مؤسسات السوق والديمقراطية

بقلم: جون د. سوليفان *

*  جون سوليفان هو المدير التنفيذى لمركز المشروعات الدولية الخاصة

اتسم القرن العشرين بجهود عميقة استهدفت تأصيل الكيفية التى ينبغى أن يتم وفقاً لها تنظيم المجتمعات.   ففى النصف الأول من هذا القرن كانت الحروب الدموية تدور لتحقيق التوسع الاستعمارى، والاتوقراطية، والشيوعية، الأمر الذى أسفر فى النهاية عن اتجاه عالمى نحو مقاومة الفاشية.   وخلال الجزء الأخير من القرن، بدا العالم كله وقد اختار أحد جانبين: الديمقراطية الرأسمالية أو الشيوعية.   وعلى الرغم من انتهاء هذه المواجهات والعلم بتكاليف الشيوعية من الناحية البشرية فى الكتلة السوقية السابقة. فقد أكدت الانتخابات الأخيرة فى روسيا أن الطريق نحو المستقبل لا يزال يفتقر إلى الوضوح إلى حد كبير.   فالكثيرون يتوقون إلى الأمان الذى كان يبدو  أن النظام الشيوعى يوفره لهم، وهذا على الأقل هو ما كانوا يتذكرونه ، بينما يحارب الأخرون دون خوف  لتحقيق الحرية.

وعلى الرغم من هذا، فإن غالبية العالم يبدى توافقاً فى الآراء مؤداه ان الديمقراطية واقتصاديات السوق يأخذان أبعاداً واضحة، الأمر الذى  يوفر ضغطاً عالمياً على الدول بهدف تدعيم هذين الهدفين المتوازيين وليست المؤسسات الدولية أو المجموعة الصغيرة من الدول المانحة التى تنمو بشكل متزايد تجاه القاء المسئولية على الحكومات فى هذا الشأن بل أن الجماعات المحلية والحكومات المعنية أصبحت تدرك بصورة متزايدة حقيقة الخيارات التى تتخذها الدول بشأن المؤسسات الاقتصادية السياسية.

وعلى الرغم من هذا الاجماع المتزايد فى الآراء ن فإن كثيراً من الدول تبذل جهوداً لتحديد الشكل الذى تتخذه هذه الترتيبات المؤسسية فى الحياة اليومية. 

وتستهدف هذه الورقة تقديم بعض التعريفات الأساسية للبدائل التى تواجه الدول فى غمار جهودها لخلق اقتصاديات سوق داخل المجتمعات الديمقراطية.  ويتضمن القسم الأول استعراضاً لعناصر اقتصاد السوق، بينما يخصص القسم الثانى لوصف العلاقات المختلفة بين هياكل السوق و سيادة حكم المؤسسة الديمقراطية. أما القسم الأخير فيشتمل على وصف لبعض المبادرات التى يتسنى لصانعى السياسة القيام بها لتنشيط نمو وتنمية مؤسسات السوق ونظم الحكم الديمقراطية. 

طبيعة السوق

غالباً مايفترض أن الرأسمالية هى الرأسمالية فى أى مكان بالعالم.   إلا أن النظرة المتجمعة لهياكل المجتمعات تبين أن اقتصاد السوق لا ينشأ بشكل تلقائى بمجرد أن تبدأ الحكومات فى اتخاذ اجراءات فى هذا الاتجاه. بل العكس هو الصحيح.  فالأسواق هى مؤسسات متطورة ترتكز على مجموعات متشابكة من القواعد التى يتم تطويرها استناداً إلى عمليات صنع القرار.   وفى بعض الحالات، مثلما يحدث بالنسبة لبورصة نيويورك للأوراق المالية، تقوم المؤسسات الخاصة بوضع ومراقبة القواعد التى تستند إلى وجهات نظر الأعضاء.   ولكن حتى هنا فى الولايات المتحدة تضطلع الحكومة بالدور الاشرافى لمنع عمليات التداول المستندة إلى معلومات داخلية ن وكذا منع تعارض المصالح، وما شابه ذلك.   وتتأكد أهمية القواعد بالنسبة لأداء الأسواق، من خلال التعريف التالى المستخلص من المرجع التالى :

