تأمين حقوق الملكية ونشأة الأسواق

شهدت سنوات الثمانينيات تغيرات كبرى فى الفكر الاقتصادى وبدايات إصلاح السياسات الاقتصادية فى العديد من دول العالم، ففى أوربا الشرقية والوسطى، أدى نقص السلع الأساسية والركود الاقتصادى إلى التأكد من إفلاس الاشتراكية.  وفى الدول النامية فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أدت السياسات التى تعتبر صدى للاشتراكية (المشروعات المملوكة للدولة، والانغلاق الاقتصادى والتحكم فى الأسواق) الى اختناق النمو الاقتصـادى فى عشرات من الاقتصاديات الواعدة.  ولكن، ونحن نشهد بقايا التجربة الاشتراكية، لم يقدم أحد بعد خطة عمل واضحة لتحقيق الإصلاح الاقتصادى المبنى على آليات السوق.

وقد قام هرناندو دى سوتو[1]، رئيس معهد الحرية والديمقراطية فى بيرو ومدير العديد من الشركات فى بيرو، بالمبادرة بمواجهة هذا التحدى فى كتابة "الطريق الآخر" الذى ألفه عام 1986. قام هرناندو دى سوتو بتـعريف معوقات نمو القطاع الخاص، تلك المعوقات التى كانت خافية بالنسبة للآخرين.  قال دى سوتو أن المعوق الرئيسى يتحدد فى المؤسسات الضعيفة، فالمؤسسات التى أدت الى كفاءة أداء الأسواق فى الدول المتقدمة (بما فيها قوانين التعاقد والأسواق المالية والنظم التشريعية) لا تتوفر عادة فى دول نامية مثل بيرو. ويستطيع من يزور ليما أن يشهد حركة الأسواق بالنسبة للمنتجات المحلية ولكن غياب الإطار المؤسسى السليم يعنى إمكانية تحديد القوى الاستثمارية الكامنة فى الدولة.

وربما تكون حقوق الملكية هى العنصر المؤسسى الأكثر وضوحا.  فملاك الأراضى والأسهم والملكية الفكرية يعزفون عن الاستثمار فى تحسين ممتلكاتهم إذا كانت حقوقعن غير آمنة باعتبارهم ملاك.  وبالمثل،  إذا لم يكن بالإمكان بيع وشراء الملكية مع توافر الثقة الكاملة بأن السلطات المسئولة لن تعرقل عملية التبادل تلك، ستفشل قوى السوق فى توليد حركة نمو ديناميكية.  أن غياب حقوق الملكية عامل من العوامل الهامة التى تدفع الأفراد خارج السوق الرسمى ونحو القطاع غير الرسمى.

حقق هذا الكتاب أرقام مبيعات مرتفعة وغيرت أفكار دى سوتو مجرى الجدل حول السياسات الاقتصادية.  وعلى سبيل المثال، قام مركز المشروعات الدولية الخاصة والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عام 1987، بـرعاية مؤتمر يتمحور حول حقوق الملكية باعتبارها شرط ضرورى للنمو الاقتصادى.  حضر المؤتمر ممثلون عن منظمات من 35 دولة، ومع بداية التسعينيات، لم تعد الآراء التى عبر عنها دى سوتو فى كتابه آراء مرفوضة بل مقبولة من فئة كبيرة من المفكرين.

وقد قامت مجلة الاصلاح الاقتصادى اليوم بإجراء مقابلة مع دى سوتو حول دور صانعى سياسات المؤسسـات والشخصيات القيادية لقطاع الأعمال فى وضع ضمانات لحقوق الملكية فى الأسواق العالمية الناشئة.  فنقرأ الحديث الذى تم مع دى سوتو.

الإصلاح الاقتصادى اليوم:  عندما تنظر الى الديمقراطيات الغربية، ستجد أن لدى جميع تلك الديمقراطيات نظم قوية تحمى حقوق الملكية، فهل يعتبر خلق مثل هذا النظام عاملا هاما بالنسبة للديمقراطيات الناشئة؟

دى سوتو:  أعتقد أن أول ما يلفت الانتباه فى الديمقراطيات الناشئة هو تمتعها بحقوق الملكية.  قد تسودها نظم مختلفة لحقوق الملكية ولكنها تشترك جميعا فى ميزة واحدة هى حماية حق الفرد فى مبادلة حقوق الملكية الخاصة به.  فلا تقتصر أهمية حقوق الملكية على إدراكك بأنك إذا كنت المالك الأصلى لأحد الأشياء، فإنه يمكنك فرض هذا الحق، وإنما تمتد تلك الأهمية إلى تيقنك بأنك إذا قررت أن تبيع هذا الشئ، فأن من سيشتريه أو يستخدمه كضمان مالى للقيام بأغراض تجارية سيشعر بالأمان تجاه تلك المبادلة.

