الديمقراطية والتنمية الاقتصادية
كارل جيرشمان
في الصباح الباكر ليوم 5 ديسمبر عام 1978، قام فني كهرباء
شاب بكتابة مقالة على "حائط الديمقراطية " الموجودة في حديقة حيوان العاصمة
الصينية بكين، وهو حائط من الطوب الرمادي اللون، تم بناؤه ليكون بمثابة
معرض للأفكار السياسية المستقلة في الدولة الشيوعية.
كانت هذه
السطور التي كتبها الشاب في جلسة واحدة وثيقة جريئة ومتميزة، وكانت بمثابة
تحدى سياسي للحزب الشيوعي الصيفي الذي طالما أدعى أنه " للبروليتاريا " ،
كما كانت أيضا تمثل تحدياُ اقتصادياً لبرنامج الإصلاح الحكومي القائم على
أساس أربعة تحديثات أساسية - في مجال الزراعة والصناعة والدفاع والعلوم.
قالت المقالة
أن
الشرط الأول للتحديث الاقتصادي هو تحقيق الديمقراطية السياسية التي يستطيع
الناس من خلالها ممارسة عادات الحرية والمسئولية ، وبدون هذا الركن الخامس
من التحديث المقصود به الديمقراطية - تكون كل العناصر الأربعة الأخرى
للتحديث مجرد كذبة جديدة. كان لكتابة هذه السطور نتائج فورية باعتبارها
عملاً أساسياً جريئاً، فقد وضعت كاتبها " وى جينجشنج " في مقدمة الزعامة
السياسية للحركة الصينية الديمقراطية ، وأودعته السجن لثمانية عشر سنة،
فلم يتم الإفراج عنه إلا في ديسمبر الماضي في مجاملة سياسية للرئيس
الأمريكي بيل كلينتون بعد زيارة جيانج للولايات المتحدة الأمريكية.
والقيمة
الأساسية التي تعبر عنها المقالة لا تنبع فقط من معناها السياسي، ولكن
التأكيد على الرابطة الجوهرية بين الحرية والديمقراطية من جهة ،وبين
التحديث والتنمية الاقتصادية من جهة أخرى
.
وعلى الرغم من
التحول الكبير الذي اجتاح العالم منذ تاريخ كتابة المقالة من عشرين عاماً،
إلا أن الذاكرة ما زالت تثير الجدال وتتوقف رؤية وتحليل كل منا للقضايا
المعاصرة على يومنا هذا مثل أزمة شرق آسيا الاقتصادية ، وظهور الصين كقوة
اقتصادية جديدة، والتحول الصعب الذي تشهده كل من روسيا و أوكرانيا، تتوقف
على موقفنا ما تثيره الفكرة من جدال ونقاش.
مع كل ما تمثله
هذه الفكرة من أهمية، إلا أنها عادة ما تكون محل تجاهل على المسرح السياسي
الدولي، ويجع ذلك جزئياً إلى العلاقة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية
التي تعتبر مسألة فرعية تكنيكية لا ترتبط بالسياسة الخارجية. بالإضافة
لذلك، فإن هناك ميل عام إلى التقليل من دور "الأفكار" في الشئون الدولية.
في الحقيقة فإن هذا التحديث الخامس ومنذ ظهوره للنور من عشرين عاماً، وما
ارتبط به من جدل مستمر قد عكس تطورات أساسية في عالم السياسة الدولية.
الحرب
الباردة
الأيديولوجية
في بداية تلك
المرحلة، كانت الحرب الباردة مازالت في أوجها. إن المنافسة الشديدة بين
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لم تكن مجرد صراع سياسي الجغرافي
تقليدي، بقدر ما كانت صراعاً ايدولوجى الأساسي والجوهر. كان هنالك بديلان
أساسيان مطروحان كاختيارات لحياة إنسانية افضل ؛ الديمقراطية الرأسمالية ،
والشمولية الشيوعية.
كان الاتجاه
الأول يركز في جوهره على نظام يقوم أساسا على الحرية السياسية والاقتصادية
،بينما أدعى الاتجاه الثاني الكثير من المميزات للتخطيط المركزي ونظام
السلطة الصارم.