علم الاقتصاد:الخيار العام والخاص Economics: Private and Public Choice

تأليف: جيمس د. جوارتنى وريتشارد ل.ستروب James D. Gwartney and Richard L. Stroup

"السوق : هى فكرة مجردة تضم ترتيبات الاتجار من قبل المستثمرين والبائعين والتى تحدد قوى العرض والطلب.   وقد تكون السوق ضعيفة (سوق أمواس الحلاقة على سبيل المثال).   أو خلافاً لذلك، قد يكون من المفيد تجميع العديد من السلع فى سوق واحدة، مثل سوق (السلع الاستهلاكية) كذلك فهناك نطاق واسع من التطوير بالنسبة لمفهوم الاسواق.   فبورصة نيويورك للأوراق المالية هى سوق تدار بنظم الحاسب الآلى إلى حد كبير ويتم فيها التعامل بين البائعين والمستثمرين وتبادل ملكية أسهم  تقدر ببلايين الدولارات، وذلك دون أن يلتقوا فعلياً.   وخلافاً لذلك فإن هناك اسواقا مجاورة لسوق الاوراق المالية فى نيويورك تعتبر اسواقا غير رسمية مثل الأسواق التى يتم فيها تبادل خدمات وأدوات الحرث حيث يتعاقد خلالها البائعون والمشترون عن طريق الكلمة.

وبالنسبة للدول التى تعتزم القيام بأنواع  الاصلاح الاقتصادى المطلوبة لتوسيع نطاق تواجدها بالاسواق العالمية.. ومن بينها تلك الدول التى تتجه للتحول من نظم الاقتصاد الموجه إلى هياكل السوق.. يكون من الأهمية بمكان بحث الأنواع المختلفة من مؤسسات السوق وتحديد آثارها بالنسبة للحكومات الديمقراطية.

وعلى نحو ما يرد بقائمة المعايير التالية، فهناك عدد من العوامل الموضوعية التى يتسنى استخدامها لتمييز درجة استخدام النظم المختلفة للأسواق داخل الاطار الشامل للاقتصاد.   ويستخدم مصطلح السوق تمييزاً له عن مصطلح الرأسمالية للتميز بين الاقتصادات المستندة إلى المنافسة وقانون العرض والطلب عن تلك الاقتصادات التى تقوم النخبة السياسية فيها بادارة الاقتصاد وفقاً لخطة أو تقوم فيها بالسماح لمجموعة قليلة بالسيطرة على الاقتصاد.

ما هو اقتصاد السوق؟

1)   نشوء الترتيبات الاقتصادية عن التبادل الطوعى والحر للقيم بين الأفراد و/أو الشركات.   فالقيم المقترنه بتبادل السلع والخدمات يتم تحديدها بجانبى العرض والطلب على النحو الذى يتحدد فى نظام سعرى غير مقيد وتبرير ذلك فى أن كلا طرفى التعامل يتحقق له مستوى المنافع الذى يبتغيه من عملية التبادل.

2)  حرية تكوين تجمعات للأنشطة الاقتصادية، وضمان الحق القانونى للأفراد لتكوين شركات وتعاونيات واتحادات وغيرها من أشكال النشاط الاقتصادى. 

3)  ضمان القانون لحرية امتلاك وتبادل كل من الممتلكات الشخصية ووسائل الانتاج، وذلك بالنسبة لكافة الأفراد دون النظر للخلفيات الاجتماعية/الاقتصادية. 

4)   كفالة القانون لحرية التنقل والحصول على المعلومات. 

5)   كفالة القانون لحرية الدخول والخروج من الأسواق، بالنسبة للأفراد والشركات. 

6)  الابقاء على المنافسة فى الأسواق بوصفها وظيفة للنظام القانونى والتنظيمى ويكون من شأنها منع الاحتكار و/أو التكتلات غير الرسمية من خلال الحد من حركة التبادل التجارى، وتثبيت الأسعار، والقواعد الحكومية وغير ذلك من الحواجز.