ففى كثير من الدول النامية أو الأسواق الناشئة، لاتوجد حقوق للملكية.  إلا أن تلك الدول والأسواق لا تـملك الإطار القانونى المكمل لتلك الحقوق، ذلك الإطار الذى نجده فى الدول المتقدمة والذى يسمح بتحويل حق الملكية الى عملة نقدية.  أن هذا الإطار القانونى يوفر حماية تسمح للملكية بأن ترتفع الى قيمة مرتفعة الاستخدام مع قدر كبير من الأمان.

وفى معظم الأسواق الناشئة بدء من روسيا الى أمريكا اللاتينية، هناك من يتمتعون بحوزة أملاك لم يكن لهـم الحق فى حوزتها من قبل.  ولكن الآلية الحكومية الممثلة فى الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية لم تضع الإطار والمؤسسات اللازمة لحماية حقوق الملكية.

وهناك من يقول بأن حقوق الملكية غير موجودة فى تلك الدول لأنه لم يتم التعبير عن تلك الحقوق تعبيرا قانونيا.  أن تلك الجماعات بنواياهم الطيبة يريدون حماية حقوق الملكية، إلا أنهم لا يدركون أن ما يتحدثـون عنه يكون فى كثير من الأحيان حماية أو تعزيز سيادة مجموعة وطنية خاصة وليس حقوق الملكية.  وينتج عن ذلك مواجهة لا حاجة إليها بين حماية سيادة جماعة معينة وبين حقوق ملكية الافراد داخل تلك الجماعة.

ولا نريد أن نطيل الحديث، فالنقطة الهامة هنا هل سيكون هناك حركة سياسية فى الأسواق الناشئة لخـلق الإطار القانونى اللازم لحماية حقوق الملكية الخاصة.  تتمثل الخطوة الأولى فى اكتشاف حقوق الملكية الموجودة فعلا ثم ننتقل الى الخطوة الثانية لنتعلم من تطور النماذج المختلفة المستخدمة فى العالم الغـربى والكيفيـة التى نشأت بها المنظمات لتنظم وتحمى تلك الحقوق بشكل قانونى.  وقد نشأت الكثير من تلك النظم تلقائيا فى كثير من الدول واستمرت خلال الفترة الماضية التى تتراوح بين 50 و200 عاما.

الإصلاح الاقتصادى اليوم:  هل تستطيع وصف العلاقة بين النظم القوية لحقوق الملكية وبين المؤسسات الديمقراطية؟

دى سوتو:  العلاقة علاقة قوية جدا.  للديمقراطية دور كبير فى وضع نظام فعال لحقوق الملكية بمعنى انه لا يمكنك وضع هذا النظام إلا إذا عرفت كيف ينظر الناس على مستوى القاعدة الشعبية إلى علاقتهم بالأشياء وبالأرض وبالأصول.  وبعد أن تتعرف على ذلك، يمكن تحويل حقوق الملكية الى إطار قانونى فعال.

ففى الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كان هناك عدة آليات خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تعترف بدور الأوائل فى فرض حقوق الأراضى على الرغم من عدم وجود إطار قانونى فى ذلك الوقت. وبدلا من الاحتفاظ بالتقاليد البريطانية التى تقبل القوانين التى وضعها الملك والقضاء، قبلت الحكومة الأمـريكية فكرة أن للأفراد طرقهم فى تسوية كثير من قضايا الملكية وأنهم قاموا بوضع عقود اجتماعيـة محلية بناءة.  ونتيجة لذلك، تم وضع نظام فعال لحقوق الملكية على مستوى الدولة ولم يتم استخدام القانون الـوارد من إنجلترا.  لقد تم بناء النظام على أساس نظام ديمقراطية القاعدة الشعبية ومبادئ المساواة المبنية على أسـاس أن كثير من الفقراء فى الولايات المتحدة طالبوا بحقوق لهم تم الموافقة عليها من غالبية السكان وبذلك ظلوا فى الأراضى الأمريكية.

وقد ابتعدت التشريعات الأمريكية عن استيراد القوانين من بلاد أخرى وعلى الرغم من أن التشريعات الجديدة تتسم بالشرعية التى تفتقدها القوانين الشعبية، إلا أن الاعتراف بالقوانين التى وضعها الأفراد هو اعتراف كامل. فإذا كانت الديمقراطية هى حكم الشعب فأنها تعنى أيضا، من بين ما تعنيه، أن للأفراد قوانين اجتماعية يجب الاعتراف بها وحمايتها، وهى تعنى أن الدولة تنسج حقوق الملكية فى نسيج عقد اجتماعى ممتد الأثر.

