الجدل الدائر حول الاختيار بين نماذج غرف التجارة

بقلم:  ماريا هيلينا برايس*

مع تزايد اعتماد الدول على القطاع الخاص فى تحريك عملية النمو، يتزايد الجدل حول أفضل النظم التنظيمية التى تضمن قدرة قطاع الأعمال على القيام بذلك الدور.  وعلى الرغم من أن تلك المسألة تعتبر أكثر إلحاحا بالنسبة للديمقراطيات الجديدة التى تحاول الخروج من دائرة الاقتصاد الموجه والتخلص من الهياكل النقابية المركزية، فأنها أيضا تستحوذ الاهتمام فى الدول ذات نظام السوق الحر حيث يزيد الميل نحو الاعتماد بدرجة أكبر على المبادرات الخاصة وبدرجة أقل على الحكومة.  وفى هذا الإطار، يوجد نماذج مختلفة لجمعيات واتحادات الأعمال، كما يوجد أيضا بدائل كثيرة مختلفة.

يتناول هذا المقال تقديم الهياكل الرئيسية لجمعيات واتحادات الأعمال وكيفية قيامها بتأدية مهامها.  ولكننا ندرك أن صانعى السياسة ورجال الأعمال سيكون لهم تفضيلاتهم التى تتناسب مع دولهم.  ولا يعنى ذلك أن على الدول أن تقوم باستنساخ نظام الغرف فى دولة أخرى، فالمنظمات والمؤسسات يجب أن تكون متوافقة مع السياق الوطنى، إذا كان النجاح هدفا لها.

ولا نريد هنا أن ندخل فى جدل عقيم حول الهياكل التنظيمية، فنوع جمعيات الأعمال التى تختارها الدولة سيترك أثره على توجهاتها السياسية والاقتصادية.  فإذا كان للمواطنين أن يكونوا أحرارا، يجب أن تتوفر الحماية لحرية المواطنين فى اختيار المؤسسات التى تمثل مصالحهم أمام الدولة.  ويصدق ذلك بشكل خاص على الديمقراطيات الناشئة التى تفتقر الى مؤسسات ترعى وتحمى المجتمع المدنى.

يتمحور التركيز فى هذا المقال حول غرف التجارة لأنها منظمات أعمال متعددة القطاعات لها دور هام فى جميع أنحاء العالم.  وللغرف أيضا سمات مشتركة تميزها عن جماعات الأعمال الأخرى مثل جمعيات التجارة وجمعيات أصحاب الأعمال.  تشتمل هذه السمات المشتركة على عدم استهداف الربح وعلى التنظيم الجغرافى الذى ينظم قطاعات مختلفة عاملة فى نطاق جغرافى واحد (مدينة، إقليم، ولاية) وعلى الإدارة الذاتية.  كما تشترك جميع الغرف أيضا فى أن لها مهمة ثنائية تتمثل فى توفير خدمات أساسية لأعضائها وفى تقديم المشورة للحكومة ومحاولة التأثير عليها لخلق بيئة مواتية للأعمال.  ويحكم أعضاء الغرفة على مدى أهميتها بالنسبة لهم من عدمه بمدى قدرة الغرفة على تحقيق مهمتها الثنائية.

وعلى الرغم من أن جميع الغرف نشأت فى سياق تاريخى معين، إلا أن نموذجين أساسيين يسودان اليوم.  النموذج الأول هو النموذج الأوربى الذى نشأ فى العصور الوسطى فى فرنسا ثم ساد دول أوربية أخرى (ومستعمراتها) مثل ألمانيا وإيطاليا وحديثا المجر وسلوفينيا.  يعرف هذا النوع من الغرف أيضا باسم نموذج "القانون العام" لأنها تأسست عن طريق تشريع وطنى.  أما النموذج الثانى، فهو النموذج الأنجلو ساكسونى الذى نشأ فى بريطانيا العظمى وانتـقل الى مستعمراتها بالخارج.  وتوافقا مع السياسات السائدة فى تلك الدول القائمة على منح حرية اقتصادية أكبر، لا يتم إنشاء الغرف فيها من خلال قانون عام بل من خلال قانون خاص لا يتطلب أكثر من تسجيل الغرفة فى سجلات الجمعيات العامة أو الأعمال العامة.

