جمعيات الأعمال والإصلاح الديمقراطى

بقلم:  جون د. سوليفان، المدير التنفيذى

مركز المشروعات الدولية الخاصة

بينما تدرك معظم الجماعات المرتبطة بعملية الإصلاح الديمقراطى المؤسس على آليات السوق إدراكا جيدا لأهميـة مبـادئ السياسة الاقتصادية مثل استقرار الاقتصاد الكلى وتحرير التجارة والتحول نحو القطاع الخاص فى تحقيق عملــية الإصلاح تلك، يقل الإدراك بالأبعـاد السياسيـة لذلك الإصلاح.  هذا، فى حين يعتبر ذلك البعد بعدا حيويا لأنه من الصعب الاستمرار والاحتفاظ بالإصلاح الاقتصادى فى مجتمع ديمقراطى إذا تم تنفيذ هذا الإصلاح خارج العملية السياسية.

وتوضح تجربة الدول التى تقوم بتنفيذ إجراءات إصلاحية أن الإصلاح الاقتصادى يكون بلا منطق وبلا قاعدة بدون الحصول على مساندة من جمعيات الأعمال التى تلعب دورها فى تأييد الإصلاح، ويمكن لتلك الجمعيات الاضطلاع بتلك المهمة بطرق متعددة.  ونشير فى هذا الصدد إلى أن مفهوم التأييد والمساندة يعتبر مفهوما هاما فى بنـاء نظام ديمقراطى. فدور جمعيات الأعمال، وهى جـماعة من الجماعات العديدة المكونة للمجتمع المدنى، هو دور أكبر من الدور الذى يقـع على عاهل الجماعات الأخرى التى تحاول التأثير والضغط على المشرعين العاملين على المستوى القومى.  فجمعيات الأعمال تمثل شريحة هامة فى المجتمع، شريحة تدفع النمو الاقتصادى من خلال انتاج سلع وخدمات وتوليد فـرص العمالة اللازمة لانتاج تلك السلع والخدمات. وإذا كان لعملية صناعة السياسة أن تكون عملية ديمقراطية حقا، فيجب أن تعبـر تلك الجمعيات عن آرائها وأن تسمع تلك الآراء باحترام.

إلا أننا يجب أن نأخذ فى الاعتبار أن جميع جمعيات الأعمال ليست بالضرورة جماعات مؤيدة لفكرة الإصلاح.  ففى واقع الأمر، هناك عاملان أساسيان يرتبط كل منهما بالآخر ويشكلان بدرجة كبيرة اتجاهات تلك الجماعات نحو الإصلاح القائم على الاعتماد على آليات السوق يتلخص العامل الأول فى نوعية الأعمال التى تقوم تلك الجماعات بحماية مصالحها ويتمثل العامل الثانى فى علاقة تلك الجماعات بالدولة.  فإذا كانت السيطرة فى تلك الجماعات لشركات ومؤسسات تعتمد على الدولة فى الحصول على مزايا خاصة، فغالبا ما ستتجه تلك الجماعات الى تشجيع المحسوبية والسياسات المضادة لاقتصاد السوق الحر.  وعلى الرغم من أن أهداف وهياكل جمعيات الأعمال تبدو للوهـلة الأولى جانبا غامضا من جوانب الإصلاح يقتصر فهمه على فئة قليلة، إلا أن مردود تلك الأهداف والهياكل يكون مردودا هاما على كيفية ومدى التقدم فى عملية الإصلاح فى المجتمعات الديمقراطية الجديدة.

جمعيات الأعمال وقضية الإصلاح

يمكن للأعمال المتماثلة أن تقوم من خلال جمعياتها واتحاداتها، بالتأثير السياسى فى مشروعات التشريعات التى تؤثر على مصالحها وذلك عن طريق العديد من الوسائل التى يمكن إما أن تدفع الإصلاح الموجه نحو الاقتصاد الحر أو تعرقله.  كما تعتمد الوسيلة التى تقوم بها تلك الجمعيات والاتحادات على الكيان القانونى لها سواء كان قانونا عاما أم لا وسواء كانت العضوية بها عضوية إلزامية أو طوعية.  (أنظر موضوع نماذج الغرف).