هذا النـوع من الديمقراطية لا يوجد فى دولة مثل دولتى ولكن يمكن أن يستفيد الأفراد فى الدول ذات الاسواق الناشئة بالنظر إلى تاريخ الولايات المتحدة لفهم تطورها ومعنى الديمقراطية بها بدلا من النظر الى الولايات المتحدة فى القرن العشرين عندما أصبحت جميع أسس حقوق الملكية والديمقراطية أسس مستقرة ولكنها لسوء الحظ، أسس غير مرئية.

وإذا تحدثنا عن أمريكا اللاتينية، فأننا نحاول على مدار المائة وسبعين عاما الماضية أن نكون مثل الديمقراطيات الغربية ونواجه الفشل فى ذلك على مدار المائة وسبعين عاما.  فلدينا نظم لانتخاب حزب سياسى وتفويض حكومة ما للرئاسة ولكن تلك الديمقراطية السارية لا تمتلك مثل الآليات الأمريكية التى تكسبها دعم القاعدة الشعبية.  فما الذى فعلناه؟  لقد قمنا ببساطة باستيراد نظام قانونى يوضح لنا أنه بصرف النظر عن التقاليد المحلية السارية، فأن حقوق الملكية تتحدد بهياكل قانونية سابقة التجهيز تم استيرادها من عقود اجتماعية غريبة علينا نابعة من سياق وواقع مختلف عن الواقع والسياق المحلى.

لإصلاح الاقتصادى اليوم: لماذا فشلت الجهود التى سبق بذلها خاصة من قبل المؤسسات الدولية المانحة فى توسيع قاعدة ملكية الأراضى فى الديمقراطيات الناشئة؟  وكيف ترى إمكانية أن تؤدى الجهود التى سيتم بذلها فى المستقبل الى خلق نتائج أفضل فى هذا الصدد؟

دى سوتو:  إذا راجعت سجلات النجاح والفشل، ستعرف أن هناك أسباب متعددة لفشل المؤسسات الدولية المانحة فى توسيع قاعدة ملكية الأرض.

تتمثل المشكلة الأولى فى فشل تلك المؤسسات فى إدراك أننا لا نشترك مع الولايات المتحدة فى النقطة التاريخية التى بدأت منها.  ونتيجة لذلك، عندما تأتى تلك المؤسسات الى دولة ما مثل بيرو، تقوم بالتأكيد على دور الأنشــطة باهظة التكلفة التى تستهلك كثيرا من الوقت مثل الخرائط الدقيقة والتنظيم الالكترونى للمعلومات المتاحة.  نقول أن المعدات والخرائط التفصيلية هامة ولكنها لا توضح الموقف الفعلى الذى يبين لنا "مـن يمتلك ماذا" لأن ذلك يتحدد أساسا على مستوى القاعدة الشعبية وليس من خلال مستندات بيانية أو مستندات رسمها الحاسب الآلى.  هذه المعلومات تتحدد فقط من خلال وسائل قانونية وسياسية، وعندما يتم استخدام تلك الوسائل القانونية والسياسية، يمكننا حينئذ أن نستخدم المعدات والخرائط التفصيلية.

وكما قلت من قبل، الملكية هى نوع من أنواع العقود الاجتماعية بين الأفراد وهى شئ سياسى لأبعد الأمور.  فعلى سبيل المثال، هناك أنواع معينة من الحشائش تنمو فى مناطق معينة ويلتزم المجتمع فى تلك المـناطق بعـدم حصد تلك الحشائش لأنها تستخدم مرعى للحيوانات.  وينطبق ذلك على بعض الأماكن فى مدن وقرى أخرى يرى الأفراد حق استخدامها بشكل مؤقت.  وعلى النقيض من ذلك، تؤكد المؤسسات الدولية المانحة أهمية البعد التقنى لرسم خطوط دقيقة للحدود بدلا من التعرف على العقود الاجتماعية السارية فيما يتعلق بملكية الأرض.  وينسى كثير من الخبراء أن الأفراد قد اتفقوا فيما بينهم على حقوق الملكية قبل استخدام الحاسبات الآلية ومعدات تحديد مساحات الأرض.