وكنتاج لهذا
النزاع الثاني، ظهر تيار ثالث فى الدول النامية يدعو لاتجاه " عدم الانحياز
" والذي كان في واقعة اكثر شبهاً بشكل الدولة في الاتحاد السوفيتي. ووفقاً
لهذا المفهوم الخاص بالعالم الثالث، كانت الحرية كمالية لا تستطيع الدول
النامية دفع تكلفتها، وكانت الدولة السلطوية أمراً ضرورياً ن أجل ضمان
التضحية - التي هي أحد متطلبات التنمية - وفى الوقت نفسه أسلوب تعادلي
لضمان مساعدة الغرب في المقام الأول والدول الشيوعية في الوقت نفسه بشكل أو
بأخر.
ويبقى السؤال
عما إذا كانت الشيوعية وأيديولوجيات العالم الثالث أداة جديدة لتشريع
القوة السياسية لسلطوية أم أنها بالفعل آداه لتحقيق النمو الاقتصادي؛ يبقى
هذا سؤالاً غاية في الأهمية وعلى الرغم من الفشل في تحقيق الهدفين ، إلا أن
ذلك لم يتضح جلياً إلا بعد انهيار الشيوعية في دول شرق أوروبا وانهيار
الاتحاد السوفيتي. لقد أدى هذا إلى نهاي الحرب الباردة وخلع صفة الشرعية
عن نموذج الشيوعية والعالم الثالث في التنمية الاقتصادية. لقد خرجت
الرأسمالية والليبرالية كمنتصر دولي، وتم اعتبارها أفضل طريق نحو التنمية.
إلا أن هذا الانتصار لم يدم طويلاً، فقد وقع الغرب الديمقراطي قبل أن يحتفل
بالنصر في الحرب الباردة، وقع كضحية للكثير من الأسباب مثل المشاكل
الاجتماعية الحادة والعجز الكبير في الميزانيات وغياب التحدي الذي تمثل من
قبل في الاتحاد السوفيتي الذي اتحد الغرب في مواجهته.
في الوقت نفسه،
ظهر النمو الاقتصادي الآسيوي كنوع من أيتحدى الجديد ليؤكد على تفوق " القيم
الآسيوية " على عناصر الثقافة الغربية.
ومرة أخرى ثار
الجدل حول الاختيار بين الحرية والسلطوية، وقد عبر عنه " لى كوان يو" من
سنغافورة والذي يعتبر أقدر المتحدثين المعبرين عن وجهه النظر الآسيوية ،
وقد قارن بين ميل الشرق الآسيوي إلى "حكم المجتمع " وبين صوره الكابوس
الغربي من الانحلال وسيادة السلاح والمخدرات والجريمة والخروج عن الآداب
وهو ما يمكن تلخيصه بانهيار المجتمع المدني.
أما وزير
الشئون الخارجية بسنغافورة كيشور ماهوبانى فقد عبر عن مبادئ أفكار القادة
الآسيوية عندما قال: "عندما يكون لديك حكومة جيدة، فإنك تحتاج لقدر قليل من
الديمقراطية وليس كبير تماماً كما قال خروشوف في أحد المرات أن الشيوعية
ستدفن الرأسمالية ، تنبئ لي ومعه قادة إقليمين آخرون أن النظام الآسيوي
سيحل محل الانحلال الغربي ومما يثير الدهشة، أن مفكرين غربيين كبار يشارك
القادة الآسيويين نفس التحليل إن لم يكن رأيهم.
لقد وصف
البروفيسور صامويل هانتينجتون الصراع بين آسيا والعرب بأنه "صراع حضارات "
مؤكداً أن الثقافة الغربية بكل تركيزها على حرية الفرد وحقوقه آخذه في
الانحدار وأنها ستنهزم على يد ثقافة آسيا السلطوية.
لقد ترسخ تشاؤم
هانتينجتون بين النخبة الغربية المهتمة بالانحدار الأخلاقي لمجتمعاتها،
والتي أثار إعجابها في الوقت نفسه قدرة الشرق الآسيوي على تدعيم تحديه
للغرب وإقرانه التقدم الاقتصادي ، وهو ما فشل فيه الاتحاد السوفيتي ويبدو
أن حقيقة الارتباط الوثيق بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي بدأت تتراجع
لصالح نموذج جديد للنمو.
