|
الهياكل القانونية لدفع النمو الاقتصادى
تأليف: كيث مولكنر
مع اقتراب القرن
الواحد وعشرين، يزيد التطلع للحكومات لتلعب دورا جديدا يهيئ المسرح لأصحاب
الأعمال للمشاركة فى النشاط الاقتصادى. فالحكومات مثلها مثل مدير المسرح
الذى يراقب عملية الانتاج بعيدا عن الضوء ولكن بكفاءة عالية. فبينما نجد أن
تأثير الحكومات يكون تأثيرا واضحا، نجد أن جهودها لتشكيل بيئة الاستثمار فى
أغلب الأحيان تكون جهودا خفية غير ظاهرة.
يقول خوسيه
سورزانو، رئيس مجلس إدارة مجموعة أوستن لاستشارات الاستثمار "يستطيع رجل
الأعمال فى نيويورك الاستيقاظ فى التاسعة صباحا وركوب الطائرة للذهاب إلى
دالاس ومقابلة رجل أعمال آخر وعقد صفقة أثناء غذاء عمل والعودة إلى نيويورك
فى الساعة الخامسة مساء. ويرجع السبب فى إمكانية عقد تلك الصفقات بين طرفين
لم يتقابلا من قبل إلى أن كل منهما يدرك أن هناك جهة يمكن الرجوع إليها فى
حالة الخلاف. فإذا قام إى منهما بغش الآخر، فأن الطرف المتضرر يمكن أن يطالب
باسترداد حقه من خلال النظام القضائى".
غير أنه فى كثير
من الأسواق الواعدة، يكون فشل الحكومات فى ضمان الحقوق الناتجة عن مثل تلك
الصفقات سببا فى صعوبة القيام بها. يقول سورزانو "عندما يقوم شخصان بالاتفاق
على إقامة عمل فى أمريكا اللاتينية، عادة لا يكون لديهما نفس الثقة بسبب غياب
طرف ثالث يضمن سريان وقوة تنفيذ العقد. أن الاستعانة بالقانون قد تكون عملية
بطيئة تتسم بالفساد عندما تتعامل مع نظام قضائى مضى عليه الدهر ولذلك يلجأ
أصحاب الأعمال إلى الاستثمار مع الأقارب والمعارف مما يحدد الفرص التجارية
أمام الجميع."
أن الإدارة
القوية تعتبر من عناصر البنية الأساسية السليمة مثلها مثل البنية الأساسية
الخدمية مثل المواصلات والاتصالات والكهرباء، حيث تمكن وتحفز وتحمى الانتاجية
الانسانية، بينما تعوق الإدارة الضعيفة الأداء الاقتصادى ككل. والتحدى الذى
يواجه صانعى السياسات يتمثل فى تحقيق التوازن البناء بين توفير المرونة التى
يحتاج إليها المستثمرون وبين حماية المجتمع من سوء الاستخدام.
وتعتبر اقتصاديات
السوق الحر كفلسفة لحسن الإدارة ظاهرة حديثة نسبيا. فالأنشطة الاقتصادية، من
المنظور التقليدى، نشأت على عاهل السلطة الملكية وبالتالى كانت الأنشطة
الوحيدة السليمة هى الأنشطة التى صرح بها قانون أو قرار (مثل صدور مرسوم ملكى).
وقد استمرت هذه الفلسفة دعامة للمنظمة الاقتصادية فى كثير من المجتمعات خلال
القرن العشرين وبالذات فى الدول التى تبنت الأيديولوجيات المساندة للمركزية
الحكومية مثل الفاشية والشيوعية. وعلى العكس من ذلك، فأن الفرد، فى الاقتصاد
القائم على السوق الحر يكون عادة فى وضع أفضل لاتخاذ قرار خاص بالاستثمار.
فعلى العكس من المجتمع الاقطاعى، أى نشاط لا ينص النظام القانونى على منع
القيام به يكون نشاطا سليما.