وفى كثير من نظم غرف النموذج الأوربى والنموذج الأنجلو ساكسونى، تنضم الغرف تحت مظلة غرفة وطنية وبالتالـى يكون على الغرف المحلية الانضمام الى عضوية بعض تلك الغرف الوطنية ولكن فى البعض الآخر لا يفرض عليها ذلك الشرط.  وبينما يمكن تصنيف الغرف طبقا للنظامين المذكورين، فقد قامت بعض الدول بالدمج بين معالم كلا من النظامين لتتناسب مع مقتضيات التنمية الاقتصادية والسياسية فيها، مثل اليابان وتايلاند اللذان اختارا، بالإضافة الى دول أخرى، إتباع هذا النظام "المختلط".

يحتوى النموذجين الرئيسيين على اختلافات جوهرية يجب أن يقدرها صانعو السياسة بعناية عند إصلاح أو إنشاء غرف التجارة، وعليهم أيضا أن يلاحظوا أن الدول التى تستخدم نفس الهيكل البدئى، قد اختارت خيارات مختلفة لتعكس موقفها.  هذه الاختلافات الجوهرية هى اختلافات حاسمة عند تحليل السمات الأربع الأساسية للنموذجين وهى شروط العضوية ومصادر التمويل ونطاق الخدمات والعلاقة مع الحكومة.

تتمتع الغرف الأوربية المنشأة طبقا لقانون عام بميزة تنافسية تتمثل فى ضرورة انضمام جميع مؤسسات وشركات الأعمال الى عضوية الغرفة بحكم القانون.  وبالإضافة الى ما تحققه تلك الغرف من قوة مالية نتيجة لضمان مصدر مالى يتمثل فى رسوم العضوية، فأن العضوية الإلزامية تمنح تلك المنظمات قوة سياسية فى مواجهة الحكومة نتيجة لاتساع قاعدة العضوية بها.  فعلى سبيل المثال، يبلغ متوسط عدد أعضاء غرف التجارة فى ألمانيا 30 ألف عضو وفى فرنسا 10.500 عضو.

وفى الولايات المتحدة على الجانب الآخر، حيث العضوية طوعية اختيارية يتراوح عدد الأعضاء من 200 أو أقل فى الغرف الموجودة فى المدن الصغيرة الى عدة آلاف فى الغرف الموجودة فى المراكز والمدن الكبرى.  وفى حين لا توجد فى بعض المناطق أى غرفة على الإطلاق، نجد فى مناطق أخرى عدة غرف تتنافس فيما بينها على اجتذاب الأعضاء.

ومن المزايا الأخرى للعضوية الإلزامية، أن غرف النموذج الأوربى تستطيع أن تتحدث سواء على المستوى المحلى أو الوطنى نيابة عن شريحة عريضة من مجتمع الأعمال، حيث يجب على جميع رجال الأعمـال والشركات والمؤسسـات العاملة فى مجال الصناعة والتجارة الداخلية والخارجية الانضمام الى عضوية غرف النموذج الأوربى.  إلا أن مسألة مدى صدق تمثيل تلك الغرف لأعضائها تبقى مسألة جدلية، ومن هنا تتوافر فى كثير من الدول غرف ذات عضوية اخـتيارية تعمل على مستوى قطاعات اقتصادية معينة مثل القطاع الزراعى وقطاع المشروعات الصغيرة والقطاع المـهنى، بالإضافة الى الغرف ذات العضوية الإلزامية.  ويرجع السبب فى لجوء قطاع أعمال معين الى إنشاء تنظيمـات تطوعية اختيارية الى فشل الغرف فى بعض الدول فى تمثيل مصالح تلك القطاعات بالصورة الصحيحة الكافية.

وعلى الرغم من أن كلا من الغرف فى اليابان وتايلاند قد نشأت طبقا لقانون عام، فأنها تمثل أعضائها تمثيلا جيدا على المستوى القطاعى على الرغم من أن العضوية بها عضوية اختيارية.

وبينما تشتمل الغرف اليابانية على أصحاب المشروعات الصغيرة، فقد فتحت الغرف التايلاندية باب العضوية لانضمام المزارعين والعاملين فى المجال الزراعى الذين يشكلون العمود الفقرى لاقتصاد تايلاند.  وبالطبع، قد يرغب صانعو السياسة فى إتباع خطى تلك الغرف إذا كان لديهم قطاعات اقتصادية (مثل الزراعة والخدمات) مستبعدة حاليا من الانضمام الى عضوية الغرف.

