العمل معاً: الاستثمار الأجنبى المباشر والتجارة

ادوارد م. جراهام *

* ادوارد م. جراهام هو زميل لمعهد الاقتصاديات الدولية فى واشنطن دى.سى. وقد عمل مع منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولى وله كتابات عديدة تتناول الاستثمار الأجنبى المباشر.  ومن المنتظر أن يصدر كتاب أخر له بعنوان "الاتجاهات المضادة للعولمة والمستثمرون متعددو الجنسيات" Anti Globalism & Multinational Investors فى يونيو عام 2000 م .

من المصطلحات السائدة فى وقتنا هذا مصطلح " اقتصاد العولمة" وعلى الرغم من أن أحداً لم يتمكن حتى الآن من وضع تعريف دقيق لما يقصد بـ "اقتصاد عولمة" ناهيك عن تحديد المضمون الكامل لعولمة النشاط الاقتصادى فهناك اجماع على ان ما يحدث مؤداه أن الأسواق التى كانت فى وقت ما محتواه داخل الحدود الوطنية قد صارت الأن متكاملة من خلال التجارة الدولية والتوسع العالمى لأنشطة الشركات متعددة الجنسيات.

وقد اتسعت الوسيلة الثانية والتى قام بها الاستثمار الأجنبى المباشر بصورة أسرع كثيراً من الأولى (يراجع الجدول المرفق).  وعلاوة على هذا، فقد تركز الاستثمار الأجنبى المباشر ومنافعه فى الدول الصناعية وأيضاً فى الدول النامية التى تطبق النظم الديمقراطية ونظم الأسواق الحرة.  ويعد الاستثمار الأجنبى المباشر، أو بصورة أكثر تحديداً، الأنشطة التى يضطلع بها الاستثمار الأجنبى المباشر، هو الأسلوب السائد الذى يتحقق من خلاله تكامل الاقتصادات المختلفة.

وحقيقة الأمر، أنه من المتوقع أن تمثل أنشطة الشركات متعددة الجنسيات نحو الثلث على الأقل من التجارة العالمية، وأن يتم الجانب الأكبر من هذه التجارة فيما بين الشركات التابعة للشركات الأم متعددة الجنسيات.  كما تشير الظواهر السائدة إلى وجود تكامل قوى فيما بين التجارة والاستثمار الأجنبى المباشر.  ولا يتحقق التكامل الاقتصادى على مستوى العالم من خلال توسع التجارة العالمية والاستثمار الأجنبى المباشر فى مسارات منفصلة، وإنما لابد لتحقيق مثل هذا التكامل أن يكون الجانبان بمثابة ظاهرتين متصلتين تعملان معاً وتقوى كل منهما الأخرى.  وفى عالم اليوم، تعرف "الشركة العالمية" بأنها الشركة التى تعمل فى مجال التجارة الدولية والاستثمار الدولى على نطاق عالمى.

دور الاستثمار الأجنبى المباشر فى تنمية التجارة

ينصرف تعريف الاستثمار الأجنبى المباشر إلى حقوق الملكية للمستثمرين المتواجدين فى دولة ما (وعادة ما يتمثل أولئك المستثمرون فى شكل شركات) فى أنشطة الأعمال التى تتم فى دولة أخرى، وحيث تكون لأولئك المستثمرون هيمنة على الأدارة.  وفيما بين نهايتى عامى 1985 و 1995، إزداد رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر داخل الدول بمعدل سنوى قدره 16.3 ويعرف "الرصيد داخل الدولة " بأنه التراكم الاجمالى الذى تسجله الدول المستقبلة للاستثمار الأجنبى المباشـر، أى الدول "المضيفة"، وفيما بيـن نهايتـى عامى 1990 و1998 أنخفض هذا المعدل 10.5% وهى لا تزال نسبة يعتد بها فى مقابل قدره 11.9% فيما بين عامى 1985 و 1990.  إلا أن هذا المعدل تباطأ ليصل إلى 5.8% فيما بين عامى 1990 و 1996.  ونما الناتج المحلى  الاجمالى للعالم بمعدل سنوى قدره 10.7% فيما بين عامى 1985و 1990، ثم انخفض إلى 4.3% فيما بين عامى 1990 و 1998.  وتجدر الاشارة إلى أن الانخفاض فى معدلات النمو هذه إنما يعكس انخفاضاً فى التضخم أكثر مما يعكس تباطؤ معدلات نمو الأنشطة الحقيقية[*].