7)  يتمثل دور الحكومات فى تنظيم الأسواق والحفاظ على نظم السوق من خلال وضع القوانين (القواعد) الموضوعية التى تستهدف حماية الأفراد والشركات من ممارسات الفساد الادارى.   وينبغى أن تكون التنظيمات موضوعية بطبيعتها (بمعنى الا تكون قائمة على مفهوم الاقتصاد الموجه).

8) كما ينبغى أن تطبق النظم الضريبية من خلال عوامل موضوعية، وألا تكون قائمة على مفاهيم المصادرة.   كذلك يجب أن تكون امكانات الحصول على الخدمات الحكومية والسلع العامة متاحة للجميع بصورة موضوعية. 

وبينما تعد المعايير الأساسية المصممة لتحديد شروط نظم السوق إيجابية بطبيعتها فإن من الضرورة بمكان إضافة معيار آخر.. وهو معيار سلبى.. يحدد الكيفية التى غالباً ما أفسدت النظم ذات التوجه السوقى إذ حينما تستفيد مجموعة من الشركات  أو الأفراد من الهيمنة او المحسوبية التى تمارسها  الحكومات بشأن عمليات التوزيع والتى غالباً ما تكون مدعومة للصرف الأجنبى، والائتمان وحقوق الاحتكار، فإن ذلك يكون من شأنه تعويض نظام السوق.   إذ أن الشركات أو الأفراد الذين لا يتمتعون بهذه الميزة التنافسية غير العادلة يضطرون إلى الخروج من النشاط ؛  ويتوقف السوق عن الأداء بصورة تنافسية.   وفى الفلبين، على سبيل المثال، أتهم الرئيس فرديناند ماركوس وأصدقاؤه من جانب غالبية مجتمع الأعمال بممارسة "الرأسمالية المظلمة الأمر الذى ترتب عليه عدم قدرة تلك الغالبية على التنافس مع تلك الشركات التى استفادت من المحسوبية الحكومية. 

الصورة الأعــم

لا يتواجد بأى من الدول نظام اقتصادى يستند إلى السوق فحسب.   فالاقتصاد يشتمل أيضاً على أدوار للحكومة مثل: تحويلات الدخل (ومنها التأمين الاجتماعى، مدفوعات الرفاهية)، وتوفير التعليم العام، والدفاع، والنقل العام، وخدمات البنوك المركزية، وغير ذلك من الأدوار المتصلة بتوفير  السلع العامة التى لا يتم انتاجها بمبادرات من القطاع الخاص وبالاضافة إلى هذا فالاقتصاد فى صورته العامة يشتمل على الوظائف والأدوار الاقتصادية- التى تؤديها المؤسسات غير الهادفة للربح، مثل : الكنائس، والهيئات الخيرية، والاتحادات، ومنظمات الأعمال، والتعاونيات. 

والوصف الملائم لمعظم الدول الصناعية هو أنها اقتصادات مختلفة، بمعنى أن لحكوماتها دور هام فى الاقتصاد يتبين من خلال الملكية العامة لأصول انتاجية، واللوائح والسياسات التوجيهية، والرقابة والتوجيه بالنسبة لبعض عناصر الآليات السعرية (من خلال النظم الضريبية أو الرقابة على الصرف)، أو غير ذلك من الأساليب ذات الطبيعة التوجهية.   وحقيقة الأمر، أن كثيراً من الاقتصادات الأوروبية يمارس شكلاً من أشكال الادارة المؤسسية، الأمر الذى يعنى أن كافة الشركات تكون مطالبة بالانضمام إلى غرفة تجارة وطنية وجميع العاملين يكونون مطالبين بالانضمام إلى النقابات العمالية.   كما تجرى المفاوضات الجماعية بين منظمات الأعمال والنقابات، حيث تطبق نتائج تلك المفاوضات على كافة الشركات. 

يضاف إلى ما سبق، أن صانعى السياسة فى الحكومة يعدون مطالبين بالتشاور مع منظمات الأعمال والنقابات العمالية، وأن يصدروا تشريعاتهم استناداً إلى المعلومات التى توفرها تلك الجهات (أنظر: نماذج وهياكل غرف التجارة وجمعيات الأعمال) الذى أعده المركز.