كما يمكن أن تقوم الغرف، من أجل دعم تمثيلها فى الشئون الوطنية، بمنح عضويتها الى جمعيات تجارية أو قطاعية تشاركها نفس اهتماماتها.  فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد جمعيات التجارة (التى تمثل قطاعات معينة أو صناعات محددة) الأعضاء فى غرفة التجارة الأمريكية 1200 عضو حيث أن غرفة التجارة الأمريكية هى المظلة الرئيسية للغرف المحلية والإقليمية فى الولايات المتحدة والعضوية فيها عضوية اختيارية.  ومن خلال العمل معا، تعلمت غرفة التجارة الأمريكية وجمعياتها الأعضاء، كل من الآخـر، أن موقفها المشترك تجاه الكثير من القضايا الوطنية الرئيسية قد عزز من قوتها التفاوضية مع الدوائر الحكومية.   

وبالطبع كانت جهودهم التأثيرية ناجحة للغاية لأنهم يتحدثون نيابة عن شريحة عريضة من مجتمع الأعمال.  فبينما تقوم الجمعيات أو الاتحادات المؤسسة لخدمة قطاع معين من الأعمال بجهود ناجحة لتحقيق مصالح أعضائها، وهى مصالح محدودة ومحددة فى العادة، يتجه ميل كل من الهيئات الإدارية والتشريعية، بل أيضا الرأى العام، الى النظر لجهود تلك الجمعيات نظرة ارتياب وتخوف.  وتختلف تلك النظرة بالنسبة لهؤلاء الذين يمثلون مصالح شرائح اقتصادية أكثر اتساعا وشرعية.

الجانب المالى

 يسجل أنصار النظام الأوربى للغرف أن أحد المزايا الهامة للنظام يتمثل فى تمتع الغرفة بقاعدة مالية كبيرة آمنة.  وبالطبع تشكل رسوم العضوية الإلزامية، التى يقوم الأعضاء بتسديدها مباشرة (فى حالة ألمانيا) أو التى يسددونها بشكل غير مباشر عن طريق ضرائب معينة تفرضها الحكومة عليهم (فى حالة فرنسا)، نصيب الأسد من دخل الغرف فى النموذج الأوربى.  فتلك الرسوم تمول ما بين 70% و 80% من ميزانية الغرف المحلية فى ألمانيا وحوالى 60 الى 70% من الغرف المحلية فى فرنسا.

أما خدمات العضوية، فهى مصدر آخر من مصادر الدخل الرئيسية فى الغرف الأوربية والمختلطة عامـة وغرف النموذج الأنجلو ساكسونى خاصة.  كما تحصل بعض الغرف على دعم حكومى محدود أو علـى تمويل عام للقيام بالترويج السياحى والتنمية الاقتصادية، الخ..  أو مساعدة الحكومات المحلية فى ذلك.  وكما هو مبين فى المربع التالى، تتمتع الغرف الفرنسية أيضا بمصدر فريد من مصادر توليد العائد يمكن للغرف المثيلة فى دول أخرى إدراجه فى اعتبارها.

ومزايا ارتفاع حجم الموارد المالية مزايا واضحة.  فأولا، يمكن لبعض الغرف تقديم خدمات أكثر عند مستوى أقل من الرسوم وفى بعض الأحيان بدون رسوم على الإطلاق لبعض تلك الخدمات، وهو ما يعتبر إضافة أكيدة بالنسبة للعضوية وللتوظيف.  بل وتقوم كثير من غرف النموذج الأوربى بدعم خدماتها ماليا مثل توفير الخبرة الاستشارية وتنظيم الندوات للشركات صغيرة الحجم أعضاء الغرفة.  وثانيا، يمكن لتلك الغرف، بما لها من دخل ثابت وكبير من رسوم العضـوية، تجنب أحد المخاطر الكبرى الناتجة عن استقلالية وتكامل أى من التنظيمات وهو خطر السقوط أسرى ماليا الى حفنة من أصحاب الأعمال الكبرى ذوى المصالح القطاعية.

الحاجة أم الاختراع

    ولكن ضمان مصدر دخل ثابت كبير الحجم له أيضا جوانبه السيئة، فالغرف مثلها مثل أى مؤسسات أخرى، تكون أكثـر ابتكارا وأكثر بذلا للجهد لإرضاء أعضائها عندما يزيد اعتمادها المالى على هؤلاء الأعضاء.  ويوضح ذلك سبب مساهمة رسوم الخدمات بأكثر من نصف دخل معظم الغرف المحلية الأمريكية وبعض غرف النموذج الأنجلو ساكـسونى الأخرى.  فقد حققت تلك الغرف تنوعا فى مصادر دخلها من خلال جهد كبير ومن خلال القيام بحملات تأييد لمصالح أعضائها موجهة نحو تحقيق نتائج محددة، بالإضافة الى تقديم عدد أكبر من الخدمات، كما هو مبين أدناه، تتراوح ما بين تقديم برامج تعليمية الى تصميم برامج تأمين جماعية.