وتتمثل المشكلة الثانية فى ميل كثير من المؤسسات المانحة الى استخدام سجلات الملكية القائمة مباشرة وهى سجلات لا تعكس ما يجرى فى أرض الواقع.  فعلى سبيل المثال، إذا وظرت فى بيرو الى السجلات الرسمية فقـط، ستجد فوضى كاملة، فكثير من الحقوق المسجلة غير سارى المفعول لأن الدولة قامت بإعطاء حقوق ثم بإعادة منح الحقوق (بمساعدة أو بدون مساعدة خارجية) أكثر من أربعين مرة.  ولذلك نجد فى بعض الحالات، أن هناك عشرات من المستحقين لنفس مساحة الأرض ويبقى السؤال حول الجهة الحقيقة صـاحبة الحق. ويصدق ذلك بشكل خاص عندما يخرج أحد الأفراد بمستندات كانت كامنة لفترة طويلة من الزمن ثم تخــرج تلك المستندات إلى واقع تم تجاهله طويلا.  قد تكون تلك المستندات قانونية على الورق ولكن فى واقع الأمر تم استبدالها بمعتقدات أشد قوة من قوة تلك الأوراق.

خلاصة القول، أن الملكية لا تعنى مجرد الالتزام بأوراق لوجود تلك الأوراق فى أرض الواقع.  فالقوانين تتغير مع مرور الوقت وتكمن العبقرية فى خلق حقوق الملكية فى تحديد العقد الاجتماعى السارى فيما يتعلق بالحقوق تجاه أحد الأصول بعينها ثم تقنين هذا الحق. وهذا هو ما حدث فى اليابا بعد الحرب العالمية الثانية عندما احترمت قوات الاحتلال الأمريكى الحقوق على مستوى القاعدة الشعبية، تلك الحقوق التى حددها اليابانيون أنفسهم، واتخذوا منها مصدرا للقانون.

المشكلة بالنسبة للمؤسسات الدولية المانحة أنها ابتعدت عن تلك الحقيقة وتجاهلت أن الملكية مسألة حية وأنها مشتملة فى المعتقدات الاجتماعية وهى مرتبطة بشدة بمسالة الديمقراطية.  ولا نريد بذلك القول بأننا لسنا فى احتياج للخرائط والمسوح والحاسبات الآلية التى تمكنا من تدقيق البيانات.  ولكن المشكلة فى دول أمريكا اللاتينية والاتحاد السوفيتى سابقا هى أن المعدات، على الرغم من تواجدها، قد تفتقد الى الآليات اللازمة للتعـرف على وتنظيم على المعلومات الحيوية التى يعرفها الأفراد على مستوى القاعدة الشعبية حول من يملك ماذا وما هى حقوقهم الاساسية.  ويتمثل الحل الوحيد السليم فى الاعتماد على القواعد التى وضعها الأفراد بتلقائية فى أوقات سابقة.

الإصلاح الاقتصادى اليوم:  هل يمكن إعادة ترتيب ما قامت به المؤسسات المانحة العديدة أم أن هذه العملية عملية معقدة ليس بالإمكان عودتها الى المسار الصحيح؟

دى سوتو:  أولا وكما سبق وأن ذكرت، يجب على المؤسسات المانحة أن تدرك أن فى بلادنا قوانين غير مكتوبة بعيدا عن تلك القوانين المكتوبة.  تلك القوانين غير المكتوبة أقوى من القوانين المكتوبة لأنها تحصل على اعتـراف معظم السكان.  وإذا أراد الخبراء المساعدة فى كتابة قوانين جديدة، يجب أن يتأكدوا أولا من أن تلك القـوانين تعكس ما يؤمن به الأفراد.  يجب أن تنبنى تلك القوانين على أساس العقد الاجتماعى القائم حتى يطيعها الأفراد وتصبح قابلة للنفاذ. وإلا ستكون وكأنك تدعم قوة الحقوق الورقية لهؤلاء الأفراد الذين يملكون نفوذ سياسى أو ميزات الاتصال بالنظام التشريعى مقابل حقوق الأفراد الذين يملكون الأرض بالفعل.

وفى كل مرة تأتى أحد المؤسسات المانحة وتشرع فى المحاربة من أجل ما هو على الورق، قد تعيد الى الحيـاة دساتير سياسية لم تعد تعكس فى كثير من بلادنا، ماهية الملاك الحقيقيين للأراضى والأصول الأخرى. فعلى سبيل المثال، فى حالة قيام الولايات المتحدة بإرسال بعثة فنية الى اليابان بعد الحرب العالمية الثانية مهمتها الوحيدة تحديث نظام حفظ سجلات الأراضى والمسح ورسم الخرائط، كان سيؤدى ذلك الى إثارة الطبقة الأرستقراطية للنزاع حول ملكية الأراضى فى حين أن صغار المزارعين هم الملاك الواقعيين للأرض على مدار أربعمائة عاما على الرغم من أن الملاك الحقيقيين يفرضون عليهم ضرائب مرتفعة.