كما تتبنى ألمانيا وعدد قليل من الدول الأوروبية الأخرى نظام مجلس الإدارة وهو الهيكل الذى يتيح تحقيق دور رسمى لنقابات العمال فى الشركات (انظر البحث عن مديرين أكفاء In Search of Good ))Corporate Directors)

ويستند اقتصاد السوق فى شكله المثالى إلى القواعد، والقوانين، واللوائح التى تمكن الأفراد من العمل، واتخاذ القرارات وخلق أشكال جديدة من الثروة  ومن ثم تحقيق تقدم المجتمع البشرى .  وفى التاريخ الحديث، يتمثل أهم عناصر هذه القواعد فى التشريع، والذى يعرف بقانون الشركات، وهو التشريع  الذى يحدد قواعد انشاء الشركات ذات المسئولية المحدودة.   فمن خلال السماح بالانضمام بعضهم إلى البعض لتكوين شركات يتحقق إيجاد أساس الشركات الخاصة ولكن - نتيجة للحقيقة المتمثلة فى أن المسئولية عن أعمال الشركات كانت تاريخياً غير محدودة فقد صارت المخاطر المقترنة بالشركات الخاصة كبيرة.   فإذا ما كان هناك شخص يمتلك سهماً واحداً من أسهم إحدى الشركات، تكون كافة أصوله موضع مخاطرة فى حالة تعرض الشركة للافلاس أو فى حالة صدور حكم ضدها نتيجة القيام باحدى المخالفات. 

ومن ثم، فإن إيجاد مفهوم الشركات ذات المسئولية المحدودة يمكن المستثمرين من البدء فى إدارة هذه المخاطرة عن طريق السماح لهم بحصر مخاطرهم الفردية فى نطاق الأموال المستثمرة فى الشركة.  

وتعزى إلى هذا التطوير ميزة رفع مستوى النمو فى الولايات المتحدة ثم فى اقتصادات أوروبا الغربية واليابان وتوضح مقالة حديثة كيفية سماح نظم الحكم المؤسسى  الشركات بالعمل من خلال نظام السوق.

وثمة مهمة أخرى على قدر مساو من الأهمية تتمثل فى وضع مجموعة من قوانين التجارة السليمة والقابلة للتطبيق، بما فى ذلك سياسات مكافحة الاحتكار أو سياسات المنافسة.   ففى كثير من الاقتصاديات الناشئة أو تلك التى تمر بمرحلة تحولة تتواجد مثل هذه القوانين.  وعلاوة على هذا، فحيث أن بعض النظم القانونية فى عدد قليل من هذه الدول لا يرقى إلى المستويات العالمية، فإنه يكون من المعتاد شيوع الرشوة والفساد الادارى وقبولها من جانب المجتمع.  ومن شأن ممثل هذه الممارسات المساس سلباً بأداء نظام السوق واضعاف مؤازرة المواطنين للقيادة السياسية أيضاً. 

وكذلك تتفاوت اقتصادات السوق من حيث هياكل اسواقها المالية ولوائحها المحاسبية.   ففى ألمانيا، تمتلك البنوك غالباً نسباً كبيرة من أسهم الشركات الصناعية الكبيرة، والتى عادة ما لايتم تداولها فى البورصات.   كما تختلف النظم المحاسبية الالمانية بدرجة كبيرة عن تلك النظم المطبقة فى الولايات المتحدة وبريطانيا وإن كانت تلك الاختلافات قد صارت عند حدها الأدنى حيث تسعى الشركات الألمانية إلى الحصول على تمويل من أسواق المال العالمية. 

وفى اليابان، من الشائع وجود الملكية المتبادلة بين مجموعات من الشركات وغالباً ما يلعب البنك دوراً هاماً فى المجموعة، وتوجد فى كوريا تجمعات أعمال مماثلة (شيبول). ومن الأمور المثيرة للانتباه، أن الروس ينظرون الآن فى مثل هذه الترتيبات فى غمار تكوين تجمعاتهم الصناعية المالية (FIGs)، وذلك على الرغم من صعوبة تطبيق أحد النماذج التى نجحت فى أسيا على التجربة الروسية التى تتصف بيئتها باختلافات ثقافية وقانونية.   ولكن على الرغم من ذلك، فإن كلاً من هذه النظم المختلف.. الألمانى، واليابنى، والأنجلو أمريكى.. هو أحد أشكال السوق. 