وعلى الغرف، خاصة الغرف التى تم إنشاؤها أخيرا، أن تنتبه الى أن ما يفرضه القانون من رسوم عضوية لا يتحقق بالضرورة فى الواقع.  وقد أدركت الغرف الجديدة فى المجر هذه الحقيقة، فعلى الرغم من أن القانون المجرى جعل عضوية الغرف ورسوم العضوية الإلزامية بدءا من هذا العام، إلا أنه وحتى تاريخه، لم يزد عدد الذين سجلوا أسمائهم من شركات ومؤسسات عن 30% ولم تزد تلك النسبة إلا قليلا فى أجزاء أخرى من المجر.

وفى نفس الوقت، لم تصغ الحكومة الى مطالب الغرف بالوفاء بتعهداتها فى ظل القانون الجديد، فلم تمنح الغرف مساحة أكبر لمكاتبها، كما رفض البيروقراط حصول الغرف على سجلات قيد الأعمال مما ييسر عليهم جهد تحصيل رسوم العضوية.  بل، لقد قيل لهم أن الموارد المالية التى حصلوا عليها فى السنة الأولى ستعتبر قرضا يجب عليهم تسديده وليس منحة لا ترد طبقا للاتفاق الأصلى.

مزايا العضوية

تقدم الغرف الأوربية والمختلطة خدمات متعددة لاعضائها بالإضافة الى تلك الخدمات التى تقدمها الغرف الأخرى مثل المطبوعات والمعارض التجارية والندوات وأنشطة التدريب.  ومن أمثلة الخدمات التى تقدمها تلك الغرف مايلى:

<               العمـل جنبا الى جنب مع الشركات مثلما ما يحدث مع الشركات الألمانية التى تتلقى مساعدة فنية مباشرة من 43 غرفة ثنائية الأطراف تم إنشاؤها خارج ألمانيا.

<               الاستشارة المتخصصة فى مجالات مختلفة تبدأ من المجال السياحى حتى المجال العلمى والتقنى.  فالشركات الفرنسية تحصل على ذلك من 2000 استشارى من العاملين بالغرف.

<               الخدمات الاستشارية المجانية فيما يتعلق بالأمور المالية والضرائب والأمور الإدارية والعمالية مثل تلك التى تقدمها الغرف اليابانية الى المشروعات الصغيرة، بينما تقدم الغرفة الوطنية فى طوكيو خدمة حل المنازعات الخاصة بالتجارة الخارجية.

<               تخفيضات هائلة عند الشراء تمنحها الغرفة لأعضائها.

 ولكن غرف النموذج الأنجلو ساكسونى تقدم أيضا لأعضائها مجموعة من المزايا، بعض منها مزايا فريدة من نوعها.  ومن ذلك ما تقدمه الغرفة الوطنية فى الفلبين الى أعضائها من معلومات عن عقود القطاع العام قبل الدخول فى مناقصات عامة.  كما تقوم تلك الغرف أيضا بتنفيذ البرامج الأخرى مثل نشر وتوزيع المعلومات الخاصة بقطاعات الأعمال وأنشطة التدريب والخدمات الاستشارية للشركات صغيرة الحجم.

وبينما لا تقوم غرفة التجارة الأمريكية بتوظيف عدد كبير من الاستشاريين المتخصصين مثلما هو الحال فى فرنسا وألمانيا، فأنها تقوم بإدارة معاهد الإدارة التنظيمية التى تم إنشاؤها فى عام 1921 وقامت، خلال العقدين السابقين، بتدريب أكثر من 41 ألف مدير تنفيذى من مديرى الغرف والجمعيات.  ويتم تنفيذ البـرنامج التدريبى فى 8 جامعـات أمريكية يحضره المشاركون لمدة أسبوع واحد يتكرر على مدى ست سنوات بما يسمح لهم بتنفيذ ما تعلموه من أساليب ونقل ما تعلموه الى المديرين الآخرين وتقييم ما يمكن القيام به من تطوير.

بالإضافة الى ذلك، تقوم غرفة التجارة الأمريكية بإدارة برنامج آخر لمساعدة الغرف المحلية على التأكد من وصول خدماتها الى الأعضاء بأفضل شكل ممكن.