ومع هذا، فقد تحقق بعض الانخفاض فى النمو الحقيقى لهذه الاجماليات الثلاث (رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر داخل الدول، والصادرات والناتج المحلى الاجمالى على مستوى العالم) خلال النصف الأول من التسعينات، وذلك بالمقارنة بأواخر الثمانينيات.  وقد تفاقم التباطؤ خلال مطلع التسعينات، وهى فترة اتسمت بركود اقتصادى فى الدول المتقدمة.  وشهد النصف  الثانى من التسعينات بطبيعة الأمر تحسناً اقتصادياً ولكن البيانات المتاحة لا تشجع بالتعرف على مدى هذا التحسن وتبين أحدث الأرقام المتاحة تسارعاً واضحاً فى نمو  رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر داخل الدول الضعيفة، وحيث نما هذا الرصيد بمعدل قدره 12.7% خلال الفترة الممتدة بين عامى 1995 و 1998 إلا أن الناتج المحلى الاجمالى على مستوى العالم والصــادرات لم يحققا ذات النمو الذى تحقق برصيد الاستثمار الأجنبى المباشر (بلغ معدلا  نموهما 2.8% و4.5%).

والتمعن فى الأرقام يوخى للوهلة الأولى أن الاستثمار الأجنبى المباشر قد حل محل التجارة كوسيلة لاجراء التبادل فى السلع والخدمات على المستوى العالمى.  إلا أنه ينبغى أن يؤخذ فى الاعتبار أن الاستثمار الأجنبى والتجارة العالمية ليسا بالضرورة وسيلتين بدليتين لتحقيق التكامل الاقتصادى فالاستثمار الأجنبى المباشر لا يحل محل صادرات الدولة، وإنما يعمل على تنشيطها.  ويعد هذا نتيجة لعدة أسباب.  ومن بين الأسباب أن الاستثمار الأجنبى المباشر يمكن الشركات من إيجاد قاعدة توزيعية أوسع ومن ثم يعمل على توسيع نطاق مزيج المنتجات التى تباع فى الأسواق الأجنبية بالاضافة إلى ما يمكن تحقيقه إذا ما وجهت كافة المبيعات من خلال التصدير من سوق الدول الأم.  (ومن ثم، فإن مبيعات الشركة تتمثل فى مزيج من الصادرات والمنتجات التى تصنع محلياً).

وأيضاً، فحتى ما إذا استخدم الاستثمار الأجنبى المباشر لتصنيع منتج ما فى الدولة المضيفة التى كانت تقوم فيما سبق بالاستيراد من الدولة الأم، فإن الانتاج المحلى قد يستمر فى استخدام مدخلات مستوردة ومن أمثلتها المكونات الوسيطة والألات.  كما تشير الظاهرة ذاتها إلى وجود علاقة طردية بين واردات الدولة وبين تدفقات  الأستثمار الجنبى المباشر الخارجة منها.  وهذا أمر متوقع : فإذا ما تمكنت الشركة من انتاج منتج ما فى دولة أخرى واستيراده إلى سوق الدولة الأم بسعر أرخص مما فى حالة انتاجه محلياً فإن هذا ينطوى بالتأكيد- على منفعه للشركة.  وعموماً، فإن التجارة الدولية تتم نتيجة للتخصص العالمى.  وفى هذا الصدد، يمكن النظر إلى الاستثمار الأجنبى المباشر باعتباره أحدى الوسائل التى يتحقق التخصص من خلالها.  وتكون النتيجة لذلك توسع التجارة سواء فى جانب التصدير أو الاستيراد.

ويتمثل الاستثمار الأجنبى المباشر فى أذهان الكثيرين فى شكل شركات من الولايات المتحدة ومن دول متقدمة أخرى تهرب من مواقع انتاجها المتسمة بارتفاع التكلفة وتتوطن فى مناطق تنخفض بها مستويات الأجور.  ولكن هذه الصورة ليست دقيقة بشكل كاف، حتى بالرغم من أن نسبة قليلة من الاستثمار الأجنبى المباشر تبحث عن الانتاج فى مناطق ذات أجور منخفضة.  ولنبحث هذا الأمر بشكل أكثر امعاناً .