ومن أجل تمكين
الاستثمارات الخاصة من النمو، يجب ألا يكتفى النظام القضائى بعدم التعرض
للمستثمرين بل يجب أن ينشء هياكل مركبة تمكن وتشجع وتساند نشاط الاستثمارات
الخاصة. وتضم تلك الهياكل سلسلة متناغمة من القوانين بدء من قوانين الشركات
التى تمكن من إنشاء الكيانات التجارية وانتهاء بقوانين الإفلاس بما يمكن من
التصفية العادلة وإعادة التنظيم فى حالة العجز عن الوفاء بالدين. وبالطبع،
فأن القوانين المحكمة لا تكفى وحدها، بل يجب أن يساندها هيئات تنظيمية ونظام
للمحاكم. هذا النوع من القوانين "التمكينية" وآليات التنفيذ المصاحبة لها
أصبحت محورا جديدا من المحاور التى ينتبه إليها صانعى القرار والقائمين على
عملية الاصلاح الاقتصادى فى العديد من الأسواق الواعدة.
تمكين الفرد
يمكن تحديد ثلاثة
نقاط رئيسية لتوضيح أهمية تمكين التشريعات من السريان. أولها أن تمكين
التشريع يدفع النمو الاقتصادى إلى حد أنها تفتح اقتصاد السوق أمام مشاركة
شرائح كبيرة من المجتمع. فقوانين الشركات والمشاركة والمساهمة القائمة على
قواعد واضحة وحرة لإنشاء الاستثمارات والمؤسسات الغير ربحية تعد مسألة
حيوية. أن هذه القوانين يجب أن تسمح للمواطنين بتحديد المهمة الخاصة بهم
(على سبيل المثال، فى شكل لوائح تنفيذية). ويجب أن تكون العوائق
البيروقراطية مثل متطلبات التسجيل والتراخيص عند حدها الأدنى. فطبقا لمفهوم
الأعمال، يكون الهدف العام من تلك القوانين هو تشجيع الأفراد على اتخاذ
القرار الذى يكون فى صالحهم وعلى مسئوليتهم.
واليوم نجد أنه
فى كثير من الدول، يكون الحصول على ترخيص لتشغيل استثمار ما مسألة فى غاية
الصعوبة. وفى أحيان أخرى قد يحدد ترخيص العمل ذاته حرية المستثمر فى
الابتكار إذا اقتضى الأمر القيام بإجراءات لتعديل الترخيص. أن النظم
القانونية التى تحبط المستثمر بهذا الشكل تؤدى فى النهاية إلى عرقلة النمو
الاقتصادى. وكما كتب هرناندو دى سوتو (انظر الاصلاح الاقتصادى اليوم عدد
"حقوق الملكية والديمقراطية، 1996، صفحة 2) فأن مثل تلك النظم القانونية تؤدى
بمن يفكر فى الاستثمار نحو القطاع الاقتصادى غير الرسمى بما يتبعه ذلك من
نتائج سلبية. وعلى النقيض من ذلك، فأن القوانين المواتية للسوق تيسر انضمام
الاستثمارات الجديدة إلى قطاع الاقتصاد الرسمى عن طريق إنشاء هياكل مساندة
تمنحها الاعتراف القانونى والشخصية القانونية.
وبينما بدأت
الكثير من الدول فى الحد من المعوقات إلا أن الطريق مازال يحتاج إلى المزيد
من التمهيد. فعلى سبيل المثال، كان تسجيل المشروع الجديد فى بيرو يحتاج إلى
210 يوم فى المتوسط فى أواخر الثمانينات. وقد أدت الإجراءات الاصلاحية التى
قامت بها حكومة الرئيس البرتو فوجيمورى إلى تخفيض هذه الأيام بشكل جذرى إلى
يومين فقط. ولكن فى عالم اليوم الذى يسوده روح المنافسة، لا يتسع الوقت أمام
المسئولين وأصحاب الأعمال حيث يمكن تسجيل مشروع جديد فى ميامى (أحد عواصم
الأعمال الرئيسية لأمريكا اللاتينية) فى أربع ساعات فقط.
ثانيا، أن النظام
القانونى للسوق الحر يدفع النمو الاقتصادى عن طريق ضمان الحقوق الخاصة بما
يحفز ويؤكد روح العمل الخاص. أن حقوق الملكية تعد بالطبع أساسية وجذرية لهذا
النظام سواء كانت الملكية قابلة للانتقال أو غير قابلة للانتقال بل وحتى
بالنسبة للملكية غير المادية مثل الأفكار والرموز والتعبيرات (مثل براءات
الامتياز، العلامات التجارية، الأسماء التجارية، حقوق النشر).