إننى أشعر بتشاؤم شديد عندما أفكر فيما يمكن تحقيقه فعلا، إلا إذا أدركت الجهات المانحة إدراكا كاملا أن من الأشياء الرائعة التى حدثت فى معظم الدول الأوربية وفى الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، قيام ثورة هائلة فيما يتعلق بحقوق الملكية.  لقد تم تحويل الأصول التى دابت عائلات معدودة على امتلاكها الى نظام حديث لحقوق الملكية يمكن بمقتضاه قيام أى شخص بامتلاك تلك الأصول ومبادلتها بسهولة.

وبالطبع تتمثل المشكلة اليوم فى معظم الأسواق الناشئة فى قيام غالبية الأفراد بالحياة والعمل فى أراض واستـخدام تلك الأراضى بدون وجود صفة قانونية لوجودهم هذا، على الرغم من أن جيرانهم ينظرون الـى تلك الارض باعتبارها ملكا لهم.  ولا تستطيع الحكومة أن تحلم بتغيير الوضع القائم على تلك الأرض.  إلا أنه بدون تلك الصفة القانونية، لا يوجد طريق لبناء نظام يضمن حصول هؤلاء على القروض الائتمانية أو خدمات المياه والكهرباء والتليفونات.  ويمكن للقطاع الخاص أن يوفر تلك الخدمات طالما وجدت سيطرة كافية على المخاطر الأساسية المرتبطة بذلك.

وهذه هى مشكلتنا الرئيسية اليوم.  إلا أن كثيرا من الخبراء الذين يعملون مع المؤسسات المانحة حولوا الى بلادنا قضايا ومسائل لا تحتل موقع الأهمية الأولى فى بلادنا، على الأقل فى الوقت الراهن.  ولنأخذ مثالا على ذلك مثال حقوق الملكية الفكرية.  كيف يمكنك أن تقنع شخص لا يتمتع بحقوق الملكية القانونية فيما يتعلق بشئ ملمـوس مثل بيته، بأنه ممنوع من تقليد علامة تجارية معروفة أو أنه إذا قام بتأليف أغنية، فأن تلك الأغنية تكـون ملكا كاملا له ممنوع نسخها أو الاقتباس منها؟  أن حقوق الملكية الفكرية هى حقوق أساسية حيوية ولكن ما لم توضع تلك الحقوق فى سياق له معنى بالنسبة للغالبية، فأنها تكون صعبة النفاذ والتطبيق.

ولذلك أوصى الجهات والمؤسسات المانحة بأن تتقبل فكرة أن عليهم تعلم ما يجرى فى بلادنا على مسـتوى القاعدة الشعبية حتى ينتج عن المساعدات التى يقدمونها الفائدة المرجوة.  وعليهم أيضا أن يعلموا أن مشاكل عدم استقـرار العمليات السياسية فى بعض دول أمريـكا اللاتينية وآسيا والاتحاد السوفيتى سابقا تنتج عن ابتعاد بعض منظمات الدولة عن الواقع على مستوى القاعدة الشعبية.

الإصلاح الاقتصادى اليوم:  لقد عملت لسنوات طويلة فى محاولة تسهيل إجراءات تسجيل قطاع الأعمال غير الرسمى وتحويله الى كيان شرعى، فإلى أى مدى تكللت جهودك بالنجاح فى مجال تحسين مستوى معيشة الأفراد فى قطاع الأعمال غير الرسمى ما هى الإجراءات المطلوبة لدفع تلك العملية الى الأمام؟

دى سوتو:  علينا أن نتذكر أولا أن ميزانية المشروعات التى قمنا بتنفيذها فى مركز المشروعات الدولية الخاصة ميزانية محدودة للغاية قياسا على ما أنفقته دول أخرى مقابل ما حققته من نتائج بالفعل.  وثانيا، فأن تلك البرامج كانت برامج خاصة بالفعل وحققت نتائج جديرة بالاحترام.

فخلال تولى إدارة فوجيمورى للرئاسة،  تم تسجيل أكثر من 300 ألف قطعة ارض تسجيلا قانونيا ونتيجة لذلك زادت إنتاجية تلك الأراضى بحوالى 40% مقارنة بتلك الأراضى التى لم يتم تسجيلها قانونيا.  ويتمتع حوالى 25% من الملاك اليوم بإمكانية الحصول على قروض بنكية حيث يمكنهم استخدام وضعهم القانـونى كضان للقروض التى يحصلون عليها من البنوك.  وعلى الرغم من أن كثير من هؤلاء كانوا يمكنهـم الحصول على قروض من بعض البنوك الصغيرة والمنظمات العاملة فى إطار المشروعات الصغيـرة، فأن معظمهم كان يعتمد على الحصول على قروض من خلال وسطاء يحصلون منهم على معدلات فائدة ورسوم مرتفعة الى أقصى الحدود. وفى نفس الوقت، زادت قيمة المنازل فى المناطق الحرية بحوالى 200% فى المتوسط بعد أن تم تسجيلها ومنحها وضعا قانونيا وستستمر الزيادة فى قيمة تلك المنازل.