أيا كان ما يقال عكس ما يلى عن الاستثمار الأجنبى المباشر فإن الأرقام المتصلة به تدعو للانبهار.  فوفقاً لبيانات الأمم المتحدة، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر فى نهاية عام 1998 ما يزيد عن تريليون دولار.  ومن الأهمية بمكان الاشارة إلى أن هذا الرقم لا يمثل سوى جانب حقوق ملكية المستثمرين فى الاستثمار الأجنبى المباشر، أى ملكية الشركات متعددة الجنسيات فى فروعها بالدول الأخرى وحقوق الملكية من إجمالى أصول هذه الفروع.  وليس هناك رقم دقيق يعبر عن القيمة الدفترية لهذه الأصول، إلا أن "تخمين" الأمم المتحدة بشأن هذا الرقم يشير إلى أن القيمة الدفترية للأصول قد بلغت 14.6 تريليون دولار فى نهاية عام 1998.  وقد قدرت مبيعات هذه الفروع فى عام 1998 بحوالى 11.4 تريليون دولار كما بلغ  الناتج الإجمالى (القيمة المضافة) للفروع حوالى 2.7 تريليون دولار.

وفى عام 1998 أيضاً، بلغ الناتج المحلى الاجمالى على مستوى العالم 29.7 تريليون دولار وبالتالى قدرت مبيعات فروع الشركات متعددة الجنسيات إلى الدول الأخرى بما يتجاوز 9% من الناتج المحلى الأجمالى على مستوى العالم.  وربما ينطوى هذا الرقم على تدن فى تقدير إسهام هذه الفروع فى الناتج العالمى نظراً لأن الناتج الأجمالى للفروع لا يشتمل على القيمة المضافة التى تتولد عن أنشطة مقاولى الباطن، وربما كان أولئك المقاولين  يعملون من داخل الفروع.  وعلى الرغم من هذا فإن هذه النسبة تطرح لإعطاء مؤشر مقارن على مدى إسهام الشركات متعددة الجنسيات فى الاقتصاد العالمى.  وبما أنها مقياس، فإن حجم الاستثمار الأجنبى المباشر فى العالم، وحجم النشاط الاقتصادى المرتبط به يعد هائلاً.

الاستثمار الأجنبى المباشر والديمقراطية

من الحقائق المثيرة لدهشة الكثيرين أن الاستثمار الأجنبى المباشر يتم بصورة أساسية فى العالم المتقدم. وليس من المدهش أن ما يزيد عن 90% من رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر الخارج يتولد فى الدول المتقدمة.  وأيضاً، فحوالى 68% من رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر الداخل يتم داخل هذه الاقتصادات.  وتمثل أرصدة الاستثمار الأجنبى المباشر تراكم تدفقات الاستثمارات على مدى السنوات التى تمت فيها هذه الاستثمارات فى الدولة.  وفى عام  1998، اتجهت النسبة الغالبة (70%) من تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر إلى الديمقراطيات المتقدمة.  وبتعبير أخر، فإن الغالبية العظمى من الاستثمار الأجنبى المباشر، معبراً عنها بكل من التدفقات والأرصدة، تعد ناتجة عن استثمارات الشركات متعددة الجنسيات من دولة ديمقراطية متقدمة إلى دولة أخرى ديمقراطية متقدمة.

وواقع الأمر أنه ينبغى ألا تكون الحقيقة المتمثلة فى أن الاستثمار الأجنبى المباشر إنما يتوطن أساساً داخل مجتمع الدول الديمقراطية بمثابة حقيقة مثيرة للدهشة.  فالمستثمرون القائمون بالاستثمار الأجنبى المباشر، والشركات متعددة الجنسيات إنما يبحثون عن الدول المزدهرة والمستقرة، وتتمثل تلك النوعية من الدول أساساً فى الدول الصناعية الديمقراطية.