وأخيراً، فإن نظام السوق الحديث يستلزم أيضاً حرية تدفق المعلومات.   فمن المنظور النظرى، تتمثل أحدى الوظائف الأساسية لهيكل الاسعار فى تبادل المعلومات بشأن قيمة السلعة أو الخدمة.   ولكن مع بدء الاقتصادات فى النمو والتعقد، تبدو الحاجة الماسة لنوعيات أخرى من المعلومات، من بينها معدل التضخم المتوقع مستقبلاً وسلوك أسواق الأسهم ورؤوس الأموال، وعجز (أو فائض) الموازنة، وقيم الواردات والصادرات، وغير ذلك من حرية تدفق المعلومات تقع السوق تحت رحمة أولئك الذين يتمتعون بميزة امكانية الوصول إلى تلك المعلومات. 

الأسواق والديمقراطيات

إن بناء المؤسسات يتجاوز كثيراً مجرد وضع مجموعة من القواعد.   فعلى الرغم من الجدل المستمر حول العلاقة بين طبيعة النظام السياسى بالدولة من جانب وبين نوعية مؤسساتها الاقتصادية من جانب أخر.. ومع ادعاء بعض المراقبين بعدم وجود مثل تلك العلاقة.. فقد بات من الواضح أن الترتيبات السياسية تنطوى على أهمية بالغة بالنسبة لأولئك المعنيين بالادارة الاقتصادية أو فن إدارة الدولة.

وليس المقصود بمعايير الديمقراطية المدرجة أدناه ومن أمثلتها تلك التى تحدد مؤسسات السوق الأساسية هو أن ينظر إليها باعتبارها وصفاً شاملاً للمجتمع الديمقراطى فهذا المفهوم يضم عوامل كثيرة مثل مفهوم المواطنة، والنسق القيمى فى المجتمع والقيادة الممثلة من خلال البرلمانات وغيرها من المؤسسات.   ولكن على الرغم من ذلك ن فإن معايير باول Powell تنطوى على قيمة كبيرة لأنها تتيح قائمة أساسية لتحديد ما إذا كان النظام يعد ديمقراطياً أم لا . 

تعريف الديمقراطية

 هناك العديد من تعريفات الديمقراطية والبعض فيها يركز على القيم والفضائل الأساسية، بينما يعتمد بعض التعريفات الأخرى.. بصفة أساسية.. على التعريفات القانونية للهيكل المؤسسى.   وثمة مدخل ممتاز يقترحه بنغان باول Binghan Powell فى كتابه الصادر بعنوان الديمقراطيات المعاصرة: المشاركة والاستقرار والعنف Conternparary Democracies: Participation Stability and Violence. فتعريفه للديمقراطية يستند إلى مجموعة المعايير التالية:

1)    استناد شرعية الحكومة إلى تعهدها بالتعبير عن رغبات المواطنين.   ويعنى ذلك أن تعهد الحكومة بالالتزام بالقوانين إنما يستند إلى تأكيدها على عمل ما يود الشعب عمله. 

2)    تتولى عملية الانتخابات السياسية القائمة على المنافسة مهمة تنظيم صفة الشرعية هذه فالقيادة يتم انتخابها على فترات منتظمة، ويتسنى للناخبين الاختيار بين المرشحين المختلفين.  وفى الممارسة لابد أن يكون هناك على الأقل حزبين مرشحين لديهم فرصة الفوز، وذلك حتى يتسنى القول بأن اختيارات المرشحين تكون ذات مغزى حقيقى. 

3)     يتسنى لكافة المواطنين البالغين المشاركة فى العملية الانتخابية سواء كناخبين أو كمرشحين للمناصب السياسية الهامة. 

4)    يتمتع المواطنين والقادة بحرية إلقاء الخطب والكتابة فى الصحافة والتجمع والتنظيم.   ويعمل كل من الأحزاب القائمة والجديدة لأكتساب أعضاء وأصوت جديدة. 