لقد حولنا أكثر من 276 ألف مشروع من قطاع الأعمال غير الرسمى الى قطاع الأعمال الرسمى وذلك من خلال إعادة هيكلة الإجراءات وإزالة المعوقات التى تقف أمام أصحاب المشروعات عند تسجيل مشروعاتهم قانونيا وتخفيض عدد الأيام اللازمة لذلك من 300 يوم الى أقل من يوم واحد.  ولذلك تكون المسئولية الآن مسئولية بيروقراطية وليس مسئولية أصحاب الأعمال.  الآن، أخذت تلك المشروعات صفة قانونية وانضمت الى قطاع الأعمال الرسمى وأصبحت الحكومة قادرة على تحصيل مئات الملايين من الدولارات فى شكل ضرائب على تلك المشروعات.  كما أصبح معدل التشغيل فى تلك المشروعات معدل مرتفع حيث تم توليد أكثر من نصف مليون فرصة عمل جديدة، لأن اكتساب تلك المشروعات صفة قانونية رسمية جعلها قادرة على الدعاية عن نفسها دون الخوف من دفع رشاوى لحمايتها.

لقد كانت عملية تسجيل الأعمال واكتسابها صفة قانونية عملية ناجحة إلى الحد الذى قررت معه إدارة فوجيمورى التوسـع فيها حيث أنها ساعدت بيرو على تحقيق واحد من أعلى معدلات النمو فى العالم.  ويجب أن تحصل هذه البرامج التى تم تنفيذها على نطاق واسع فى منطقة ليما على الدعم والتمويل الكافى لتغطية جميع المناطق على المستوى الوطنى مع حلول عام 2000م.

الإصـلاح الاقتصادى اليوم:  فى العدد الأخير من مجلة الإصلاح الاقتصادى اليوم،  تناولنا مردود  التخصيصية فى الأسواق الناشئة وما يجب القيام به فى الفترة المقبلة، فهل ترى وسيلة يمكن من خلالها إدارة مسألتى حقوق الملكية والتخصيصية بالتوازى؟

دى سوتو:  لا أرى إمكانية لتنفيذ برامج التخصيصية بنجاح دون تسوية المسائل المتعلقة بحقوق الملكية، وهنـاك أسباب كثيرة لذلك كما بينت تجربة أمريكا اللاتينية.  لقد بدأنا فى عملية التخصيصية منذ زمن طويل، فحتى السـكك الحديدية فى بلادنا ملكية خاصة للبريطانيين  وقمنا فى القترة من 1820 الى 1990 بسبع مراحل متتالية من التخصيصية ولكننا كنا نعود دائما الى إعادة تأميم الأصول التى تم تخصيصها.

واليوم، يوافق الكثيرون على قيام حكوماتنا بالتخصيص وعلى ضرورة تخفيض العجز فى الميزانية العامـة لأنه يؤدى الى مزيد من التضخم والاستدانة.  ولكن العملية برمتها تؤدى الى الإضرار بالشعب عامة بعد فترة وجيزة إذا لم يفهم الأفراد حقيقة ما يدور.  أن الاستغناء عن الملكية إلى شركات مثل إنرون وجنرال إلكتريك وبريتيش جاز وغيرها من الشركات، قد يبدو لهم وكأنه تنازل عن السيادة أو خلق نواة أجنبية مسيطرة.  وحتى يتفهم الشخص أن الملكية الخاصة مبدأ غير ضار وأن بإمكان الشركات الأجنبية الحصول على ذلك الحق، يجب أن تكون لديه فرصة الحصول على ملكية خاصة بالمثل.

ومن هنا، تتمثل الخطوة الأولى فى منح العقد الاجتماعى على مستوى القاعدة الشعبية صيغة رسمية حتى يفهم الجميع ماهية حقوق الملكية وبعدها يفهمون التمييز بين السيادة وحقوق الملكية.  على الحكومات أن تـبين أنها لا تستغنى عن السيادة وإنما فقط عن حقوق الشركات فى إدارة المشروعات والخدمات بنظام خاص بما يحقق مصالح جميع الأطراف.