ولكن تحقق خلال السنوات الأخيرة مزيد من الاستثمارات المباشرة  يفوق ما تحقق تاريخياً.  ومن بين تدفقات الاستثمارات التى لم تذهب إلى دول متقدمة، اتجه 70% إلى 8 دول فقط هى : المكسيك والبرازيل والأرجنتين والصين واندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبولندا.

وتشير هذه الزيادة فى التدفقات إلى مجموعة متنوعة من الدول إلى الكيفية التى تسعى بها الشركات متعددة الجنسيات إلى البحث عن الأسواق الأخذة فى الازدهار والتى تتيح امكانات  تحقيق عائد مرتفع للمساهمين، وحتى بالرغم من أن تلك الدول قد تفتقر إلى وجود تاريخ طويل من أساليب الحكم الديمقراطى المستقر.  ويبدو هذا مفسراً لأسباب تدفق الاستثمار الأجنبى المباشر بقيم كبيرة خلال السنوات الأخيرة إلى دولة الصين غير الديمقراطية بينما لم يتجه إلى دولة ديمقراطية مثل الهند (قد يبدو من السابق لأوانه الجزم الأن بما إذا كانت سياسة التحرير الجارية الأن ستؤدى إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر).  وعلى الرغم من الاتجاه إلى الصين وعدد قليل من الدول سريعة النمو، فإن الحقيقة تظل متمثلة فى أن الاستثمار الأجنبى المباشر يتجه أساساً إلى الدول المتقدمة.  وإلى الحد الذى يؤدى فيه الاستثمار الأجنبى المباشر إلى خلق "اقتصاد عالمى" متكامل فعلياً، فإنه يبدو أن هذه يعد من الاشكال التى يستبعد منها كثير بل ومعظم دول العالم.  ما السبب الكامن وراء هذه الظاهرة؟  للاجابة عن هذا السؤال يكون من المفيد البحث فى خصائص الدول التى تجتذب الاستثمار الأجنبى المباشر.

ما هى الدول التى تجتذب الاستثمار الأجنبى المباشر؟

قامت حكومة كندا مؤخرًا بتكليف اثنين من كبار الخبراء هما ستيفن جلوبرمان Steven Globerman ودانييل شابيرو Daniel Shapiro بالبحث فى الأدبيات المفضلة بخصائص السياسات الوطنية فى الدول التى اجتذبت أحجامًا كبيرة من الاستثمارات الأجنبية المباشر.

وتتلخص نتائج بحثهما – الواردة فى التقرير الأجنبى المباشر الداخلى

Canadian Government Policies Towards Inward Foreign Direct Investment

فى أن العوامل التالية تمثل أهمية بالغة:

-        قوى عاملة متعلمة وماهرة.

-        نظام قانونى يقسم بالكفاءة والعدالة.

-        شبكات نقل كفؤة ومتطورة.

-        سياسة قوية لمكافحة الاحتكار

-        سياسة سليمة على مستوى الاقتصاد الكلى وثقافة مولدة للثروة.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد لاحظ هذان الخبيران أن الأدبيات تميل إلى استبعاد فكرة أن الحكومات يكون بوسعها اجتذاب الاستثمار الأجنبى المباشر من خلال نظم الحوافز المختلفة، مثل الاعفاءات الضريبية أو الدعم المباشر.

كذلك فقد وجد أن هناك إجماع فى الأدبيات مؤداه أن جهود الحكومات لتخصيص المنافع التى تتولد عن الاستثمار الأجنبى المباشر من خلال التمييز فى معدلات الضريبة وانتقاء الاستثمارات ووضع قيود انتقائية على تلك الاستثمارات تؤدى جميعها الى نتائج غير مشجعة وضارة بالإنتاجية، وعلى وجه التحديد، فهذه الممارسات تؤدى – على الارجح – إلى إعاقة الاستثمار الأجنبى المباشر المرغوب، لا إلى تحقيق الأهداف المعلنة لاجتذاب الاستثمار.  وبالمثل، فقد وجد الخبيران أن معظم متطلبات الأداء التى تمليها الحكومة على الاستثمارات الأجنبية المباشرة (مثل المكون المحلى، واشتراط قيام الفروع المحلية بتصدير حد أدنى من نواتجها، إلخ) لا يحتمل أن تؤدى إلى تدعيم المنافع الاقتصادية المحلية، وقد ينتج عنها اختلالات عالمية. (على سبيل المثال، إذا ما تم فرض الصادرات بواسطة إحد الدول، فإن ذلك قد يؤدى إلى الاحلال محل صادرات دولة قد تكون أكثر كفاءة). وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن بعض أنواع اشتراكات الأداء قد تتنافى والتزامات الدول بموجب اتفاقية منظمة التجارة العالمية.