ويتمثل الأسلوب الأساسى الذى يمكن للجمعيات ذات العضوية الطوعية أن تقوم من خلاله بدفع عملية الإصلاح فى تأييد السيـاسات التى تتبنى معايير تشجيع المنافسة والسوق الحر.  ويمكن لتلك الجمعيات أو الاتحادات أن تساند بشكل مباشر مسألة تشريعية محددة كما يمكنها أن تؤيد فلسفة تشريعية عن طريق إقامة قنوات اتصال مع صانعى السياسة. فغرفة التجارة الأمريكية، على سبيل المثال، تقدم سنويا الى رئيس الولايات المتحدة "جدول الأعمال الوطنى" الذى تقوم بإعداده.  وتشتمل هذه المطبوعة على موقف الغرفة تجاه مسائل تشريعية محددة ولكنها تحتوى أيضا على أهداف وسياسات يتم التعبير عنها بشكل أكثر عمومية.  تعتبر تلك المطبوعة آداة لتعريف صانعى السياسة على المستـوى التنفيذى بفلسفة الغرفة فيما يتعلق بالحكومة، مما يعتبر من المدخلات المفيدة عند تشكيل بعض السياسات على وجه الخصوص والأهداف المستقبلية على وجه العموم.

ويكمن قيام جميع جمعيات واتحادات الأعمال بدفع وتعزيز سياسات الإصلاح من خلال تقديم المساندة لمعاهد ومراكز الأبحاث المعروفة بمراكز قدح الأذهان (think tanks) التى تقوم بتقديم الدعم لسياسات معينة من خلال المطبوعات البحثية ومن خلال تحليل التشريعات المعلقة.  يمكن لتلك المعاهد أو المراكز أن تقوم بتقييم التكلفة المترتبة على التشريعات المعلقة والعائد منها على القطاع الخاص عامة و/أو على قطاع معين من قطاعات الأعمال التى تمثلها.  وقبل التصويت على تلك التشريعات، تقوم تلك المراكز البحثية بعرض حسابات التكلفة والعائد على المشرعين.  ومن أول المراكز التى لعبت هذا الدور فى الدول النامية مركز التأهيل الاقتصادى فى جمهورية الدومينيكان الذى تأسس عام 1985، كما لعب معهد الحرية والديمقراطية فى بيرو دورا مشابها.  ولأهمية تلك المراكز لسياسة الإصلاح الديمقراطى، قام مركز المشروعات الدولية الخاصة ( CIPE ) بتقديم المساندة لهذين المركزين ولمراكز أخرى مشابهة فى العديد من الدول النامية والدول التى تمر بمرحلة تحول اقتصادى.

هذا، ويمكن أن تقوم جمعيات واتحادات الأعمال بمساندة الإصلاح الديمقراطى من خلال تدريب أصحاب المشروعات المحليين على كيفية تنظيم وإدارة مشروعاتهم فى ظل نظام الاقتصاد الحر.  وفى هذا الصدد، يقوم معهد لفيف للإدارة فى أوكرانيا ومعهد الإدارة المجرى فى بودابست بتنظيم برامج رفيعة المستوى فى مجال تعليم كيفية إدارة المشروعات.  فالتدريب فى مجال المشروعات والاستثمارات يعتبر حيويا فى تلك الدول وفى الدول الأخرى التى تمر بمرحلة تحول اقتصـادى لتوليد الزخم والقوة الدافعة اللازمة لاستمرار عملية الإصلاح عن طريق خلق دوائر جماهيرية مناصرة لذلك الإصلاح.

المنهج النقابى

تشيع فى كثير من الدول النامية جمعيات أو اتحادات الأعمال المنشأة طبقا للقوانين العامة، حيث كان للدولة، قبل ظهور التوجهات نحو تبنى سياسة الإصلاح القائمة على تفاعل آليات السوق، دورا كبيرا محكما فى المجال الاقتصادى.  وكثيرا ما تم استخدام تلك الجمعيات أو الاتحادات كآليات للسيطرة الاقتصادية الحكومية.  فعلى سبيل المثال، قامت بعض حكومات دول أمريكا اللاتينية بالتفاوض مع اتحادات وجماعات الأعمال على اتفاقيات تحدد الأجور والأسعار وبعض العناصر الاقتصادية الأساسية الأخرى.  وبينما تؤدى تلك الاتفاقيات الى تعزيز استقرار الظروف الاقتصـادية، فأنها كثيرا ما تفرض قيودا على حرية استجابة آليات السوق للظروف المتغيرة وعلى مدى انفتاح الأسواق أمام شركات منافسة لا تنتمى الى جمعيات أعمال مؤثرة.