وبعد ذلك، يجب ضمان استفادة الجميع من عملية التخصيصية.  بمعنى آخر، إذا رأيت أن شركة خاصة تشرع فى مشروع جديد داخل البلاد وتحصل على قروض بنكية وخدمات الكهرباء ومياه الشرب فى حين أننى لا أحصل على شئ من ذلك، سأرفض هذا الوضع إلا إذا كان لدى أيضا ملكية خاصة تؤهلنى للحصول على نفس المزايا.  وعندما تتاح فرصة الحصول على ملكية خاصة أو يتبين احتمال الحصول عليها فـى المستقبل، لن ارفض التخصيصية لأننى ببساطة شديدة جزء منها.  ولقد رأينا بالفعل الروابط التى تصل بين برامـج حقوق الملكية لغالبية الأفراد وبين الاستثمارات الخاصة الناجحة فى مشروعات البنية الأساسية سواء كانت لانتاج الكهرباء أو منشآت لتوزيع الكهرباء والمياه.

وأخيرا، لا أعتقد أن برامج التخصيصية قادرة على الاستمرار إلا إذا توافرت حقوق الملكية أو إمكانية الحصول على حقوق الملكية لجميع الأفراد فى بلاد مثل بلدى.  وإذا لم تتوافر تلك الحقوق، ستكون هناك احتمـالات فى العودة الى القوميات واتجاه السياسيون الذين يعتمدون على أصوات الناخبين الى عدم احترام عقود التخصيص التى وقعوا عليها.  وهناك العديد من الأمثلة التاريخية لتأكيد وجهة نظرى هذه.

الإصلاح الاقتصادى اليوم: تمثل الضمانات أساسا جذريا للنظام المالى فى جميع الدول فى الغرب، فكيف ترى الدور الذى يمكن أن تلعبه حقوق الملكية فى هذا الصدد وكيف يتكاتف مع الجهود المبذولة لدعم النظام المالى فى الديمقراطيات الناشئة؟

دى سوتو:  حقوق الملكية الواضحة هى بالتأكيد مسألة ضرورية حيث لا يمكنك تقديم ضمانات إلا إذا كان فى حيازتك ملكية ما.  فإذا أعطيت جهة ما صفة قانونية سارية آمنة لملكية ما، تكون تلك هى الخطوة الأولى فى عملية تأمين حقوق الملكية.  ولنأخذ الولايات المتحدة مثالا على ذلك.  فالأوراق المالية التى تغطى أصولا فى الـولايات المتحدة تبلغ حوالى 4 تريليون دولار من مجموع 13 تريليون دولار فى الأسواق المالية الأمـريكية.  وهناك آليات أخرى لتأمين هذا النظام بدرجة أكبر ويشمل ذلك الجهات الوطنية الوسيطة للرهون مثل جينى ماك وفانى ماك وفريدى ماك وغيرهم من المؤسسات التى تساعد على خلق أسواق ثانوية.  ولكن يكمن فى قاع تلك الآليات حقيقة أن هناك من يمكنه تقديم الأرض أو أى ملكية خاصة أخرى كضمان.

وعلى النقيض من ذلك، حوالى 70-80% من الأفراد فى بيرو وغالبا فى معظم الاتحاد السوفيتى السابق لا يحملون أى صفة قانونية لحيازة ارض أو عقار.  إذن المراحل الأولى لما تطلق عليه عملية التأمين هى تحويل الاصول غير السائلة إلى أصول سائلة أى القيام بإجراءات رسمية فى هذا الإطار بما يؤدى بدوره الى خلق الضمانات اللازمة لإنشاء أسواق مالية كبيرة.

وقد بدأت الولايات المتحدة فى هذه الإجراءات فى القرن التاسع عشر عن طريق البدء بوضع سجلات للأراضى ثم بدأت فى إنشاء شركات تأمين للصفة القانونية لتضمن عدم وجود زيف فى الصفة القانونية وبذلك حولت الملكية التى لا يمكن تسويقها الى ملكية قابلة للتسويق.  ونتيجة لذلك، أًصبح المنزل فى الولايات المتحدة مأوى وأصبحت الأرض منتجة للمنتجات الزراعية.  كما يمكن استخدام تلك الأصول كضمانات للحصول على رأس المال وزيادة رأس المال وذلك بسبب إمكانية تحديد الصفة القانونية لتلك الأصول.  فالصفة القانونية لحق الملكية يعكس عقد من العقود الاجتماعية الذى يحظى باحترام الجميع.

وبينما تبلغ الملكية العقارية حوالى 45% من الأصول التى تملكها العائلات فى الولايات المتحدة، تبلغ تلك النسبة ما بين 70 و80% فى بيرو. ولكن لأن تلك الملكية لا تشتمل على التأمين الكافى لحفظ حق الملكية، فلا توجد وسيلة لإنشاء سوق مال فى بيرو يؤدى الى زيادة قيمة تلك الملكية.  ولهذا السبب أيضا، تستمر الدولة فى الحصول على تمويل خارجى.

