة على 60% من السوق المحلى.  ومن جهة اخرى، ستكون دايو هى صانع السيارات الوحيد فى كوريا الى جانب هيونداى. وبدلا من ان يكون هناك خمس شركات لتصنيع السيارات فى كوريا، تقلص العدد الى اثنين.  كما قامت الحكومة ايضا بدور الوسيط فى الاندماج الذى حدث بين شركات مجموعة هيونداى لانتاج رقائق الذاكرة ومجموعة LG والذى سيؤدى الى ان يحتل هذا الكيان الجديد المركز الثانى على مستوى العالم فى انتاج رقائق التوصل العشوائى الديناميكى مع احتلال مجموعة سامسونج المركز الاول على مستوى العالم.

 ان اعادة هيكلة الشركات بهذا النطاق ستؤدى الى احداث اضطراب فى سوق العمالة.  فمع نهاية عام 1998، قامت اكبر خمس تشيبول بالاستغناء عن 10% من العاملين لديها وهددوا بتسريح المزيد من العمالة.  ومقابل ذلك عارض العمال الكوريون عمليات اعادة هيكلة الشركات ولكن حجم الازمة المالية التى تعرضت لها كوريا جعلت موقف العمال فى المساومة موقفا ضعيفا.  وعلى الرغم من ذلك، ولأول مرة فى تاريخ كوريا، قام النظام السياسى الجديد فى كوريا بدعم صوت العمال على مائدة التفاوض مع اصحاب الاعمال والحكومة مما ادى الى تهدئة العمال وعدم قيامهم باضرابات او اعمال شغب واستمر هذا الهدوء على الرغم من ارتفاع البطالة من 2% فى منتصف عام 1997 الى ما يزيد عن 7% فى اواخر عام 1998.

 دروس مستفادة من تجربة الاصلاح الكورية

استفادت دول شرق أسيا من تجربة اعادة هيكلة الشركات فى كوريا لتخضع لاسلوب الادارة المثلى. فقد سجل صانعو السياسات فى اندونيسيا كيفية استفادة برنامج الاصلاح الاقتصادى فى كوريا من الديمقراطية الجديدة التى نشأت فيها.  كما اهتمت بانكوك بالجهود التى بذلتها سيول لتحسين وضع الشفافية المالية فى كوريا والعلاقة بين الحكومة واتحادات العمال.  أما فى ماليزيا، فينصب الاهتمام حول كيفية التجاوب مع مطالب الغرب الشرعية بتطبيق اجراءات الاصلاح بدلا من الاستمرار فى الحديث عن الامبريالية الغربية و"القيم الاسيوية".  وبعيدا عن تلك الأمثلة، هناك دروس تتعلق بالصين واليابان وهما اكبر جارين لكوريا.

اذا نظرنا الى جمهورية الصين الشعبية، سنجد ان قطاع البنوك لديها مرهق بضخامة حجم الديون المتعثرة وهو وضع مشابه الى حد كبير للوضع فى كوريا.  الدرس الأول الذى ستستفيد منه الصين هو الاستنتاج الذى ستصل اليه بأن مشكلة الديون المتعثرة لديها لا تنذر بكارثة كما يدعى المراقبون الغربيون فالوضع فى كوريا كان أسوأ بمراحل من الوضع فى الصين.  فعلى الرغم من حجم الديون المتعثرة فى كوريا مقارنة باجمالى الناتج القومى الكورى، تمكنت كوريا من النمو بمعدلات هائلة على مدى ثلاثة عقود على عكس ما توقعه الاقتصاديون الغربيون.  أما الدرس الثانى للصين فيتمثل فى أن تأجيل الاصلاح الاقتصادى الهيكلى لن يؤدى إلا الى تكثيف أثار الازمة المالية الحتمية.