إن هذا الإرث من جمعيات واتحادات الأعمال التى تم إنشاؤها طبقا لقانون عام والتى تسيطر عليها الحكومة، كثيرا ما يدفع تلك الجمعيات والاتحادات الى تبنى موقف مضاد للإصلاح، ونجد فى البرازيل مثالا يصور تلك الظاهرة ففى أوائل الشهر السابع (يوليو) من عام 1994، أصدر وزير المالية حينئذ (رئيس البرازيل حاليا) فرناندو هنريك كاردوزو، عملة جديدة ساعدت على استقرار الاقتصاد الكلى، كما أدت الى تدعيم القوى الشرائية للمستهلكين خاصة لشراء السلع المستوردة، حيث تم تخفيض الرسوم الجمركية عليها.  فعلى سبيل المثال، انخفضت الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة من 35% الى 20% فى أكتوبر 1994.

وإذا تأملنا ما أطلقت عليه مجلة Economist (فى عددها الصادر 29 إبريل 1995، ص 23) غرف الصناعة النقابية البرازيلية، نجد أن الجمعيات والاتحادات الخاصة برجال صناعة السيارات قد ناهضت الحكومة مما أدى الى زيادة الرسوم الجمركية أخيرا الى 32%.  إذن بينما قد يستفيد رجال صناعة السيارات فى البرازيل من الرسوم الجمركية الأكثر ارتفاعا على السيارات المستوردة، فأن التجار الذين يبيعون السيارات المستوردة ويقومون بخدمات الصيانة الخاصة بها، قد تضرروا من هذا الإجراء.

مصالح قطاعات الأعمال

يبين لنا مثال البرازيل إنه من الخطأ النظر الى قطاع الأعمال باعتبار أن مصالحه مشتركة فيما يختص بالتشريعات المعلقة.  ففى واقع الأمر تتعارض المصالح بين مختلف القطاعات الاقتصادية وقطاعات الأعمال بالنسبة للمسائل التشريعية.

ولعله من المفيد عند التعرف على موقف مؤسسة ما من عملية الإصلاح أن نذهب الى معرفة مدى اعتماد تلك المؤسسة على الدولة للحصول على مزايا تنافسية أو مزايا تفضيلية.  فالمؤسسات التى حققت أرباحا بفضل انغلاق الأسواق أو بفضل بعض القواعد التى تعرقل ظهور منافسين جدد، يكون لها مصلحة واضحة فى الاحتفاظ بأرباحها من خلال مساندة الوضع القائم.  وبالتالى ستمارس الضغوط على الحكومة للاحتفاظ بالوضع القائم وتكون نصيرا لمعارضة الاصلاح.

ويظهر هذا النمط بوضوح فى كلا من الاقتصاديات النامية وتلك التى تمر بمرحلة تحول.  فمثال السيارات البرازيلية كثيرا ما يصلح ليكون نمطا سلوكيا للغرف على نطاق العالم النامى قبل ظهور الاتجاه نحو الإصلاح.  ولهذا السبب يكون من الضرورة مع الاستمرار فى عملية الإصلاح، قيام صانعو السياسة والمستثمرون بتشجيع تكوين جماعات تطوعية للأعمال بديلا عن الغرف التى تقوم الدولة برعايتها.

وفى الدول التى تمر اقتصادياتها بمرحلة تحول مثل أوربا الشرقية والوسطى، نجد أن الغرف المرتبطة بالدولة لها موقف معارض للإصلاح.  ويكون التحول الى القطاع الخاص أو التخصيص مثالا مفيدا فى هذا الصدد، حيث تقوم الشركات المملوكة للدولة بتعبئة مواردها لمحاربة التحول الى القطاع الخاص.  ففى كثير من الحالات لا يقتصر القلق من فقد الوظائف على العاملين بل يشمل المديرين أيضا، حيث نجد أن المديرين التنفيذيين للشركات الكبرى المملوكة للدولة فى الدول الاشتراكية السابقة (قبل مرحلة التحول) يمثلون أقوى جماعات المصالح.  ولا يمكن نجاح التخصيص إلا إذا تم التغلب على تلك المقاومة (اقرأ مجلة الإصلاح الاقتصادى اليوم، العدد الخاص بالتخصيص، العدد الثانى 1993 والعددالأول 1995).