وبالطبع تعتبر جودة ونوعية الخدمة المقدمة دافعا هاما وحيويا للغرف ذات العضوية الاختيارية ويرجع ذلك بصراحة شديدة الى أن وجود تلك الغرف وضمان قاعدتها المالية يعتمد بشكل مباشر على إرضاء العملاء.  ولذا يتم تصميم خدمات تلك المنظمات طبقا لطبيعة الطلب عليها مما يؤدى الى زيادة إبداع العاملين بها وإصرارهم على الاحتفاظ بمستوى جودة الخدمة، وغير ذلك مما تفتقده كثير من الغرف المنشأة بقانون عام.

تعتبر علاقة غرف القانون العام بالحكومة أحد أهم السمات المميزة لتلك الغرف.  ويرجع ذلك لتفويضها فى القيام بمـهام عديدة عادة ما يقوم بها القطاع العام.  ففى ألمانيا، على سبيل المثال، يجب أن تقوم الغرف بإجراء حوالى 360 ألف اختبار نهائى سنويا للحرفيين وبفحص ومراجعة النماذج التى يجب على الشركات تقديمها قبل التقدم للحصول على التسجـيل الرسمى لها.  كما تقوم أيضا بتوفير محاكم للتحكيم التجارى وإصدار مستندات تجارية مثل شهادات المنشأ.

كما يتم تكليف الغرف اليابانية المنشأة طبقا للنموذج المختلط بواجبات مشابهة مثل إصدار المستندات التجارية وإجراء اختبارات قياس المهارة.  وقد أثبتت الغرف اليابانية فى بعض المناطق جدارتها أكثر من كثير من غرف النموذج الأوربى حيث يقومون بإدارة سجلات الأعمال الإلزامية ولا تستطيع الشركات أن ترفض إمدادهم بالمعلومات مهما كانت حساسية تلك المعلومات بما فى ذلك حجم الإنتاج والمبيعات.

ميزة سهولة الاتصال بالقيادات

تتمتع الغرف الأوربية بموجب القانون بميزة سهولة الاتصال بالمسئولين الحكوميين، مما يعطيها فرصـة التأثير على المسيرة الاقتصادية والتعبير عن مصالح أعضائها.  إلا أنه قد ينتج عن تلك العلاقة الوثيقة بين الحكومة وقطاع الأعمال بعض الجوانب السلبية.

ففى ألمانيا، على سبيل المثال، يجب أن تقوم جميع الأجهزة الحكومية قانونا باستشارة الغرف فيما يتعلق بمشروعات القوانين والقرارات المؤثرة على مصالح قطاع الأعمال.  أما على المستوى المحلى، فيكون للغرف رأى فى الميزانيـات والضرائب المحلية وخطط التنمية الحضرية والاقتصادية.  كما تقوم اللجان البرلمانية باستشارة الغرف التى تقوم بإعداد وتقديم حوالى 170 دراسة حول موقفها من القضايا المختلفة الى تلك اللجان.

وانعكاسا للروابط التقليدية القوية التى تربط بين الحكومة وقطاع الأعمال فى اليابان، لا تقوم الغرف المختلطة بتقديم المشورة للأجهزة الإدارية والقانونية فقط وإنما يكون لها أيضا حق تواجد ممثليها فى عدة مجالس حكومية مركزيـة.  وبالنسبة للغرفة الوطنية فى الفلبين، فلها مقعد خاص فى مجلس إدارة النقد ومجلس تنمية الصادرات.  ولكن على العكـس من الوضع بالنسبة للغرف الأوربية، ولم يمنح القانون الغرف الفلبينية هذا الحق بل كافحت تلك الغرف طويلا للحصول عليه.

وفى الواقع، فأن الغرف المنشأة بموجب قانون خاص حققت نجاحا كبيرا فى التأثير على السياسة العامة من خلال الاستقلالـية التى تتمتع بها والجهود التى تبذلها.  فغرفة التجارة الأمريكية، على سبيل المثال، يتعدى دورها مجرد تأييد مصالح أعضائها والتعبير عنها أمام الجهات الإدارية والتشريعية المختصة حيث شرعت فى وضع استراتيجية فعالة لتعبئة أعضائها سواء من المؤسسات أو الأفراد لتشكيل جبهة موحدة بالنسبة للقضايا الرئيسية.