ويترتب على الجدل والحوار بشأن التتابع الملائم للاختلافات فى مجال السياسة العامة تأثيرات عميقة على ملايين المواطنين، فمن ناحية، يعتقد البعض أن تنمية اقتصاد سوق قوى تتطلب وجود حكومة مهيمنة وقوية تتصف بالقدرة على قمع التذمر والمصالح الخاصة.   ومن وجهة النظر هذه يكون من المتعين الاضطلاع بالاصلاحات على امتداد جبهة عريضة بغرض دفع عجلة النمو الاقتصادى المتصف يالاستدامة وبمجرد تحقيق الطابع الملموس لتلك المنافع يصبح من الممكن وضع الاصلاحات السياسية موضع التطبيق، الأمر  الذى يسفر فى النهاية عن وجود مجتمع ديمقراطى. 

ويمكن توسيع نطاق التحليل بحيث يغطى عدداً من القضايا مثل: الاصلاح المؤسسى والمعلومات الاقتصادية والعمل السياسى.   فعلى سبيل المثال، غالباً ما تتشابك الهياكل المؤسسية فى اقتصاد السوق مع الهياكل المؤسسية فى الديمقراطيات الحديثة.  ومن أمثلة هذه العلاقات المفاهيم المتصلة بحقوق الملكية، وقوانين العقود وقوانين التجارة وجميعها تتطلب فى الوقت ذاته سيادة قواعد القانون. 

كما تمثل  حرية الصحافة مثالاً أخر.   فعلى نحو ما سبقت الاشارة إليه، يستلزم اقتصاد السوق المتطور حرية تدفق المعلومات الاقتصادية ومعلومات الاعمال.  فمبجرد أن تبدأ المعلومت الاقتصادية فى التدفق بحرية، يصبح من المستحيل تقييد نطاق النقاش بحيث يقتصر على الموضوعات الاقتصادية وموضوعات أنشطة الأعمال فحسب.   فمن المحتم، أن تؤدى  حرية انتقال المعلومات الاقتصادية إلى توسيع مساحة الديمقراطية فى المجتمع.

وثمة مثال ثالث ينبع من السياسية الاقتصادية.   فالاقتصادات التى  تظل رهينة لنمط احلال الواردات تضطر إلى اصلاح نظمها التجارية على نحو سريع باعتبار ذلك جزءاً من عملية التكييف.   فالاصلاحات فى هذا المجال  تشتمل على إلغاء القيود غير الجمركية على التجارة، ومن أمثلتها التراخيص، والحصص وغيرها من القيود الكمية على الواردات أو الصادرات.   ومن شأن هذا التحول أن يؤدى إلى ايجاد نمط مختلف لتدعيم عملية الاصلاح الاقتصادى. 

إلا أن النقطة الأكثر أهمية تتمثل فى أن الجدل الدائر بشأن التتابع الملائم لجوانب عملية الاصلاح لا تكون له أهمية سوى من خلال إلقائه الضوء على تطوير استراتيجيات الاصلاح ذات الجدوى.   وبهذا الصدد هناك أدلة متزايدة مؤداها وجود منطقة تحول يعبر عنها بمستويات نصيب الفرد من الناتج المحلى الاجمالى التى تمت خلالها كافة العمليات الناجحة للتحول نحو الديمقراطية.   وفى كتاب حديث، قام  صمويل هانتيجتون Samuel Huntington باستعراض للأدبيات، ويتقديم نتائج بحثه فى الجدول التالى الذى يبين العلاقة بين التنمية الاقتصادية وبين التحول نحو الديمقراطية الذى تحقق خلال السبعينات والثماينيات. 

التنمية الاقتصادية والموجة الثالثة فى مجال التحول نحو الديمقراطية

الاجمالى

عدد الدول غير الديمقراطية

(1976)

عدد الدول التى اتجهت

نحو الديمقراطية

(1974-1989)

عدد الدول الديمقراطية (1974)

 

متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلى الاجمالى (دولار)

34

31

2

1

أقل من 250

 

 

 

 

 