والأمر الأكثر إثارة للانتباه بشأن هذه القائمة من العوامل التى تجتذب الاستثمار الأجنبى المباشر إذا ما كان لنا أن نستخلص قائمة بالعوامل التى تؤثر بصوره إيجابية على النشاط الاقتصادى بصفة عامة، هو ان القائمة المستخلصة ستكون مماثلة تمامًا للقائمة السابقة وحقيقية الأمر، أن هذه النتيجة ليست مثيرة للدهشة فالمستثمرون فى كافة الفئات، لا القائمون بالاستثمار الأجنبى المباشر فحسب، يبحثون عن نفس الأشياء.

وينبغى التركيز على أهمية القوى العاملة المتعلمة والماهرة بالنسبة لكل من الاقتصادات النامية والمتقدمة وقد تم إبراز هذا فى ورقة عمل نشرها صندوق النقد الدولى بعنوان "كيف يؤثر الاستثمار الأجنبى المباشر فى النمو الاقتصادى"؟  How  Does Foreign Direct Investment affect economic growth

وتؤكد الورقة وجود علاقة طردية بين الاستثمار الأجنبى المباشر والنمو فى الدول النامية تبعًا لما يطلق عليه " محدد رأس المال البشرى" وبتعبير مبسط، فإن المعنى الذ ينطو عليه هذا المصطلح مؤداه ما يلى.. إذا ما كانت القوى العاملة فى دولة ما ذات تعليم جيد بدرجة كافية، فإن الاستثمار الأجنبى المباشر فى  تلك الدولة يعمل على دفع عجلة النمو الاقتصادى. وتشير عبارة "تعليم جيد بدرجة كافية" إلى أن العامل المتوسط يكون على الأقل مجيدًا للقراءة والكتابة ولديه المهارات الاساسية فى الرياضة على نحو يعادل مستوى التعليم الإبتدائى – ويفسر هذا (على نحو ما أشير إليه فى الفصل السابق) أسباب عدم حصول الدول الأكثر فقرا -وهى تلك الدول التى تفتقر إلى مستويات التعليم الملائمة – على قدر كاف من الاستثمار الأجنبى المباشر، وذلك على الرغم من إنخفاض مستويات الأجور بتلك الدول.

الاستثمار الأجنبى المباشر يقوى المنافسة

لماذا يقترن الاستثمار الأجنبى المباشر بالنمو الاقتصادى؟  يكمن جزء من الإجابة فى خاصية أخرى للاستثمار الأجنبى المباشر مؤادها نقل المعرفة التكنولوجية والإدارية.  فحينما تسع الشركة إلى التحكم فى نشاط الأعمال بدولة أخرى، فإنها تكون بالفعل ساعيه إلى تعظيم العائد الذى يحققه على استثماراتها وهى – لتحقيق ذلك – تسعى إلى التفوق على نظرائها المحليين (والعالميين أيضًا) وينطوى هذا ضمنًا على قيام الشركة بشحذ كافة إمكاناتها وأسلحتها – التى تمكنها من المنافسة بقوة – إلى السوق المحلية، بما فى ذلك الفنون التكنولوجية والإدارية.

وتكون نتيجة هذا هى نقل التكنولوجيا إلى الدولة المضيفة.  وغالبًا ما يصاحب ذلك " الأثار الجانبية" وتشتمل هذه الاثار على تقليد المنافسين المحليين للفنون التكنولوجية والإدارية التى يأتى بها المستثمرون الأجانب، وذلك حتى تتسنى لهم إمكانات المنافسة.