وتشتمل أساليب هذا التأييد الشعبى على إقامة اتصال وثيق ومباشر مع الأعضاء الأفراد حتى يقوموا بالاتصال المباشر بالمشرعين لمساندة أو معارضة القوانين الجارى دراستها. كما تقوم الغرفة بتنظيم حوالى 40 آلف من رجال الأعمال المحـليين الذين لديهم خبرة بالإقليم الذى يعملون ويتمتعون بسهولة الاتصال بممثليهم البرلمانيين.  وأخيرا تقوم الغرفة بالتنسيق بين الغرف المحلية والإقليمية لتمرير القوانين التى تحقق مصالح قطاع الأعمال. ويعرف هذا البرنامج الذى يعمل على بناء تحالف قوى باسم "شبكة معلومات حركة القاعدة الشعبية"  GAIN ويهدف إلى إطلاع الغرف الأعضاء بشكل مستمر بالتشريعات والقرارات الإدارية الهامة التى على وشك الإصدار ليتعاونوا على مساندتها أو معارضتها. كما تقوم محطة البث التليفزيونى الخاصة بالغرفة بإذاعة برامج يومية لتنبيه الأعضاء والرأي العام إلى قضايا الساعة التى تهم قطاع الأعمال كما تبث برامج حية من الخارج لها تأثيرها على مصالح الأعضاء.

وقد أثبتت الغرفة الأمريكية نجاحها على نطاق واسع حيث نجحت أخيرا فى معاهدة منظمة التجارة الدولية التى لعبت فيها الغرفة الأمريكية والأجهزة التابعة لها دورا قياديا للحصول على موافقة الكونجرس الذى كان يأخذ موقفا معارضا منها. وربما تكون افضل شهادة لكفاءة أداء الغرفة هى سعى صانعى السياسة ومسئولى الغرف فى كلا من الديمقراطيات المستقرة والناشئة للحصول على تدريب من الغرفة الأمريكية من اجل دعم مهاراتهم فى مجال العلاقات الحكومية والتعبير عن مصالح أعضائهم.

ويكون على صانعى السياسة النظر إلى ما هو ابعد من تلك النجاحات، يكون عليهم النظر إلى المسائل الرئيسية. فبينما لا تتمتع غرف القانون الخاص بموجب القانون بميزة سهولة الاتصال بذوى النفوذ السياسى، إلا أن لهم حق دستورى فـى توصيل آرائهم إلى الأجهزة الحكومية مثلهم مثل جميع المنظمات والأفراد فى محيط ديمقراطى. وقد تمثل تلك الحقيقة صعوبة اكبر ولكن الحرية لا تتحقق ولا تستمر إلا بتبادل الآراء المتناقضة.

حول الجدل الدائر

بدون شك، تتمتع الغرف ذات العضوية الإلزامية بما لها من قيادة مالية مضمونة بميزة تنافسية قوية، وتتسم مهمتها فى تمثيل أعضائها والتعبير عن أرائهم بسهولة نسبية من خلال الدور الذى يقوم به مستشاروها مع أجهـزة صنع السياسـة على المستوى الوطنى والمحلى، بالإضافة الى المهام العامة الموكلة إليها.  ولكن هل تتساوى تلك المزايا الحكومية مع الثمن الذى يمكن دفعه مقابلها؟

أولا، يتم تنظيم أنشطة وأجهزة غرف التجارة الأوربية، باعتبارها كيانات منشأة بموجب قانون عام، من خلال الأجهزة الحكومية، ولا نعنى بذلك أن القواعد الحكومية تكون قواعد سيئة بالضرورة.  ولكن احتمالات السيطرة الحكومية علـى تلك المنظمات فى ظل هذا النظام لا تترك مسافة كافية للشعور بالرضا الذاتى، ونشير هنا إلى المشـاركة المشينة التى حدثت بين "1000-year Reich" برئاسة هتلر وبين المؤسسات الصناعية الكبرى فى ألمانيا، وإلى قيام موسولينى بتخريب وإفساد قطاع الأعمال والمنظمات الأخرى تحت شعار المبادئ النقابية، بينما اختفى الخط الفاصل بين الملكية العامة والخاصة عن طريق الأنظمة الشيوعية تحت شعار المركزية الديمقراطية.

أما بالنسبة للتحالفات التى ميزت، لفترات طويلة، العلاقات بين كثير من دول أمريكا اللاتينية وبعض الأنظمة الديكتاتورية فى أسيا وشركات الأعمال الكبرى، فأضرارها، وإن كانت أقل، إلا أن لها نفس الجوانب السلبية الكامنة.

ولا يثير الدهشة أن مثل هذا الجدل يدور فى الديمقراطيات الناشئة، ويرجع السبب الرئيسى فى ذلك الى هياكلها المؤسسية الهشة بما يشمله ذلك من منظمات غير حكومية وليدة لم يكتمل نموها بعد.