حماية حقوق المستثمرين
بالإضافة إلى
ذلك، قامت العديد من الدول بسن تشريعات خاصة لتشجيع الاستثمار، حيث يمكن أن
تلعب تلك القوانين وظيفة هامة فى حماية حقوق المستثمرين فيما لا يقوم بحمايته
النظام القانونى. فعلى سبيل المثال، كثير ما تحد تلك القوانين من قدرة
الحكومات على تأميم الملكية الاستثمارية وتضع معايير للتعويض عن الأصول فى
حالة المصادرة. وفى حالة النظم القانونية التى تمر بمرحلة تحول رئيسية (كما
هو الحال فى شرق ووسط أوربا والاتحاد السوفيتى سابقا فى الفترة التالية
مباشرة لانحسار الشيوعية) أدى سن قوانين خاصة بالاستثمار إلى تحقيق غرض هام
بسرعة كبيرة ألا وهو غرض حماية الحقوق الأساسية للمستثمر وهى الحقوق اللازمة
لتشجيع الاستثمارات الخاصة سواء كانت استثمارات محلية أم دولية.
وبالطبع، لن تنجح
قوانين الاستثمار الخاصة فى دفع النشاط الاستثمارى إذا فرضت إجراءات إدارية
ثقيلة الأعباء على المستثمرين. فعلى سبيل المثال، اتجهت تشريعات الاستثمار
الصادرة عن بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق بعد الاستقلال مباشرة إلى
فرض إجراءات ثقيلة العبء لتسجيل وترخيص الاستثمارات.
ولتوضيح ذلك، فأن
قانون الاستثمار الأجنبى الروسى لعام 1991 فرض تسجيل جميع الاستثمارات
الأجنبية والموافقة عليها من خلال تقديم أوراق ومستندات بالغة التعقيد مثل
خطط عمل وتقارير تفتيش على الخبراء. كما فرضت الحصول على موافقة مجلس
الوزراء على أى مشروع يزيد رأس ماله عن 100 مليون روبل (ما يساوى 835 ألف
دولار فى نهاية 1991).
بل والأكثر من
ذلك، فأنه فى ظل هذا القانون يمكن إلغاء الموافقة إذا لم يقم المسجل بالإعلان
عن ما لا يقل عن نصف رأس المال المصرح به خلال سنة من التسجيل. ولذلك، أجبر
المستثمرون على المضى بالسرعة التى تحددها الحكومة بدلا من السرعة التى
يحددها حكمهم على الأمور وإلا تعرضوا بعامل التأخير إلى تكبد مبالغ كبيرة
لإعادة التسجيل. وعلى العكس من ذلك، نجد أن الإصلاحات الأخيرة فى القانون
الروسى والقرار التنفيذى الخاص (القرار الجمهورى رقم 1466 لعام 1996) قد خفضت
من العبء الإدارى على المستثمرين عن طريق تبسيط قواعد إجراءات التسجيل
والترخيص.
وتكمن ثالث
الأسباب فى أهمية التمكين من تنفيذ التشريعات فى أنها تخلق بيئة تشجع الأفراد
على اتخاذ قرارات اقتصادية رشيدة. ويتم ذلك بشكل عام من خلال تخفيض المخاطر
غير التجارية. والمثل الأوضح على ذلك نجده فى قانون العقود حيث ينتج ضرر
واضح عن خرق العقود بما يمنح الأفراد الثقة عند إبرام العقود.
وتعتبر قوانين
البنوك والتمويل أحد المجالات الأخرى التى تلعب حسن الإدارة فيها دورا هاما
لتشجيع مجتمع الاستثمار على اتخاذ قرارات اقتصادية رشيدة. فمن خلال الإشراف
على النظم البنكية وتأمين ودائع البنوك، ترتفع الثقة العامة فى الإدارة وتزيد
الإيداعات. ويؤدى ذلك بدوره إلى زيادة حجم الاقتراض والائتمان بما يدفع
النمو الاقتصادى. أن هذه القوانين تقلل من المخاطر لدى المقترضين وتشجع على
الاقتراض بالسماح للمشروعات والمستهلكين بالاقتراض مقابل أصول مضمونة.