41

27

11

3

250 1000

26

5

16

5

1000 3000

23

3

2

18

أكثر من 3000

124

66

31

27

الأجمالــى

المصدر:  صموئيل هانتيجتون، الموجة الثالثة، 1991

استراتيجيات الاصلاح

لا توجد صيغ محددة يمكن للدول اتباعها لتحقيق الديمقراطية المزدهرة  المستندة إلى اقتصاد السوق. فكل دولة ينبغى أن تضع مجموعة الحلول التى تناسب الأوضاع القائمة بها.   وقد قام بعض المراقبين باجراء مقارنة بين روسيا والصين فى محاولة للحكم على ما إذا كانت السياسية التدريجية التى اتبعتها الصين للتحرر الاقتصادى هى أفضل من النمط الروسى أم لا.   وأما عن جاذبية النقاش حول هذه النقاط، فإن الاختلافات بين ظروف البلدين تعد شاسعة إلى الدرجة التى تفقد أية مقارنة معناها وحقيقة الأمر، أن المقارنة تغيب عنها وجهة النظر القائلة بأن التنمية تختلف عن إدارة الأزمة. 

ومن ثم، فإن الالمام بالظروف السائدة هو بمثابة نقطة البدء فى بناء الاستراتيجيات وبحث البدائل فبعض الدول، مثل الهند، توجد فى وضع أفضل نسبياً من حيث التنمية الديمقراطية والآفاق الاقتصادية.  وهناك دول أخرى، مثل روسيا، تواجه مصاعب جمة وخيارات احلاها مر.   ولكن لا يزال هناك على نحو ما أشار إليه هاجارد وأخرون ميزة فى التواجد فى وضع أزمة، مؤدى هذه المزية هو أن الازمة تدفع إلى القيام بعمل ما وتدفع التكنوقراط إلى وضع برامج اصلاح تكون قابلة للتطبيق وبهذا الصدد، تتواجد الهند ومعها عدد قليل من الدول الديمقراطية النامية الأخرى، فى وضع أفضل نسبياً وربما بدرجة أكبر مما تتصورها هذه الدول ذاتها. 

فهذه الدول، على  الرغم من المعوقات السائدة بها والمتمثلة فى انتشار الفقر وقصور المعروض من العمالة الماهرة، إلا أنها تمتلك رصيد من المؤسسات ومن الفنيين المنتجين الذين يمتلكون المعرفة فى مجالاتهم، ووسائل اعلام حرة ونشطة،  ومجموعات اجتماعية مدنية وجميعها من شأنها أن توفر مزايا يعتد بها، إذا ما اقترنت بالسياسة الاقتصادية الملائمة. 

وفى هذا الصدد، توجد عوامل عديدة يتعين بحثها عند وضع استراتيجيات الاصلاح.   أول هذه العوامل وأكثرها أهمية هو مستوى التنمية فى المجتمع، والاستقرار النسبى فى الاقتصاد.   فبدون وجود درجة معينة على الأقل من الاستقرار الاقتصادى الكلى، يكون من الصعوبة بمكان تنفيذ أى من أنواع استراتيجيات القيمة طويلة الأجل.   ومن ثم، فإن برامج الانقاذ التى يطبقها صندوق النقد الدولى ومن أمثلتها تلك المطبقة فى أمريكا اللاتينية وبعض دول أوروبا الوسطى والشرقية تنطوى على أهمية كبيرة فى ظل ظروف الأزمة.

وبالنظر إلى القضايا الأطول أجلاً فى مجالى التنمية والاصلاح يبدو أنه من غير الممكن تغيير هياكل المجتمع سوى على مدى جيل أو أكثر.   وتشتمل هذه العوامل طويلة الأجل على ما يلى: نوعية الشركات فى المجتمع، والرصيد من المؤسسات ذات التوجه السوقى ومهارات ومعارف السكان (رأس المال البشرى) وطبيعة منظمات المجتمع المدنى وجماعات الضغط، وخاصة أولئك الذين يمثلون قطاعات الأعمال والعمال ويتعين أن يتم الاضطلاع بأى عدد من الاصلاحات يلزم للتأثير فى هذه النواحى المجتمعه أو الهيكلة وهو ما تؤكد عليه كافة أعداد مجلة الاصلاح الاقتصادى اليوم فالطريق طويل ولكن على الأقل أصبح الهدف المتمثل فى الديمقراطيات ذات التوجه السوقى أكثر وضوحاً.