الإصلاح الاقتصادى اليوم:  ما الذى يمكن أن تقوم به المشروعات فى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى للمساعدة فى وضع آليات قوية لحماية حقوق الملكية فى الديمقراطيات الناشئة؟

دى سوتو:  هناك العديد من المشروعات الغربية التى تعرف الطريق الى ذلك، ولكنى اعتقد أنها لم تدرك بعد الفرص المتاحـة فى الديمقراطيات الناشئة.  غير أن أسواق تلك الدول قد تمثل ما يزيد عن 40% من إجمالى الدخل المحلى للدول التى تنتمى إلى OECD.  كما يمكن لتلك الشركات أن تحصل على أرباح من الأسواق الناشئة تزيد عن ما يحصلون عليه فى الدول الصناعية.

ومرة أخرى، نجد فى الولايات المتحدة مثالا حقيقيا على ذلك.  فمنذ ثورة البطاقات الائتمانية بدأت الأعمال المصرفية عن طريق آخر غير طريق البنوك.  بدأ ذلك عن طريق كبرى الشركات الصناعية مثل جنرال إلكتريك وجنرال موتورز عن طريق الفروع المـالية التابعة لهم لتوفير مزايا الائتمان للمستهلكين الذين يفتقرون إلى النقد وذلك لشراء ثلاجات وسيارات، الخ.  وقد وضعت تلك الفروع المالية آلية لتحصيل القروض بكفاءة وفعالية.

أن مثل تلك الآليات يعمل على تعبئة الأصول التى فى حيازة الأفراد الفقراء نسبيا وعلى انضمام تلك الفئة الى الأسواق المالية.  وبعض تلك المؤسسات المالية قادر على شراء الديون الصغيرة وتجميعها وتحويلها الى أوراق يمكن مبادلتها فى الأسواق المالية.

الإصلاح الاقتصادى اليوم:  هل ترى دور لشركات التأمين والمؤسسات الأمريكية الأخرى التى تقدم المساعدة للأفراد للحصول على صفة قانونية لأملاكهم؟

دى سوتو: بالطبع، فهذه المؤسسات يمكن أن تلعب دور هام فى الاقتصاديات الناشئة.  فكثير من الظروف فى تلك الاقتصاديات تتشابه مع البيئة التى كانت سائدة فى الولايات المتحدة من قبل، وأعتقد أنها قادرة أكثر من غيرها بمساعدة الدول ذات الأسواق الناشئة.  ولا أقصر الحديث هنا على شركات تأمين حق الملكية ولكن أتحدث أيضا عن البنوك التجارية والعقارية وشركات التأمين والشركات الأخرى التى تبنى البنية الأساسية للدولة.

والتحدى الذى تواجهه تلك الشركات تحدى كبير ويرجع السبب فى ذلك إلى أن معظمها لم يدرك بعد الروابط التى تصل ما بين حقوق الملكية وبين مشروعاتهم.  بل، أن أغلبها يميل الى المحلية والاعتماد على معايير غير دقيقة فى تحليل المخاطر المرتبطة بالأسواق الخارجية.

والأمر يحتاج إلى بعض الوقت حيث يحتاج فهم تحويل المشروعات من القطاع غير الرسمى الى القطاع الرسمى إلى وقت طويل.  ولكن إذا لم تتحرك الصناعات الأمريكية التى تعرف كيفية القيام بذلك، فغالبا ما ستتحرك منظمات أخرى لا تملك الإمكانية الكافية لتحصل على تلك الفرصة فى الأسواق الناشئة.

وعلينا أيضا أن نتذكر أن الاقتصاد الأمريكى ككل يمكن أن يحصل على فائدة كبيرة إذا عملت شركات التأمين والائتمان الأمريكية فى تلك المجالات خارج الولايات المتحدة.  لن تقتصر الفائدة على مساعدة الدول ذات الأسواق الناشئة فى مجالات حقوق الملكية بل ستمتد الفائدة الى المشروعات الأمريكية العاملة فى تلك الأسواق أيضـا، حيث يمكن أن تقوم تلك شركات التأمين والائتمان بتسهيل إجراءات الاستثمار الخارجى للشركات الأمريكية خاصة الشركات العاملة فى مجال البنية الأساسية.


[1]    هرناندو دى سوتو هو رئيس معهد الحرية والديمقراطية فى ليما ومدير عدة شركات فى بيرو.  عمل مديرا عاما لشركة الهندسة العالمية وعضو فى المجموعة الاستشارية للبنك السويسرى ومديرا لبنك الاحتياطى المركزى فى بيرو.  وكان أيضا ممثل شخصى ومستشار أول للرئيس ألبرتو فوجيمورى.  بذل دى سوتو جهدا كبيرا فى إدماج بيرو فى نظام الاقتصاد الدولى وفى برامج إصلاح الاقتصاد الكلى فى يونيو 1990م.