ولكن هناك عوامل مؤثرة أخرى، منها الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية التى كثيرا ما تصاحب تلك الدول أثناء فترة تحولها نحو الحكم الديمقراطى ونظام السوق الحر.  ومن تلك العوامل أيضا، ضعف أو غياب تفاعل عناصر التوازن وحرية التعبير الصحفى لتحقيق فرصة متساوية أمام كل من الحكومة وقطاع الأعمال لعدم إساءة النظام.

وعلى الديمقراطيات المستقرة أن تقاوم سوء استخدام النفوذ المتولد عن التقاليد الراسخة، تلك التقاليد المتمثلة فى تضافر الصفوة السياسية مع الصفوة الاقتصادية كما هو الحال فى جنوب كوريا وتايلاند والبرازيل، وفى النزوع التاريخى نحو مركزية الحكم والإدارة المركزية للمنظمات الخاصة العاملة لمصالح قطاعات أعمال معينة.  وقد كان ذلك هو الحال فى المكسيك لفترة طويلة من الزمن حيث كان للحكومة حق الإشراف على منظمات الأعمال ومعظمها منظمات تفرض العضوية الإلزامية.  وهنا تعتبر جمعية أصحاب الأعمال (Coparmex) استثناء حيث أكد رئيس الجمعية مؤخرا على "أننا استطعنا أن نتحدث حول قضايا متعددة لأن العضوية... فى منظمتنا هى عضوية اختيارية".

فن الممكن

ويمكن لحسن الحظ، كما يبرهن لنا التاريخ، تغيير أداء المؤسسات.  ففى حالة غرف التجارة، يؤكد الخبراء الذيـن قاموا بإعداد دراسات مقارنة للنموذجين الأساسيين، أن للغرف انعكاساتها على "البيئة" الوطنية التى يعتبرون جزأ منها.  بل، ولكل من النظامين عناصر قوته التى يمكن لصانعى السياسة الاعتماد عليها.

وهنـاك أساليب متعددة يمكن إتباعها عند خلق منظمة "مثلى".  فيدعى بعض خبراء الغرف، على سبيل المثال أن عناصر القوى الرئيسية بالنسبة للغرف الأوربية هى وضعها القانونى المميز الذى يؤهلها لتحقيق نتائج مؤثرة ويدعم قواعدها المالية.  ولكن هذا الوضع المميز وسهولة الاتصال بالمسئولين الحكوميين يحمل إمكانية التدخل الحكومى فى شئون تلك الغرف، بل يشكل خطرا على العملية الديمقراطية ذاتها من خلال التحالف بين الدولة وقطاع الأعمال كما ذكرنا قبل ذلك.  فالعلاقات المتميزة يمكن أن تنطوى على ثمن كبير أكبر مما يجب.

ومن جهة أخرى، عادة ما يؤدى الدخل المضمون الذى تحصل عليه غرف القانون العام من رسوم العضوية الإلزامية مباشـرة أو من الرسوم المحتسبة على أساس الضرائب، الى عدم كفاءة الأداء جنبا الى جنب مع الرضا الذاتى عن الخدمات المؤداة الى الأعضاء.  بالإضافة الى ذلك، يزيد احتمال الخضوع الى الحكومة حيث تعتبر الجهة التى تضمن فى النهاية القاعدة المالية لتلك الغرف.

وعلى النقيض من ذلك، تعتبر الاستقلالية العلامة المميزة والعامل الجاذب بالنسبة لغرف النموذج الأنجلو ساكسونى.  فهى تحمى حرية الأفراد والشركات فى الانضمام فقط الى المنظمات التى تمثل مصالحهم.  فهذه المنظمات والغرف باعتـبارها منظمات غير حكومية يمكنها الجدل مع الهيئات الحكومية حول آراء أعضائها دون الخوف من عواقب سلبية رسمية.