وحقيقة الأمر أن تزايد المنافسة هو الجزء الثانى من الإجابة على السؤال : " يؤدى الاستثمار الأجنبى المباشر إلى زيادة النمو؟".. إن الاستثمار الأجنبى المباشر لم يؤد فقط إلى زياد عدد المنافسين فى سوق السيارات، وإنما عمل أيضًا على دفع الشركات الأمريكية إلى تحسين منتجاتها وكذا تحسين الرقابة على الجودة.. وكان المستهلك الأمريكى هو الفائز نتيجة للزيادة فى المنافسة.

والمضمون الأساسى لما سبق بالنسبة لصانعى السياسة هو أن الاستثمار الأجنبى المباشر يعد – بصفة عامة– ظاهرة مرغوبة. فهو يعمل على دفع النمو فى  اقتصاديات الدول المضيفة، كما يحفز التجارة فى كل من الدول المضيفة والدولة الأم. ولا يعنى هذا أن الزعماء الوطنيين سيقدمون حتمًا على  الترحيب الكامل بالاستثمار الأجنبى المباشر. بل على العكس فصانعو السياسة فى الدول المضيفة عادة ما يعبرون عن عدد من المخاوف المتصلة بتأثير الاستثمار الأجنبى المباشر على مواطنيهم. وتتمثل وجهات نظرهم بهذا الصدد فى أن الشركات متعددة الجنسيات عادة ما تحاول استغلال اقتصاد الدولة المضيفة، الأمر الذى يلحق أضرارًا بالغة بمواطنى تلك الدولة ومن ثم، يعمل بعض صانعى السياسة فى الدول المضيفة على فرز وانتقاء الاستثمارات الداخلة.

وعلى الجانب الآخر، يعرب بعض صانعى السياسة فى الدول الصناعية عن قلقهم بشأن اتجاه شركاتهم إلى استخدام الاستثمار الأجنبى المباشر بهدف التوطن فى المناطق المتسمة بإنخفاض مستويات الأجور ومن ثم، حرمان مواطنيهم من فرص التوظف وبالتالى، يسعى بعض صانعى السياسة إلى إعاقة خروج الاستثمارات من دولهم.  إلا أن هذا التبرير لا يجد له سندًا مبررًا من الحقائق.

المضافين بالنسبة لصانعى السياسة

فى الوقت ذاته، يتعين ألا تكون الحكومات بالغة الانبهار بالاستثمار الأجنبى المباشر، إلى الحد الذى قد يدفعها إلى تقديم الدعم له.

وتبين دراسة حكومة كندا السابق الإشارة إليها أن ما يطلق عليه "حوافز الاستثمار" تعد – فى افضل الأحوال– غير فعالة، وقد تؤدى إلى خلق اختلالات كبيرة الحجم فى الاقتصاد مثل أى إجراءات تملى ما يشبه الدعم.   وبالمثل، فإن اشتراطات الأداء التى تمليها الحكومات على فروع الشركات الأجنبية لا تولد منافع محلية وإنما تؤدى إلى نشوء اختلالات دولية.

وأفضل وسائل لاجتذاب الاستثمار الأجنبى المباشر ولضمان إنتاجية ملائمة لذلك الاستثمار – هى ضمان تأهيل السكان المحليين بمستويات تعليم ملائمة، وكذا ضمان سلامة السياسات الاقتصادية على المستوى الكلى، وتوفير نظام قانونى عادل وفعال.  ونقول ان تلك هى الوسائل التى ينبغى أن تسعى الحكومات لإيجادها بهدف تأكيد أداء الاقتصاد بصفة عامة عند مستوى مرتفع. 


[*]     يستخدم "الرصيد" بدرجة أكثر من "التدفق" لقياس الاستثمار الأجنبى المباش ن حيث أن الأول يعبر بصورة أفضل عن مستوى النشاط اقتصادى الذى يتولد عن أعمال فروع الشركات متعددة الجنسيات.  ويتمثل النشاط الاقتصادى لهذه الفروع فى نتغير يتخذ شكل تدفق ويناظر الناتج المحلى الأجمالى أو الصادرات (وحيث يمثل الثلاثة قيمة مضافة إلا أن البيانات المنشورة عن المتغير الأول ى تنشر ومن ثم تستخلص من متغير  Surrogate  على التوالى) .