الثقة هى الأساس
أن فشل النظام
القانونى فى توفير مثل تلك البنية الأساسية للأنشطة المالية يمكن أن يؤدى إلى
قصور رأسمالى وأن يصيب النمو الاقتصادى بالاختناق. ونجد هنا فى الضفة
الغربية وغزة مثالا واضحا. فقد أدى توقيع الاتفاق الفلسطينى الإسرائيلى
وقيام حكومة فلسطينية عام 1993 إلى قيام العديد من البنوك الأجنبية والمحلية
بفتح فروع جديدة لها لخدمة مناطق الحكم الذاتى الفلسطينى وقد ارتفعت الودائع
بما يزيد عن 1000% خلال عامين.
إلا أن عدم وجود
قوانين وأنظمة مناسبة لقطاع البنوك أدى إلى انخفاض معدلات الاقتراض التجارى
بشكل حاد. كما ولد غياب قوانين وقواعد حديثة للبنوك وغياب القدرة الإشرافية
حالة من عدم الاستقرار فى قطاع البنوك الفلسطينى صاحبها عدم قدرة النظام
القانونى على مساندة عمليات التبادل والاقتراض الآمن. وقد ترددت المزاعم بأن
بعض البنوك قامت بتحويل الودائع إلى الخارج لإقراضها فى أسواق خارجية أكثر
أمنا. ونتج عن ذلك أزمة إقراض محلية حادة أدت إلى الفوضى التى صاحبت محاولة
الفلسطينيين إعادة تعمير الاقتصاد اللاحقة على الانفصال عن أسواق العمل
الاسرائيلية. وتقوم السلطات النقدية الفلسطينية مؤخرا بالعمل بمساعدة صندوق
النقد الدولى على تصحيح القصور فى البنية القانونية من أجل حل تلك المشاكل.
وفى معظم
الحالات، نجد أن العائق الأكبر أمام تنفيذ أحكام التشريعات المساندة
لاقتصاديات السوق يتمثل فى فشل صانعى القرار فى تفهم التكلفة الناجمة عن
التزيد فى الرقابة الحكومية على أنشطة القطاع الخاص. فاقتصاد السوق الحر
يمثل نظاما أكثر تركيبا من الاقتصاد القائم على التخطيط المركزى. أن
الديناميكية التى يتسم بها اقتصاد السوق قد تبدو، لمن هم غير معتادين على مثل
هذه العلاقات المركبة، وكأنها عشوائية وفوضوية. ولك أن تراقب العنف والصخب
والهياج الذى اجتاح شوارع مدينة تشى منه بعد إعلان دستور فيتنام عام 1992
الذى وضع أسس أنشطة اقتصاد السوق كقطاع شرعى من قطاعات الاقتصاد الوطنى.
أن فرض النظام
على حالة الفوضى هو مسألة ضرورية ولازمة للحكومات. فالشعوب تعتمد على
الحكومات لوضع القانون والنظام والمحافظة عليهما فبدونهما لا يمكن أن ييقى
المجتمع المدنى. غير أنه، إذا تحدثنا عن الاقتصاد، يتحقق النظام الكامل عندما
تضع الحكومات مجموعة من القواعد وتخلق مجموعة من المؤسسات التى تمكن وتشجع
وتساند روح العمل الحر وتجمع الأفراد فى تنظيمات لا تهدف إلى الربح. وقد بين
التاريخ بوضوح أن محاولات فرض رقابة على الاقتصاد الجزئى من المركز يؤدى إلى
خنق روح المبادرة والى الركود الاقتصادى.
فالقوة الرئيسية
لروح العمل الحر تكمن فى إشعال روح الابتكار واقتصاد السوق يعد قوة دافعة
لأنه يحل القدرة البشرية الفطرية من القيود ويدفعها نحو اعادة تشكيل العالم
مرة بعد أخرى. ومهما تمكنت الحكومات من تغذية تلك القدرة فأنها لا يمكنها
تحسينها، ولكن السوق الحر يفرض مسئوليات إضافية على الأفراد والمجتمع.
وبينما يمكن أن
يؤدى السوق الحر الى النمو الاقتصادى وتوفير مستوى معيشى أفضل والسماح باتساع
حدود الاختيارات الاقتصادية أمام الأفراد، إلا أنه لا يستطيع أن يخلق القيم
التى ترقى بالنفس الإنسانية وتوجه اتخاذ القرار الاجتماعى والاخلاقى. فهذه
القيم تنشأ من المجتمعات التى تحافظ عليها وتغذيها وتورثها إلى الأجيال
المتتابعة، جيل بعد جيل |