حل
لغز المعجزة الآسيوية
انتهى كل هذا
مع ما يمكن تسميته بالتحطيم الآسيوي الذي شهده عام 1997، لقد انهارت
العُملة التايلاندية في شهر يوليو ، لتبدأ انهياراً إقليميا عاماً في أسواق
البورصة و أسعار الأراضي والعقارات وكذلك أسعار العملات المختلفة ، وهو ما
شبهه البعض بانهيار حائط برلين الثاني. ومع المستثمرين الأجانب من
الإقليم، تدخل صندوق النقد الدولي من أجل التفاوض على اتفاقيات خاصة لإنقاذ
اقتصاديات هذه الدول ، وإنهاء الأخطاء الاقتصادية التي أدت للكارثة. كان
على رأس قائمة الأخطاء الاستثمارات الحكومية التي تجاهلت قوى السوق
والسياسات التصديرية العليا التي ابطئت نمو الأسواق الداخلية والممارسات
الافتراضية الغير محسوبة التي أفزعت المستثمرين الأجانب والإجراءات
المستترة الحكومية التي ساهمت في نشر الفساد والرأسمالية القائمة على
المحسوبية.
لقد أظهرت
الأزمة الوجه الخفي للسلطوية الآسيوية الذي كان مختفياً خلال سنوات الرخاء
الاقتصادي، واحبط ذلك المتحمسين " للقيم الآسيوية " مثل فيليب توز رئيس
مجلس إدارة أكبر بنك استثماري بهونج كونج و الذي اضطر لإغلاق أبوابه في
يناير 1998.
كان السيد توز
قد أسهب م قبل في مديح مزايا " الحكومة القوية - التي قد يسميها البعض
ديكتاتورية " والتي شبهها على حد قوله "أنها حققت الكثير من التقدم والنمو
الاقتصادي. لقد أعطى ما حدث الكثير من المصداقية لنقاد النظام الآسيوي
وعلى رأسهم رئيس كوريا الجنوبية الجديد كيم -واى جنج الذي ألقى باللوم على
شمولية الزعماء الذين اهتموا بالنمو الاقتصادي على حساب الديمقراطية.
ظهرت المحاباة
الرسمية في إندونيسيا و استغلال وانتون للموارد الطبيعية التي أدت ألي
كارثة الغابات فى سوماترا وبورينو خلال الشتاء الماضي وأحد النتائج الأخرى
التي ترتبت على القوة المركزة هو الممارسة أو المشاركة السياسية المحدودة
التي تؤدى حتمياً إلى تجاهل احتياجات واهتمامات العامة. وغالباً ما يؤدى
الفشل في توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والاحتياجات العامة الأخرى إلى
إنتاج نظام ثقيل وغير منتج.
العولمة
و تفاقم المشاكل
تتضخم هذه
المشاكل بوضوح في حقبة تتطلب فيها المنافسة العالمية افضل الوسائل فاعلية
في استخدام الموارد ، ولعل الممارسات الخاطئة في الأزمة الآسيوية تمثل
حجم التبديد وأشكاله المختلقة للموارد سوء إدارة العناصر البشرية والمادية.
لقد كانت هذه
الممارسات حاضرة دائما ولكن العقوبة اليوم فورية وسريعة فى شكل هروب رأس
المال وانهيار الأسواق. هذا هو ثمن العولمة وميزتها في نفس الوقت.
سيكون من الصعب
على أي دولة - حتى الصين - الهروب من هذا المصير ، فستدفع ثمن الشركات
الحكومية الغير منتجة، والقروض السيئة والإنشاءات المبالغ فيها والفساد
والمحاباة و ما يرتبط بكل ذلك من استياء وغضب العامة. ولا يمكن الآن
التنبؤ بشكل التغير وهل سيأتي من خلال تغيير تدريجي من أعلى لأسفل أم سيأتي
نتيجة اضطراب سياسي أو اقتصادي ،ولكنه سيأتي حتماً لا محالة. آن التحديث
الخامس أصبح في عصر العولمة ضرورة أساسية أكثر من آي وقت مضى .