وهناك سبل أخرى يمكن للدول إتباعها لتعزيز منظمات الأعمال بها.  وفى حين لا يعتبر أحد تلك السبل السبيل الأمثل، فأن تلك البدائل يمكن أن تساعد تلك المنظمات للوصول الى شواطئ آمنة.  ومن تلك السبل ما يلى:

>     القيام بمهام أخرى من مهام القطاع العام:  يمكن أن يعود تفويض بعض المهام العامة بالفائدة على جميع الجهات المعنية فى مجتمع الأعمال والحكومة والفئات العامة.  ويمكن أن تكون تلك الأنشطة، أنشطة ترويجية مثل البعثات التجارية والندوات والدورات أو أنشطة خدمية مثل التعليم الحرفى وتدريب العمال.  ولا يقتصر هذا المنهج على تمكين الغرف من زيادة الخدمات التى تقدمها للأعضاء والقيام بوظائف هامة بالنسبة لقطاع الأعمال، وإنما يساعد أيضا على تعزيز الموارد المالية للغرف.  فتخصيص بعض الخدمات العامة يساعد بدوره الحكومات على تخفيض نفقاتها.  والأساس هنا هو قيام الحكومة بتفويض تلك المهام دون السلطات التى تفرض وضعا سياسيا غير مقبول.

>     مراجعة قوانين الغرف والقواعد الأخرى المنظمة لها:  أبدى صانعو السياسة فى العديد من الدول التى تتبع نظام غرف القانون العام استعدادهم على تعديل تلك القوانين بل وبعض القواعد المنظمة لقطاع الأعمال من أجل زيادة مستوى الإدارة الذاتية بها.  وبينما ترغب بعض الحكومات فى الاحتفاظ بحقها العام فى الإشراف لتضمن جودة مستـوى الخدمات المؤداة ولضمان المصدر المالى المعفى من الضرائب، فأن تلك الحكومات يمكن أن تسمح للغرف بمراجعة وتعديل لوائحها الداخلية وبتقديم خدمات جديدة دون الحاجة الى الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة.

 

>     تعزيز الاتجاه نحو تقديم خدمات الطلب عليها مرتفع من خلال الحوافز المالية:  تعتمد استمرارية الحيوية لدى الغرف فى نهاية الأمر على مدى رضا مجتمع الأعمال عن مستوى أدائها.  لذلك، يجب التأكد من أن لديها المصادر الكافية للقيام بعملها ولكن الى الحد الذى لا يحولها الى منظمات راكدة مطمئنة الى توافر مـوارد مالية دون الاحتفاظ بمستوى أداء مقبول.  فالدخل المتولد عن مصدر واحد من المصادر المالية مثل رسوم العضوية يجب أن يصرف على تمويل بند من بنود الميزانية.  وفى حال عدم تحديد أنشطة الغرف بموجب القانون، يكون لإدارة الغـرف حافز قوى للبدء فى تقديم خدمات مولدة للدخل.  ومن الاحتمالات التى يجب أخذها فى الحسبان قيام الغرف بتأجير مساحات فى المنشآت التى تملكها الى منظمات ترتبط أو لا ترتبط معها فى نفس المجال وقيامها بإنشاء فروع لها تستهدف الربح إذا سمحت لوائحها الداخلية وقوانين الدولة بذلك، الخ..

ملاحظة: على الغرف أن تراعى عدم منافسة أعضائها الحاليين أو المحتملين الذين يقدمون خدمات مشابهة مثل خدمات المحاسبة والضرائب أو الخدمات القانونية.

أن صلاحية تلك البدائل أو نموذج معين من نماذج الغرف للتطبيق فى دولة معينة يرتبط بالتأكيد بتاريخها وحاضرها الثقافى بمعناه الشامل.  فكما لا يمكننا بناء دولة جديدة فى يوم واحد، لا يمكن لمنظمات مثل غرف التجارة بهياكلها المركبة أن تتطور أو تتشكل فى مدى قصير.  أن فن الممكن يتمثل فى تعلم اختيار واستخدام أحجار البناء القديم الذى يتناسب مع التصميم الجديد للغرفة والاستغناء عن تلك الأحجار التى لم تعد مناسبة.  ففى نهاية الأمر يجب أن يكون الهدف هو تعزيز مساهمة مجتمع الأعمال فى المجتمع واستقلال قطاع الأعمال عن الدولة والحفاظ على الحريات الأساسية اللازمة لتحقيق ذلك.


* ماريا هيلينا برايس هى مساعد رئيس تحرير مجلة الإصلاح الاقتصادى اليوم وقد كتبت هذا الموضوع على أساس الدراسة التى أعدها مركز المشروعات الدولية الخاصة حول الدراسة الشاملة لنماذج الغرف وتعتبر تلك الدراسة أداة ضرورية للدول التى تقوم بإنشاء أو إصلاح غرف التجارة بها.  يمكن الاتصال بمجلة الإصلاح الاقتصادى اليوم للتعرف على كيفية الحصول على نسخة من تلك الدراسة.