قانون عام أم قانون خاص؟

تأخذ كثير من الدول الاشتراكية السابقة مثل بولندا فى اعتبارها تبنى نموذج الغرف المنشأة طبقا للقانون العام.  وعلى حد قول فاكلاف كلاوس، رئيس وزراء جمهورية التشيك، فأن تبنى هذا النموذج فى تلك المجتمعات يحتوى على مخاطر الإبطاء بعملية الإصلاح من خلال خلق جمعيات أعمال معارضة لذلك الإصلاح.  وتنشأ هذه المعارضة من ارتباط الشركات والمؤسسات أعضاء الغرف الوطنية بالدولة وهى خاصية موروثة عن التخطيط المركزى بطبيعته النقابية.  إذن الغرف المنشأة طبقا للقانون العام فى الدول التى تمر بمرحلة تحول تواجه خطر السقوط فى مصيدة التشكيلات النقابية لتكون عنصرا عاملا ضد الإصلاح.

خلق التوازن فى نمط القانون العام

لا نريد القول بأن الغرف المنشأة طبقا لقانون عام تكون بطبيعتها معارضة للإصلاح الاقتصادى أو غير متوافقة مع الديمقراطية المؤسسة على تفاعل قوى السوق، إلا أنه يجب توازن دورها كوكلاء للدولة بحيث يختفى ميلها لمحاربة الإصـلاح.  وقد تحقق هذا التوازن بطريقتين فى الدول الديمقراطية بأوربا الغربية حيث نشأ نمط غرف القانون العام.

فمن ناحية، ظهرت الجماعات الخاصة التطوعية لتمثيل مصالح أعضائها أمام الحكومة وبذلك أوجدت التوازن مع نفوذ الغرف المنشأة طبقا للقانون العام.  ففى المانيا، يقوم اتحاد الغرف الألمانية للصناعة والتجارة بدور الغرف المنشأة طبقا لقانون عام حيث يقوم بمهام التدريب وترويج التجارة الخارجية.  إلا أن اتحاد الصناعات الألمانية ظهر بصفته منظمة تطوعية، العضوية فيها عضوية اختيارية، يقوم بمهمته باعتباره قناة اتصال لقطاع الأعمال فيما يتعلق بالأمور التشريعية.

ومن ناحية أخرى، تسود التقاليد الديمقراطية ممارسات دول أوربا الغربية حيث جمعيات الأعمال المنشأة طبقا للقانون العام، فنجد فى تلك الدول هياكل مؤسسية وقانونية تسمح بحرية أكبر لقوى السوق وحماية من ميول الدولة للسيطرة على تلك الجمعيات وعلى شركاتها الأعضاء.  فالنظام القانونى الحر يكون أحد الآليات الهامة حيث يمنح الشركات الحق فى منازعة الحكومة من خلال نظام قضائى غير متحيز عند التحكيم فى المنازعات والشكاوى.  وفى صدد الحماية من ميل جمعيات الأعمال العامة نحو السيطرة على قطاع الأعمال باعتبارها وكيلا للدولة، نجد أن استقرار مفهوم حقوق الملكية الخاصة وحرية الصحافة ومحاسبة المسئولين الذين يتولون مسئولية عامة هى عناصر هامة فى فرض الحماية.

إذن الاقتصاديات التى تمر بمرحلة تحول شأنها شأن الكثير من الديمقراطيات الجديدة، لا تستفيد حتى الآن من التقاليد الديمقراطية الراسخة، وعليها أن تأخذ ذلك فى الاعتبار عند تحديد كيفية هيكلة جمعيات واتحادات الأعمال.  وبالإضافة الـى ذلك، ليس هناك منطـق أو معنـى أن تقـوم تلك الدول باستنساخ أنماط أخرى بدون النظر الى ثقافتها الخاصة.

وأخيرا، هناك اعتبار هام يجب النظر اليه عند هيكلة جمعيات واتحادات الأعمال حيث يمكن أن يخلق صانعو السياسة ظروفا مواتية لتشجيع قيام مشروعات صغيرة ولتشجيع روح العمل الخاص، وهذه هى البيئة التى تؤيد عملية الإصلاح. وعليهم أيضا توفير التأمين اللازم لتشجيع التقاليد والمؤسسات الديمقراطية مثل القضاء الغير متحيز والقدرة على محاسبة المسئولين الحكوميين باعتبارها عناصر موازنة لسيطرة الدولة.  فمن خلال ذلك يتم ظهور جماعات منظمة وتستمر قوة الدفع الذاتية لعملية الإصلاح.