لقد اشار القادة الصينيون الى ان الازمة الأسيوية اكدت الحاجة الى الاصلاح الاقتصادى.  ففى بداية عام 1999، قال رئيس الوزراء زهو رونجى ان المشاكل التى تواجهها الشركات المملوكة للحكومة وقطاع البنوك تحتاج الى حل حاسم وسريع خلال السنوات الثلاث القادمة.  ويتمثل التحدى فى القيام بتلك التغييرات اللازمة بحيث يتمكن الاصلاح الاقتصادى وتوفير فرص العمل من الحد من المشاكل الاجتماعية التى ستنتج عن البطالة المترتبة على عمليات الاصلاح.

 وهناك تشابه ايضا بين مجموعات التشيبول الكورية وبين الشركات الصينية المملوكة للدولة.  فشبكة الأمان الاجتماعى فى كل من كوريا والصين شبكة ضعيفة او تكاد تكون معدومة,  وهنا تقوم مجموعات التشيبول فى كوريا والشركات المملوكة للدولة فى الصين بتوفير خدمات اجتماعية هامة للعمال.  ففى الصين تقدم الشركات المملوكة للدولة خدمات اجتماعية هامة مثل الاسكان المدعم والرعاية الصحية ومكافأة التقاعد.

وبالمثل، تقدم مجموعات التشيبول الكورية مزايا مشابهة للعاملين بها. فنجد على سبيل المثال ان العامل فى مجموعة هيونداى يقود سيارة هيونداى ويسكن فى مسكن هيونداى ويحصل على مزايا تقسيط احتياجاته الاستهلاكية من خلال خطوط الائتمان التى توفرها هيونداى ويحصل على الرعاية الصحية فى مستشفيات هيونداى ويرسل اطفاله الى المدارس من خلال القروض او المنح التعليمية التى تقدمها هيونداى بل يأكل وجباته فى مطاعم هيونداى.  وبذلك يمثل احتمال الاستغناء عن 10-20% من العمالة فى كوريا أو الصين صعوبة بالنسبة للاصلاح الاقتصادى فى كلا الدولتين.

ان الاصلاح الاقتصادى عملية معقدة لا يمكن القيام بها بين يوم وليلة بل قد يكون من الصعوبة تنفيذها خلال ثلاث سنوات ولكنها عملية لا تدخل بالتأكيد فى عداد المستحيل.  ونضرب مثالا بجنوب كوريا وتايوان.  لقد ورثت الدولتان عن الحكم اليابانى السابق شركات كبرى مملوكة للدولة ولكنهما نجحتا فى خصخصة الكثير منها على مدار السنوات السابقة

 ويمكن ان تتعلم كلا من كوريا واليابان من التجارب التى مرت بها كل منهما.  فكوريا استفادت من خبرة اليابان فى المساومة مع اتحادات العمال بما ادى الى اعادة هيكلة الشركات اليابانية مع توفير شبكة واسعة للأمان الاجتماعى.

 ويمكن ان نقول ان النجاح النسبى لبرنامج الإصلاح الكورى يرجع الى حجم الازمة المالية التى تزامنت مع انتخابات الرئاسة الجديدة.  لقد ورث الرئيس الكورى كيم داى جونج حكومة كورية قوية واستخدم درع السلطات التنفيذية لدفع الاجراءات الجادة للإصلاح.  وكثيرا ما يوصف النظام السياسى فى اليابان بأنه "شبكة بدون عنكبوت" بمعنى ان البيروقراطية اليابانية بيروقراطية قوية فى وجود جهاز تنفيذى ضعيف نسبيا.  أما الوضع فى كوريا فهو وضع مخالف تماما لذلك.  فالرئيس فى كوريا هو رئيس قوى يتمتع بسلطات كبيرة بينما تحتل البيروقراطية موقعا اضعف نسبيا.  ومنذ تولية الرئيس الكورى الجديد، يتحرك العنكبوت سريعا داخل الشبكة.  ويساعد هذا الاختلاف الجذرى على فهم ديناميكية جهود الإصلاح فى كوريا مقارنة بالاضطراب السياسى فى اليابان.